|
أحمد نجيب الشابي (*)
تمثل بطالة خرجي
التعليم العالي في تونس ظاهرة جديدة ومتعاظمة، فمن المنتظر أن يتطور عدد
الخرجين من 34500 سنة 2001 إلى 56500 سنة 2006 و73200 خريجا سنة 2009 بعد أن سجل
نموهم نسبة 86 بالمائة خلال المخطط التاسع (1997/2001). ومن جهة أخرى يقدر عدد
الطلبات الإضافية للشغل خلال المخطط العاشر (2002/2006) بثمانين ألف طلب سنويا،
يشكل حاملو الشهادات العليا خمسين بالمائة منها. فما هي حقيقة ظاهرة البطالة في
تونس؟ وما هو نصيب الخرجين منها؟ وما هي أسبابها وآفاق تطورها؟ وما هي مقترحات
الحكومة إزاءها؟ وما هي السياسات البديلة الممكنة؟ وما هي مطالب المعنيين مباشرة
بها؟ وما هي إمكانات تحقيقها؟ عن هذه الأسئلة تحاول هذه الورقة تقديم إجابات
أولية على أمل أن تشكل مدخلا لحوار معمق حول هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة
والمتنامية.
أولا:
معطيات عامة حول البطالة في بلادنا
بلغ عدد السكان
النشطين سنة 2003
في تونس
500 460 3 شخص وهم السكان العاملون أو بصدد البحث النشط عن موطن عمل.
ولا يمثل هذا
العدد سوى 48،2 بالمائة من عدد السكان البالغين سن العمل (15 سنة فما فوق) ذلك
أن ربع الرجال( 23 بالمائة) وزهاء ثلاثة أرباع النساء(74،2 بالمائة) الذين بلغوا
سن العمل (ويشكلون صنف العاملين الاحتماليين) لم يقع احتسابهم ضمن عدد السكان
النشطين خلال فترة المخطط التاسع 1997/2001.
أما العاملون فبلغ
عددهم مليونين وتسعمائة وواحد وخمسين ألفا ومائتي عامل (200 951 2) سنة2003
ويتركب عدد العاطلين
عن العمل من الفرق بين عدد السكان النشطين وعدد المشتغلين فبلغ سنة 2003 خمسمائة
وتسعة آلاف ومائتي نفر (300 509) ومثل 14،3 بالمائة من السكان النشطين بعد أن
كانت هذه النسبة ترتفع إلى 15،3 سنة 2002.
ومثل الأجراء
نسبة 64.4 بالمائة من مجمل العاملين في نفس السنة بينما مثل الأعراف
والمنتصبون
للحساب الخاص زهاء 27 بالمائة فيما مثل المعينون العائليون الثماني بالمائة
المتبقية كما يتضح ذلك من الجدول البياني التالي:
|
|
عرف أو مستقل |
أجير |
معين عائلي |
غير مصرح به |
المجموع |
|
العدد |
791،9 |
500 896 1 |
257،4 |
5،4 |
200 951 2 |
|
النسبة
المائوية |
26.9 |
64.4 |
8.7 |
0.0 |
100
|
ويشغل القطاع العام
59.5 بالمائة من العاملين في حين يشغل القطاع الخاص الـ 40.5 بالمائة المتبقية.
وتشكل المؤسسات الصغرى والمتوسطة وهي المؤسسات التي تشغل ما بين العشر عمال
والمائتي عامل 84 بالمائة من المؤسسات ولكنها لا تشغل سوى 32.4 من عامة العاملين
فحين أن هذا النوع من المؤسسات يشغل 60 بالمائة من القوة العاملة في البلدان
الصناعية ويتوزع التشغيل على القطاعين الخاص والعام وعلى المؤسسات داخل القطاع
الخاص حسب الجدول التالي:
|
عدد العاملين |
أقل من خمسين
|
بين 50 و199 |
فوق 200 |
جملة
القطاع
الخاص
|
القطاع العام |
المجموع |
|
النسبة من عدد
المؤسسات |
55.3 |
28.6 |
9 |
92.9 |
7.1 |
100 |
النسبة من التشغيل
|
9.9 |
22.5 |
27.1 |
59.5 |
40.5 |
100 |
وإذا اقتصرنا على
القطاع الخاص فتشكل المؤسسات الصغرى التي تشغل أقل من عشرة أشخاص 84 بالمائة من
المجموع فيما تشكل المؤسسات الوسطى (المشغلة لما بين 10 و199 عاملا) 14 بالمائة
والمؤسسات الكبرى (المشغلة لما فوق 200 عامل) 2 بالمائة من مجموع المؤسسات.
وتستأثر المؤسسات
الصغرى التي تشغل بين الشخص الواحد والشخصين بنسبة 86 بالمائة من التشغيل في
القطاع الخاص أما المؤسسات الصغرى التي تشغل بين الشخص الواحد والخمس أشخاص
فترتفع حصتها من العاملين في القطاع الخاص إلى 92 بالمائة. وتلقي هذه الأرقام
الضوء على صغر حجم المؤسسات الخاصة وما تواجهه من مصاعب في الحصول على القروض
البنكية وادماج التكنولوجيا والمساهمة بقسط أكبر من التشغيل وخاصة في تشغيل اليد
العاملة المهرة.
وعلى الرغم من أن
نسبة نمو الناتج الداخلي الخام كانت مرتفعة نسبيا ومقدرة بـ 5 بالمائة وبالرغم
من أن انخفاض نسبة النمو الديمغرافي خفف من الضغط على التشغيل، فإن نسبة نمو
الناتج الداخلي الخام هذه لم تكن كافية لامتصاص البطالة التي استقرت في مستوى 15
إلى 16 بالمائة من السكان النشطين. ويعود هذا الاستقرار إلى أن نسبة إحداث فرص
العمل المقدرة بـ 11 بالمائة طيلة فترة المخطط التاسع (1997-2001) تطورت بنسق
مساو لنسبة نمو عدد السكان النشطين (11 بالمائة أيضا).
وتفيد التجربة
الدولية أن دولة مثل أيرلندا تمكنت من التخفيض في نسبة البطالة من 17 إلى 4
بالمائة في الفترة ما بين 1986 و2000 بفضل نسبة نمو للناتج الداخلي الخام فاقت
السبعة بالمائة، ويذكر أن أيرلندا عرفت نسبة نمو للسكان النشطين مساوية للنسبة
التونسية ومقدرة بـ 2.7 بالمائة وبهيمنة القطاع الفلاحي على التشغيل.
ومن جهة أخرى تفيد
التقديرات بأن الرفع في نسبة نمو الناتج الداخلي الخام في تونس بنقطة واحدة( من
5.5 إلى 6.5 سنويا) يمكن أن يحط من نسبة البطالة بثلاث نقاط.
إلى ذلك تميز العمل
التنموي بانخفاض كثافة الشغل من نسبة النمو.
ويقصد
بانخفاض كثافة الشغل من نسبة النمو انخفاض مردود النقطة المئوية الواحدة لنسبة
النمو من إحداثات الشغل.
ويشير هذا
الانخفاض إلى أن الاستثمار توجه إلى القطاعات ذات الكثافة الرأسمالية العالية على
حساب القطاعات ذات التشغيل المكثف. وتضافرت عدة أسباب لتدفع العمل التنموي في
هذا الاتجاه لعل أهمها:
-
الحاجة
إلى تكثيف الاستثمار في الرأسمال المادي للرفع من الإنتاجية ومن القدرة
التنافسية بالنسبة لاقتصاد مفتوح
-
انخفاض
سعر مواد التجهيز في البلدان المصنعة نتيجة انخفاض نسبة التضخم واشتداد المنافسة
-
التخفيض
في الحواجز الجمركية عند استيراد مواد التجهيز
-
سياسة
مشجعة أكثر على الاستثمار في الرأسمال المادي (34 بالمائة من التشجيعات) منها على
تشغيل اليد العاملة(2،7 فقط في قالب إعفاءات من المساهمة في صناديق التغطية
الاجتماعية).
-
تهرب رجال
الأعمال من أعباء كلفة اليد العاملة وخاصة منها الكلفة غير المباشرة والمقدرة بـ
28 بالمائة من كتلة الأجور وكذلك كلفتها عند التسريح (منح الطرد من العمل).
وقد نتج عن هذه
العوامل مجتمعة انخفاض نسبي لكلفة الرأسمال المادي قياسا لكلفة اليد العاملة
واندفاع الاستثمار إلى القطاعات ذات الكثافة الرأسمالية العالية على حساب
القطاعات المشغلة ليد عاملة كثيفة.
وتواجه سياسة
التشغيل ثلاث تحديات خارجية جديدة: تتمثل الأولى في توسع الاتحاد الأوربي نهاية
شهر أفريل الجاري لعشر دول جديدة تعد بلدانا منافسة لتونس في السوق الأوربية
فضلا عن إنشاء منطقة للتبادل الحر مع ثلاث دول أخرى وهي تركيا وبلغاريا ورومانيا
والتي تعد هي الأخرى بلدانا نافسة لتونس.
أما التحد الثاني
فيتمثل في نهاية العمل بالاتفاقية المتعددة الألياف في موفى شهر ديسمبر القادم
والتي بنهايتها سوف ينتهي نظام الحصص الذي تمتعت به الصادرات التونسية من الملابس
إلى السوق الأوربية مما يعرض المنتوجات التونسية إلى منافسة شرسة من قبل منتوجات
الدول الآسيوية وخاصة منها الصين ويقدر أن يفقد نتيجة لذلك قطاع النسيج والملابس
نصف العاملين فيه ( مائة ألف موطن شغل من أصل 207 إلى 250 ألف موطن ) في غضون
السنتين القادمتين.
أما التحدي الثالث
فيتمثل في اقتراب موعد إنشاء منطقة للتبادل الحر بين تونس والاتحاد الأوربي سنة
2007 وما سوف يصاحبها من إلغاء للحواجز الجمركية ومن اشتداد للمنافسة على البضائع
المصنعة محليا والموجهة للسوق الداخلية. وسبق لاتحاد الصناعة والتجارة أن قدر أن
ثلثي المؤسسات مهددة في وجودها وأن عدد مواطن الشغل المرشحة للفقدان سترتفع إلى
مائة وعشرين ألف موطن عمل. وبالرغم من المجهود المبذول في إطار برنامج تأهيل
المؤسسات في أفق التحضير لهذا الموعد فإن النتائج جاءت هزيلة. ذلك أن برنامج
تأهيل المؤسسات ركز في تدخله على الاستثمارات ذات الكثافة الرأسمالية العالية
وتوجه إلى المؤسسات الكبرى والمصدرة وبخاصة على تلك التي تعمل في قطاع الصناعات
الغذائية والنسيج ومواد البناء. ولئن ساهم هذا البرنامج في الرفع من مستوى
التصدير والتشغيل في المؤسسات التي شملها فإن ذلك كان بنسب قليلة إذ قدر نمو
للتشغيل في المؤسسات التي شملها البرنامج بـ 4 بالمائة مقابل معدل 2.9 بالمائة في
قطاع الصناعات المعملية.
وتحصل عدد محدود من
المؤسسات فقط على كامل التعهدات المالية المرصودة لها والتي تصرف على ثلاث دفعات
ويذكر أن البرنامج يرصد مبلغ ألفين وثلاثمائة وعشرين مليون دينار (320 2 م د)
بعنوان الاستثمارات و300 مليون دينار بعنوان الدعم و لم يصرف حتى اليوم من هذا
الأخير سوى 90 مليون دينار.
ثانيا:
عدم التلاؤم بين التشغيل والمهارات
يتضافر عاملان في
تشكل ظاهرة عدم التلاؤم بين المهارات والتشغيل ويتمثل الأول في طبيعة القطاعات
المشغلة للسكان النشطين أما الثاني فيتعلق بارتفاع مستوى التمدرس بين هؤلاء
السكان.
مساهمة قطاعات الإنتاج في التشغيل
وتساهم قطاعات
الإنتاج بصفة متفاوتة في إحداث مواطن الشغل، من ذلك أن استأثرت الصناعات
المعملية وقطاع الخدمات الخاصة بخمسين بالمائة من جملة إحداثات الشغل خلال المخطط
التاسع (1997-2001). أما في سنة 2003 فتوزع العاملون على قطاعات الإنتاج حسب
الجدول التالي:
|
المجموع |
غير مصرح |
الخدمات |
البناء |
الطاقة+مناجم |
الصناعات |
فلاحة+صيد |
|
|
200 951 2 |
17،3 |
329 1 |
362،5 |
32،2 |
581،6 |
628،6 |
العدد بالآلاف |
|
100
% |
0،6 |
45 |
12،3 |
1،1 |
19،7 |
21،3 |
النسبة
% |
ملاحظة: تضم الخدمات
في هذا الجدول الخدمات الخاصة (27 بالمائة) وسائر لخدمات الأخرى بما فيها الإدارة
(%13).
ويتسم وضع التشغيل في تونس بمفارقة تتمثل في أن أكثر القطاعات إحداثا لمواطن
العمل هي الأقل تشغيلا لليد العاملة المهرة.
فقطاعات الفلاحة
والبناء والنسيج والتجارة ولئن مثلت أكثر القطاعات إحداثا لمواطن الشغل فهي أكثر
القطاعات اعتمادا على اليد العاملة الرخيصة وغير المتخصصة وأقلها تشغيلا لليد
العاملة المهرة.
وبالمقابل يتميز
قطاع الصناعات المعملية (عدا النسيج) وقطاع الخدمات الخاصة(عدا التجارة) بتحقيق
نسبة عالية من احداثات الشغل وبتشغيل اليد العاملة المهرة في ذات الآن. ومن أهم
هذه القطاعات المشغلة لليد العاملة المهرة نذكر قطاع الصناعات الكهربائية
والميكانيكية وقطاع النقل والاتصالات.
أما الفلاحة
والإدارة فلئن أسهمتا بأربعين بالمائة من إحداثات الشغل خلال المخــطط التاسع (
000 34 من أصل 000 68 موطن عمل سنويا) وسجلتا سنة 2003 تشغيل ثلث اليد العاملة
فانهما تعدان من القطاعات التقليدية التي تسجل أضعف نسبة من إنتاجية العمل(والحال
كذلك بالنسبة لقطاع البناء). ويتعرض هذان القطاعان إلى ضغط مضاعف يتمثل الأول في
ضرورة السيطرة على عجز ميزانية الدولة والتي تمثل الأجور وخدمة الدين الخارجي أهم
نسبة من نفقاته وما ينجر عن ذلك من ضغط على الانتداب في الإدارة أما الثاني
فيتمثل في ضرورة الاستثمار في القطاعات العالية الإنتاجية لكسب رهان المنافسة
والتصدير على حساب إحداث مواطن الشغل في قطاع الفلاحة.
الهيكلة الديمغرافية والتربوية للسكان النشطين
أما من جهة التغيرات
الديموغرافية
والتربوية التي طرأت على هيكلة السكان النشطين فيلاحظ أن العاطلين عن العمل من
دون سن الثلاثين عاما مثلوا 68 بالمائة من المجموع سنة 2003 كما يظهر ذلك من
الجدول التالي:
|
المجموع سنة |
35-59 سنة |
30-34 سنة |
25-29 سنة |
20-24 سنة |
18-19سنة |
|
|
451.9 |
87.3 |
57.4 |
119.7 |
144.3 |
43.2 |
العدد بالآلاف |
|
100 |
19.3 |
12.7 |
26.5 |
31.9 |
9.6 |
النسبة المئوية |
ويلاحظ أن الفئة
العمرية من دون الثمانية عشر وما فوق التاسعة والخمسين سنة لم تحتسب في هذا
الجدول.
أما السكان
النشطون (عاملين وعاطلين) فتوزعوا سنة 2001 من حيث السن ومستوى التعليم إلى
أربعة مجموعات كما يتبين ذلك من الجدول التالي:
|
النسبة من جملة العاملين |
معدل البطالة
في المجموعة |
النسبة من جملة العاطلين |
النسبة من
السكان
النشطين |
مستوى التعليم
|
|
20 بالمائة |
10 بالمائة |
11 بالمائة |
19 بالمائة |
دون الابتدائي |
|
10 |
18 |
47 |
41 |
ابتدائي كامل |
|
40 |
17 |
36 |
32 |
ثانوي كامل أو
تكوين مهني كامل |
|
31 |
11 |
6 |
9 |
خريجو التعليم
العالي
|
|
100 |
15.3 |
100 |
100 |
المجموع |
ويلاحظ من هذا
الجدول أن خرجي المدارس الثانوية ومؤسسات التعليم العالي الذين يمثلون 41 بالمائة
من السكان النشطين ترتفع حصتهم من التشغيل (71 بالمائة) فيما تقل حصتهم من
البطالة (42 بالمائة) على عكس الوضع بالنسبة لليد العاملة من مستوى التعليم
الابتدائي فما دون والتي تمثل 60 بالمائة من السكان النشطين وترتفع حصتها من
البطالة (58 بالمائة) وتنخفض من التشغيل (30 بالمائة) ما يدل على أن فرصة
الحصول على عمل ترتفع مع ارتفاع مستوى التعليم لكن الجدول يشير في نفس الوقت
إلى أن معدل البطالة(10 بالمائة) يتدنى بالنسبة لمن هم دون مستوى التعليم
الابتدائي والذين يمثلون خمس السكان النشطين ما يدل على توفر الشغل لليد العاملة
غير المهرة والرخيصة وبالمقابل ترتفع نسبة البطالة فوق المعدل الوطني لخرجي
المدارس الابتدائية والمعاهد الثانوية والتكوين المهني ما يدل من جهة أخرى على أن
خطر البطالة يتعاظم مع ارتفاع مستوى التعليم .
كما تجدر الملاحظة
أنه لولا دور الإدارة في تشغيل خرجي الجامعات (شغلت الإدارة61 بالمائة من جملة
الخرجين سنة..) لارتفع معدل البطالة بالنسبة لهذه الفئة السكانية إلى 15 بالمائة.
وفي سنة 2003 توزع
العاطلون عن العمل حسب المستوى التعليمي على النحو التالي:
|
المجموع |
عالي |
ثانوي |
ابتدائي |
لا شيء |
مستوى التعليم |
|
100 |
10 |
37.4 |
43.4 |
9.2 |
النسبة المئوية |
كما تدل التحقيقات
على أن فئة السكان النشطين الذين لم يتجاوزوا مستوى التعليم الابتدائي تنمو
بنسبة أضعف من المعدل العام لنمو السكان النشطين وتعرف في نفس الوقت نسبة
للبطالة أدنى من المعدل الوطني في حين تعرف فئة خرجي المعاهد الثانوية والمؤسسات
الجامعية نسبة نمو أسرع ونسبة للبطالة أرفع من المعدل الوطني ما يدل على أن نسبة
البطالة ترتفع مع انخفاض السن وارتفاع مستوى التعليم.
و بالنسبة للفئة
العمرية ما بين 20 و 29 سنة فان معدل البطالة يرتفع لديها بالنسبة لأصحاب
الشهادات الثانوية أو العليا وينخفض بالنسبة لمن هم من مستوى التعليم الابتدائي
وذلك خلافا لما هو عليه الوضع بالنسبة للسكان النشطين ككل أو بالنسبة لمن هم من
الفئة العمرية الأكبر سنا.
أما بالنسبة
للوافدين الجدد على سوق الشغل فيحمل ثلثاهم(3/2) شهادة ثانوية أو عليا مقابل
الثلث فقط
لدى فئة العاطلين
الذين عملوا في السابق.
وتوزع العاطلون عن
العمل من بين الوافدين الجدد على سوق الشغل في سنة 2001 إلى 42 بالمائة من مستوى
التعليم الابتدائي فما دون و58 بالمائة من مستوى التعليم الثانوي فما فوق بينما
كانت هذه النسب تباعا 63 و 37 بالمائة لدى العاطلين ممن عملوا في السابق مما يدل
أيضا على أن معدل البطالة يرتفع بالنسبة للشباب مع ارتفاع مستوى التعليم.
توزع الوافدين الجدد
سنة 2001 حسب المستوى التعليمي:
|
المجموع |
عالي |
ثانوي |
ابتدائي |
لا شيء |
مستوى التعليم |
|
100 |
14 |
44 |
37 |
5 |
النسبة المئوية |
أما بالنسبة لمدة
البطالة فقدر معدلها العام سنة 2001 بأربعة عشر شهرا وارتفع هذا المعدل إلى 21
شهرا بالنسبة للوافدين الجدد فيما انخفض إلى 10.8 بالنسبة للعاطلين ممن عملوا في
السابق. ومعلوم أن فترة البطالة يمكن أن تمتد من شهر واحد إلى ثماني سنوات، وحسب
تحقيق أجري سنة 1999 فإن 70 بالمائة من الوافدين الجدد كانوا في حالة بطالة منذ
فترة تزيد عن العام.
وتفيد التوقعات أن
هذه الوضعية مرشحة للتطور مع الوقت إذ ينتظر أن يتضاعف عدد السكان النشطين ممن
تجاوزوا مستوى التعليم الثانوي مرتين ونصفا فيما سوف ينخفض عدد السكان الأقل
مستوى تعليمي بنسبة 30 بالمائة.
ومن جهة أخرى ينتظر
أن يتضاعف عدد العاطلين من بين السكان الأعلى مستوى تعليمي ثلاث مرات في غضون
العشرية القادمة.
المدرسة والتشغيل
عرف مستوى التمدرس
نموا كميا معتبرا في غضون السنوات الماضية من ذلك أن شملت المرحلة الأولى من
التعليم الأساسي الأطفال المتراوحة أعمارهم بين 6 و 12 سنة بنسبة 98 بالمائة.
كما تفيد الأرقام الرسمية أن نسبة التمدرس بالنسبة لفئة الشبان المتراوحة
أعمارهم بين 12 و18 سنة بلغت 76 بالمائة وان نسبة تسجيل الشبان المتراوحة
اعمارهم بين 19 و23 سنة بلغت 26 بالمائة سنة 2003.
ومن الأهداف
المرسومة في ميدان التعليم أن ينتفي الانقطاع عن الدراسة في التعليم الأساسي في
أفق 2016 وبذلك تشمل المدرسة الأساسية جميع الأطفال المتراوحة أعمارهم بين 6 و 16
سنة وتنخفض نسبة الرسوب وتتحسن المردودية الداخلية للمؤسسة التربوية.
وتفيد التوقعات أيضا
أن عدد التلاميذ في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي ستنخفض بينما سيسجل عددهم
في الثانوي والعالي ارتفاعا نتيجة تحسن نسبة النجاح في الابتدائي و"جمهرة التعليم
العالي".
إلى ذلك ينتظر أن
يتناقص عدد التلاميذ في التعليم الابتدائي بنسبة 6 بالمائة في غضون العشرية
القادمة فيما يزداد عددهم في التعليم الثانوي بنسبة 20 بالمائة.
وبذلك ينخفض في أفق
2010 عدد التلاميذ في التعليم الأساسي بنسبة 40 بالمائة فيما يرتفع عددهم في
التعليم الثانوي بنسبة 80 بالمائة.
وعلى الرغم من هذه
الإنجازات والتوقعات الكمية يضل النظام التعليمي يواجه مسألة النوعية. من ذلك أن
نسبة الرسوب في المرحلة الثانية من التعليم الأساسي ارتفعت سنة 2003 إلى19.5
بالمائة فيما ارتفعت نسبة الانقطاع إلى 9 بالمائة. وتقف هذه النسب عائقا في وجه
تحقيق هدف المدرسة الأساسية للجميع في أفق 2016.
كما يضل النظام
التعليمي يشكو من عدم التلاؤم بين مستوى الإنفاق المرتفع نسبيا بالمقاييس الدولية
وبين مردودية التعليم وبخاصة في مستوى المرحلة الثانية من التعليم الأساسي وفي
التعليم الثانوي.
ويعود ضعف المردودية
هذا في جانب منه إلى تضخم نسبة الأجور من النفقات (90 بالمائة) والتي يذهب قسط
وافر منها لأعمال الإدارة على حساب الوظائف التربوية والمواد البداغوجية ويعود
في جانب آخر إلى تدني مستوى المكونين أنفسهم.
ومن بين المشاكل
النوعية الأخرى التي يواجهها النظام التعليمي اختلال التوازن الجهوي وضعف العلاقة
بين النظام التربوي والجهاز الإنتاجي و استفحال الثنائية بين شعب للنخبة وأخرى
للجماهير تعوزها الموارد وتلعب المقاييس الاجتماعية والإمكانات الاقتصادية دورا
في تغذية هذا الاستقطاب.
بطالة حاملي الشهادات العليا
ارتفع عدد العاملين
الحاملين لشهادات عليا سنة 2001 إلى 700 243 شخص وشكلوا نسبة 8.5 بالمائة من عدد
السكان النشطين وسوف يبلغ عددهم حسب بعض التوقعات 900 766 شخص ويمثلون 11.3 من
السكان النشطين أما نسبة البطالة لديهم فمن المتوقع أن ترتفع من 9.4 سنة 2001
إلى 39.6 بالمائة سنة 2020 كما يتبين ذلك من الجدول التالي:
|
النسبة
العامة
للبطالة |
نسبة البطالة |
مواطن العمل لحاملي الشهادات |
حاملو الشهادات الجدد |
نسبة التأطير |
مجمل التشغيل
في تونس
|
العاملون المجازون |
السنة |
|
15.7 |
9.4 |
12400 |
22700 |
8.5 |
700 821 2 |
700
243 |
2001 |
|
12.5 |
30.2 |
17800 |
34250 |
9.8 |
200 641 3 |
200
347 |
2010 |
|
9.7 |
39.6 |
27100 |
47000 |
11.3 |
300 552 4 |
200
515 |
2020 |
|
7.9 |
37.7 |
40400 |
47000 |
11.3 |
100 771 5 |
900
766 |
2030 |
المصدر: المعهد
التونسي للدراسات الاستراتيجية
وتبدوا أرقام هذا الجدول أدنى من الأرقام الحقيقية ذلك أن عدد حاملي الشهادات
العليا كان 543 24 سنة 2001 وتطور إلى 283 34 سنة 2003 بحيث يكون المرقم
المتوقع لسنة 2010 قد تحقق في سنة 2003 مما يجعل توقعات معهد
ITEC
متفائلة نسبيا ويظهر الجدول التالي المستقى من
وزارة
التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا عدد الخرجين ونسبة نموهم في السنوات
الثلاث المــاضية (2001-2003):
|
نسبة التطور السنوي |
عدد الخرجين من التعليم العالي |
السنة |
|
14.5 بالمائة (قياسا لسنة 2000) |
543 24 |
2001 |
|
16.4 بالمائة |
565 28 |
2002 |
|
20.0 بالمائة |
283 34 |
2003 |
وتشغل الإدارة حاليا 000 134 من حاملي الشهادات ما يمثل 61 بالمائة ويتوزع
الباقون على قطاعات الإنتاج حسب ما يفيده الجدول التالي:
|
الجملة |
الفلاحة |
صناعات
غير معملية |
الصناعات المعملية |
الخدمات |
الإدارة |
القطاع |
|
100% |
2 |
4 |
8 |
25 |
61 بالمائة |
النسبة |
المصدر: معهد الدراسات الاستراتيجية
وتمثل هذه النسب نسبة تأطير مختلف القطاعات وتفيد التجربة الدولية بأن نمو الناتج
الداخلي الخام يتوقف على نسبة التأطير هذه.
أما العاطلون عن العمل الذين بلغوا مستوى التعليم العالي فقد بلغ عددهم 100 45
عاطل سنة 2003 فيما ارتفع عدد العاطلين من حاملي الشهادات (الذين أنهوا تعليمهم
العالي) إلى 900 28 عاطل في نفس السنة ويعطي الجدول التالي بيانا عن عدد العاطلين
ممن بلغوا مستوى التعليم العالي ومن حاملي الشهادات الجامعية ونسبهم من مجموع
العاطلين في غضون السنوات الثلاث الماضية:
|
سنة 2003 |
سنة 2002 |
سنة 2001 |
العاطلون من مستوى التعليم العالي (فوق الثانوي) |
|
45.1 |
38.7 |
31.8 |
العدد
بالآلاف |
|
10 |
8.5 |
7.1 |
النسبة
المئوية من مجموع العاطلين |
|
|
|
|
|
| |
|
|
العاطلون من حاملي الشهادات العليا |
|
|
28.9 |
23.2
|
العدد
بالآلاف |
|
|
6.3 |
5.1 |
النسبة
المئوية من مجموع العاطلين |
ومن جهتها تفيد
توقعات البنك الدولي أن نسبة العاملين الذين بلغوا مستوى التعليم العالي سترتفع
من 8.3 سنة 2001 إلى 12.2 بالمائة سنة 2006 ثم إلى 23 بالمائة سنة 2016 فيما سوف
تنخفض نسبة المشتغلين الذين لم يتجاوزوا مستوى التعليم الابتدائي من 60 بالمائة
حاليا إلى 40 بالمائة في نفس المدة.
وتفيد نفس التوقعات
أن نسبة العاطلين عن العمل من حاملي الشهادات العليا سترتفع من 10 بالمائة سنة
2001 إلى 18.6 سنة 2006 ثم إلى 28 بالمائة سنة 2016.
أما نسبة حاملي
الشهادات العليا من طالبي العمل للمرة الأولى فمن المتوقع أن ترتفع من 23 بالمائة
سنة 2001 إلى 45.9 بالمائة سنة 2006 إلى 55 بالمائة سنة 2016.
هذا التحسن في
المستوى التعليمي من جهة نسبة التسجيل وعدد الخرجين يخفي خللا بنيويا من حيث توزع
الخرجين على مختلف الشعب ومن جهة ملاءمة المنتوج المدرسي لحاجيات التشغيل.
فمن ناحية تشكو
هياكل النظام التربوي تصلبا بسبب سيطرة الشهادات العليا من الشعب الأدبية والعلوم
الإنسانية إذ مثل حاملو الشهادات العليا من خرجي الآداب والعلوم الإنسانية 30
بالمائة من مجموع الخرجين ومثل خريجو الحقوق والعلوم الاقتصادية 30 بالمائة أخرى
فيما مثل حاملو الشهادات من الشعب العلمية المختلفة الـ 40 بالمائة المتبقية.
ويبرز الجدول التالي
توزع حاملي الشهادات العليا سنة 2003 على مختلف الشعب حسب التصنيف النموذجي
الدولي للتعليم (CITE):
|
المجموع |
شهادة هندسة |
دكتوراه طب
وصيدلة |
شهادة
اختصاصي |
تقنيون سامون |
معلمون |
أستاذية |
|
|
280 34 |
669 1
|
215 1
|
272 |
337 10
|
944 |
19846 |
العدد |
|
100
|
4.9
|
3.6
|
0.8
|
30.1
|
2.7
|
57.9
|
النسبة |
المصدر: وزارة
التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا
ويعزى هذا التصلب
إلى عدة أسباب يمكن أن نذكر من بينها:
-أن الطلبة يوزعون
على الشعب المختلفة بناء على النتائج المدرسية دون أن يتمكنوا من اختيار الشعبة
المفضلة لديهم ودون أن تتوفر لهم المعلومة حول المهن المتوفرة وحاجيات سوق الشغل
حتى يتمكنوا من تقرير مستقبلهم عن دراية.
-
سيادة
ثقافة تنظر إلى التخرج الجامعي كمؤهل لخطط القيادة والإدارة لا سبيل إلى التخصص
وتنظر إلى التكوين المهني من زاوية الفشل المدرسي لا كطريق لاكتساب المهارة
والتخصص.
-
شحة
الموارد
-
ضعف
العلاقة بين المؤسسة التربوية والمؤسسات الإنتاجية
تدني مستوى المدرسين
أنفسهم الذي لا يساعد على دفع التخصص داخل الشعب.
وبالرغم من تحسن حصة
الشعب العلمية قياسا إلى الشعب الأخرى فمن المتوقع أن تستمر الشعب الأدبية
والإنسانية على تخريج أكبر عدد من حاملي الشهادات العليا.
من هذه الاتجاهات
الكمية والنوعية لتطور مردود المؤسسة التعليمية ومن طبيعة استراتيجية التنمية
التي اعتمدتها البلاد في غضون العقود الثلاثة الماضية والتي قامت على قطاعات تشغل
يد عاملة رخيصة وقليلة المهارة يمكن أن نستنتج أن الاقتصاد التونسي لا يواجه
اليوم مشكلة عدم كفاية معدل التنمية لامتصاص البطالة وتحقيق التشغيل وحسب وإنما
يواجه أيضا مشكلة استيعاب المهارات التي تدفع بها المؤسسة التربوية ومشكلة ملاءمة
هذه الأخيرة لحاجيات سوق الشغل.
ولا يبدو الاقتصاد
التونسي مؤهل لرفع أي من هذه التحديات.
فعلى مستوى
امتصاص اليد العاملة الإضافية والقدرة بثمانين ألف طلب سنويا في السنة اعتمادا
على نسبة نمو بـ 5.5 بالمائة للناتج الداخلي الخام، يقدر البنك الدولي أن تونس لن
يمكنها تحقيق أهداف التشغيل المرسومة في المخطط العاشر (2002/2006) إلا إذا
استمرت القطاعات التقليدية كالإدارة والفلاحة في تشغيل أكبر قسط من الوافدين على
سوق العمل (40 بالمائة من إحداثات الشغل) وهو ما يتعارض مع حاجة البلاد إلى
الاستثمار في القطاعات العالية الإنتاجية كالصناعات المعملية (عدا النسيج) وفي
الخدمات الخاصة ( نقل، تقنيات الإعلامية والاتصال) كما يتعارض مع حاجة البلاد إلى
الضغط على عجز ميزانية الدولة لمواجهة أعباء الدين الخارجي.
ويرى البنك أن تشغيل
اليد العاملة الإضافية يفرض الرفع من نسبة نمو القطاعات من غير الفلاحة بنسبة 10
بالمائة عوضا عن الـ6 بالمائة المقررة في المخطط العاشر من ذلك أن ترتفع نسبة
النمو في قطاع الصناعات المعملية من 4.9 إلى 7.5 بالمائة ونسبة النمو في الخدمات
الخاصة من 7.5 حاليا إلى 11.5 بالمائة.
ولا تبدو هذه
الأهداف، بدورها، قابلة للتحقق في المدى القريب إذ سجل الناتج الداخلي الخام سنتي
2002 و 2003 نسبة نمو بـ3.6 بالمائة فقط. ويقدر البنك الدولي أن نسبة النمو سوف
تستقر في ما بين 4.5 و5.5 بالمائة على المدى المتوسط .
ومن جهة أخرى واصلت
إنتاجية العمل في التطور بنسبة 3 بالمائة في المدة الأخيرة مشيرة إلى أن
الاستثمارات تتجه إلى القطاعات ذات الكثافة الرأسمالية العالية على حساب القطاعات
المشغلة ليد عاملة كثيفة.
وتمثل قضية
الاستثمار ركن الزاوية في العمل التنموي وفي إحداث مواطن الشغل.
فالاستثمار يعاني من
حالة ركود منذ سنوات وذلك بالرغم من التشجيعات المقررة صمن مجلة الاستثمار.
وبالرغم من انسحاب الدولة من قطاع الإنتاج عبر سياسة الخصخصة لا زال الاستثمار
العام يلعب دورا أساسيا في التنمية.
وبالرغم من أهمية
التشجيعات الممنوحة للاستثمار الخاص والتي تتجه بالخصوص إلى الصناعات التصديرية
ومنها المستثمرين الأجانب والتي بلغت 668 مليون دينار سنة 2002( أو 2.3 من ن د خ)
فضلا عن مساهمة برنامج تأهيل المؤسسات( 13 بالمائة من ميزانيته)، لم يعرف
الاستثمار الخاص حالة النهوض المرتقبة ، إذ بلغ 13.2 من الناتج الداخلي الخام سنة
2002 وكانت هذه النسبة 12 بالمائة سنة 1995 أما نسبة الاستثمار الخارجي من
الاستثمار الخاص فقد انخفضت من 16 بالمائة سنة 1995 إلى 12 بالمائة فقط ( دون
احتساب مداخيل الخصخصة) سنة 2002.
وتعد نسبة الاستثمار
الخاص من الناتج الداخلي الخام في تونس ( 13.2 بالمائة) متدنية جدا قياسا إلى
بلدان المقارنة حيث تبلغ 25 بالمائة. ويقدر البنك الدولي أن الرفع من مستوى
الناتج الداخلي الخام في تونس بنقطة واحدة (من 5.5 حاليا إلى 6.5 ) يمكن أن يقلص
البطالة بثلاث نقاط مئوية خلال خمس سنوات لكن ذلك يتطلب الرفع من حصة الاستثمار
في الناتج الداخلي الخام بسبع نقاط مئوية.
ومن أهم الأسباب
التي تقف في وجه نهوض الاستثمار المناخ غير الملائم المتميز بعدم الشفافية وبثقل
الإجراءات البيروقراطية المعطلة للدورة الاقتصادية وبظاهرة السوق الموازية وبحالة
القطاع البنكي
فضلا عن ضيق السوق
الداخلية وما تفرضه من ضرورة الاندماج في اتحادات إقليمية والانفتاح على السوق
العالمية.
ثالثا: السياسات الحكومية إزاء بطالة حاملي الشهادات العليا
تركّز السياسيات
الحكومية تدخلها في ميدان التشغيل على فئات الشباب التي تمثل الشريحة الأكبر من
العاطلين عن العمل (زهاء 70 بالمائة من العاطلين سنهم دون الثلاثين).
وفي سنة 2002 سخرت
الحكومة 455 مليون دينار لبرامج التشغيل وهو ما يمثل حوالي 1.5 بالمائة من الناتج
الداخلي الخام.
وتستأثر إحداثات
الشغل بالقسط الأكبر من هذه الأرصدة (240،92 مليون دينار) وتسيطر القروض الصغرى
(192.31 م د) وحضائر الشغل(44.85 م د) على هذا الباب.
أما الباب الثاني من
حيث أهمية المبالغ المرصودة فيهم التدخل لفائدة الشباب (170،06 مليون دينار)
ويشكل التكوين المهني ( 120 م د) وتدخلات الصندوق الوطني للتشغيل (33 م د) أهم
مجالات التدخل ضمن هذا الباب فيما يذب الباقي إلى التربصات المختلفة (حوالي 13 م
د).
ويأتي في المرتبة
الثالثة من الأهمية باب التدخل لفائدة التكوين المستمر وتكوين الكهول (17،54 م
د).
أما الباب الرابع
والأخير فيهم المصاريف الإدارية لهذه السياسة (21،47 م د).
ويظهر الجدول التالي
أبواب تدخل السياسيات الحكومية في ميدان التشغيل ونسبها من الناتج الداخلي الخام
( ن د خ ) ونصيب كل باب من المجموع: (المصدر: البنك الدولي)
|
النسبة المئوية من ن د خ |
النسبة المئوية من المجموع |
النفقات بملايين
الدنانير
|
الابواب
|
|
0.07 |
4.71 |
21.47 |
مصالح عمومية
وإدارة |
|
0.06 |
3.85 |
17.54 |
التكوين عند
العمل |
|
0.56 |
37.31 |
170.06 |
إجراءات
لفائدة الشباب |
|
0.04 |
2.78 |
12.69 |
- عند
الدخول (بما فيها التربصات) |
|
0.52 |
34.53 |
157.37 |
- تكوين
الشباب |
|
0.79 |
52.86 |
240.92 |
دعم وإنشاء
مواطن عمل |
|
0.01 |
0.83 |
3.76 |
- دعم الأجور
والشغل |
|
0.63 |
42.20 |
192.31 |
- دعم العمل
المستقل |
|
0.15 |
9.84 |
|
|
|
0.02 |
1.26 |
5.75 |
غير مرصود |
|
1.49 |
100 |
455.74 |
الجملة |
هذا على مستوى
المبالغ المرصودة أما على مستوى عدد المنتفعين بهذه المشاريع ففي سنة 2002 شملت
سياسة التدخل في ميدان التشغيل 161 183 شخصا توزعوا على ثلاث ميادين كبرى: تكوين
الشباب (480 69) ودعم العمل المستقل خاصة منه القروض الصغرى (162 41) وإحداث
مواطن العمل وخاصة منها حضائر الشغل (371 49) كما يتضح ذلك من الجدول التالي:
|
النسبة من السكان النشطين |
المنتفعين من سياسة التدخل |
الأبواب |
|
0.05 |
843 1 |
مصالح عمومية
وإدارة |
|
0.38 |
270 15 |
التكوين عند
الشغل |
|
1.73 |
480 69 |
إجراءات
لفائدة الشباب |
|
0.29 |
800 11 |
- طالبي الشغل
لأول مرة (تربصات) |
|
1.44 |
680 57 |
- تكوين
الشباب |
|
2.40 |
568 96 |
العمل المدعوم وإحداث الشغل |
|
0.15 |
035 6 |
- دعم الأجور
والشغل |
|
1.03 |
162 41 |
|
|
1.23 |
371 49 |
- الإحداث
المباشر للشغل (حضائر) |
|
4.56 |
161 183 |
الجملة
|
وعلى الرغم من أهمية
هذه الأرقام سوى على مستوى المبالغ المرصودة أو على مستوى عدد المنتفعين فإنه لا
يتوفر أي نوع من الدراسات أو التقييمات للوقوف على مردود هذه السياسة وأثرها على
سوق الشغل.
وأثبت التحقيق
الوطني حول التشغيل لسنة 2001 أن عددا ضئيلا فقط من العاطلين(6 بالمائة) ومن
العاملين (6 بالمائة أيضا) انتفعوا من خدمات الوكالة التونسية للتشغيل ما يدل
على أن هذه الوكالة تلعب دورا هامشيا في مجال البحث عن موطن عمل بالنسبة
للغالبية العظمى من طالبي الشغل .
ومن جهة أخرى تفيد
المقارنة مع الدول الصناعية بما فيها كوريا والبرتغال أن نسبة السكان النشطين
المنتفعين من سياسة التدخل في التشغيل والتي تمثل 4.56 بالمائة في تونس تقل عن
نصف ما هي عليه في تلك البلدان (10 بالمائة).
ومن جهة هيكلة
النفقات لا يعد التكوين المهني للشباب جزء من سياسة التشغيل في البلدان المصنعة
بل يدخل في نفقات التعليم وعلى العكس مما هو عليه الوضع في تونس يستأثر التكوين
المستمر بالقسط الأكبر من المبالغ المرصودة بهدف الحفاظ على مواطن الشغل وتأهيل
العاملين على التأقلم مع تغيرات سوق الشغل.
أما دعم العمل
المستقل (القروض الصغرى) فيعد خاصية تونسية لا تستأثر في البلدان المصنعة إلا
بقسط زهيد من النفقات لينعدم هذا النوع من الدعم تماما في بلد كاليابان.
وإذا كانت نسبة
الشباب من السكان النشطين، وعلى الأخص نسبته من طالبي الشغل لأول مرة ومن
العاطلين عن العمل، تبرر الحصة التي يستأثر بها من النفقات المرصودة لسياسة
التشغيل فإن تضخم باب التكوين المهني وباب إحداث مواطن العمل (سواء عن طريق
القروض الصغرى أو في نطاق الحضائر العمومية) إنما يعكس هشاشة الجهاز الإنتاجي
وضعف دور المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تكوين اليد العاملة واستيعاب العمالة
المهرة. وتتأكد هذه الملاحظة حينما نعلم أن الشركات الكبرى (500 عامل فما فوق)
وخاصة منها الشركات العمومية تستأثر بحصة الأسد في ميدان التكوين وبالتالي من
التعويضات المالية التي تسدى إليها لقاء ذلك الدور.
في إطار هذه السياسة
العامة لتدخل الدولة في ميدان التشغيل تتنزل السياسات الحكومية إزاء تشغيل حاملي
الشهادات العليا. وتشمل سياسة تشغيل حاملي الشهادات العليا أربع محاور:
1/ تربص الإعداد
للحياة المهنية1، وهو تربص مفتوح لطالبي الشغل لأول مرة من حاملي الشهادات
العليا ويرمي إلى تمكين الشبان من التعرف على الحياة المهنية وإلى تنمية قدراتهم
على العمل وإكسابهم الكفاءة المهنية قصد تيسير إدماجهم في سوق الشغل. وتدوم مدة
التربص سنة قابلة للتجديد مرة واحدة. وتطور عدد المنتفعين من هذا الباب حسب
الجدول التالي:
|
نسبة التطور السنوي |
عدد المنتفعين |
السنة |
|
10.8بالمائة
(قياسا لسنة 2000) |
902 6 |
2001 |
|
4.8 بالمائة |
236 7 |
2002 |
|
37.9 بالمائة |
913 9 |
2003 |
2/ برنامج تكفل
الدولة بمساهمة الأعراف في النظام القانوني للضمان الاحتماعي بعنوان انتداب حاملي
شهادات التعليم العالي وهو برنامج يهدف إلى تمكين المؤسسات الخاصة من الانتفاع
بتكفل الدولة لمدة خمس سنوات بمساهمة الأعراف في نظام الضمان الاجتماعي بالنسبة
للأجور المدفوعة بعنوان إنتداب حامي شهادات التعليم العالي وبلغ عدد المنتفعين
بهذا البرنامج 841 12 خريجا في الفترة ما بين سنة 1998 وسنة 2003 أي بمعدل 500 2
في السنة.
3/ الصندوق الوطني
للتشغيل 21-21 الذي أحدث سنة 2000 وقد شمل هذا البرنامج منذ إحداثه من بين حاملي
الشهادات العليا 730 23 خريجا ومثلوا 7.22 من مجموع المنتفعين من مشاريعه حسب ما
يبينه الجدول التالي:
|
العدد الجملي
منذ
إحداثه |
2003 |
2002 |
2001 |
2000 |
|
|
860 328 |
831 110
|
976 105
|
548 70
|
505 41
|
العدد الجملي
من
المنتفعين |
|
730 23
|
802 7
|
560 5
|
792 5
|
576 4
|
عدد المنتفين
من
الخرجين |
|
7.22 |
7.04
|
5.24
|
8.21
|
11.02
|
النسبة المئوية |
4/ البنك التونسي
للتضامن الذي أحدث في موفى 1997 ويهدف إلى تيسير تمويل المشاريع الصغرى وشملت
تدخلاته منذ تأسيسه 5947 خريجا من التعليم العالي يمثلون 11.4 من مجموع المنتفعين
حسبما يبينه الجدول التالي:
|
المجموع |
2003 |
2002 |
2001 |
2000 |
1999 |
1998 |
|
|
552 66 |
398 7
|
186 10
|
322 12
|
545 14
|
792 14 |
298 7 |
العدد الجملي
للمنتفعين |
|
594 7 |
653 1
|
436 1
|
960 |
307 1 |
425 1
|
812 |
المنتفعون من
مستوى التعليم العالي |
|
11.4 |
22.3 |
14.1 |
7.8 |
9.0 |
9.6 |
11.1 |
النسبة المئوية |
المصدر البنك
التونسي للتضامن (ويكون المعدل السنوي 265 1 منتفعا)
ويتضح من مختلف هذه
الجداول أن سياسة تدخل الدولة لفائدة حاملي الشهادات تتسم بميزتين أساسيتين:
تتمثل الأولى في قصورها، كميا، عن تحقيق الطلبات الإضافية لفرص العمل بالنسبة
لخرجي التعليم العالي والذين تنمو البطالة في صفوفهم بنسب متسارعة. وتتفق جميع
الدراسات على تفاقم هذه الظاهرة التي تهدد بأن يبلغ عدد العاطلين من حاملي
الشهادات العليا المائة ألف عاطل في غضون السنتين القادمتين وأن تبلغ البطالة
لديهم نسبة 40 بالمائة على المدى المتوسط.
ومن المتوقع، في مثل
هذه الظروف، أن تستمر الدولة في انتداب عدد هام من حاملي الشهادات العليا في
قطاع الإدارة للتخفيف من حدة الظاهرة بقطع النظر عن مردودها الاقتصادي
وتأثيرها على توازن ميزانية الدولة ومضاعفات ذلك على قدرتها على مواجهة أعباء
الدين الخارجي مستقبلا.
أما الملاحظة
الثانية فتتعلق بنوعية هذا التدخل والذي يتسم بالهشاشة والوقتية. وفي غياب دراسات
تقيم مردود ونجاعة هذه السياسة فإن القروض الصغرى التي انتفع منها زهاء 7800
خريجا جامعيا سنة 2003 أقرب في حجمها ونوعها إلى الإغاثة منها إلى خلق مواطن شغل
توافق كفاءات المنتفع وتسهم في الإفادة من مهاراته ودمجه في الحركية الاقتصادية.
أما مختلف التربصات
التي نمى عدد المنتفعين بها بنسبة 37.8 بالمائة سنة 2003 و شملت زهاء العشرة آلاف
منتفع فقد جاءت، بحكم طبيعتها الوقتية، أقرب إلى المسكنات منها إلى علاج الظاهرة
وفتح باب إدماج هؤلاء المنتفعين في الدورة الاقتصادية والإفادة من مهاراتهم أيضا.
ومن جهة أخرى أثبت
بعض التحقيقات ومنها دراسة للبنك الدولي أن التشجيع على تشغيل خرجي التعليم
العالي عن طريق تكفل الدولة بمساهمة الأعراف في نظام الضمان الاجتماعي لم تنجح هي
الأخرى في تأمين عمل مستقر بالنسبة للمنتفعين وتعزي هذه الدراسات السبب إلى أن
منفعة الأعراف من هذا النوع من الدعم تقل مع مرور الزمن قياسا لنمو كلفة المنتفع
عليهم(عدم تقابل الخبرة المكتسبة مع طموحات المنتفع في الرفع من مستوى الأجور
وعدم الثقة لدى المؤجر في استقرار المنتفع أجيرا لديه).
ضعف مردودية تدخل
الدولة لتشغيل حاملي الشهادات العليا دفعها إلى التفكير في سيناريوهات مستقبلية.
وفي هذا الإطار أنجز معهد الدراسات الاستراتيجية دراسة على سيناريو مرجعي يعتمد
النسبة الحالية لنمو الناتج الداخلي الخام (5.5 بالمائة) وانتهت إلى أن عدد
مواطن الشغل المحدثة سنويا لفائدة حاملي الشهادات العليا (400 12 موطن سنة 2001)
يقل عن نصف ما هو مطلوب (000 25 اعتمادا على عدد الخرجين) وأن هذا العدد ذاته
يجب أن يتضاعف إلى خمسين ألفا في صورة إذا ما احتلت هذه المواطن من طرف
المنقطعين عن التعليم العالي أو من قبل خرجي التكوين المهني أو عن طريق الترقيات
الداخلية للمؤسسة.
وتقيم الدراسة ستة
سيناريوهات وفقا لمصادر زيادة فرص العمل حسبما تفيد ذلك التجربة الدولية في هذا
المجال.
ويعتمد السيناريو
الأول على مضاعفة نسبة التأطير في قطاع الصناعات المعملية أما السيناريو الثاني
فيعتمد مضاعفة نسبة الانتصاب للحساب الخاص أما الثالث فيقوم على تعويض الرأس مال
المادي بالرأسمال البشري أما السيناريو الرابع فيفترض الترفيع في نسبة نمو ن د خ
بنقطة واحدة (من 5.5 إلى 6.5) و يعتمد السيناريو الخامس على الزيادة في عدد
المهاجرين وأخيرا يقوم السيناريو السادس على قسمة العمل بمضاعفة عدد المحالين على
التقاعد المبكر. وتنتهي الدراسة إلى افتراض سيناريو مندمج يقوم على دمج
السيناريوهات الستة.
ويبين الجدول
التالي:
|
فرص العمل الجملية بالنسبة للخرجين |
النسبة المئوية من السيناريو المندمج |
فرص العمل الإضافية |
السيناريو |
|
300 12 |
48 |
300 12 |
السيناريو
المرجعي |
|
100 14 |
7 |
800 1 |
هجرة مضاعفة |
|
400 13 |
4 |
100 1 |
عدد مضاعف
للمتقاعدين |
|
700 13 |
6 |
400 1 |
نسبة نمو أرفع |
|
400 15 |
13 |
100 3
|
تعويض الرأسمال
المادي |
|
200 15 |
12 |
900 2 |
الانتصاب للحساب
الخاص |
|
800 14 |
10 |
500 2 |
تأطير أرفع في
الصناعة |
|
000 25 |
100 |
100 25 |
السيناريو
المندمج |
وفضلا على أن
الأرقام الواقعية فاقت من حيث عدد الخرجين والعاطلين الأرقام لمعتمدة في هذه
الدراسة الاستشرافية وعلى أن نسبة النمو المسجلة خلال السنتين المنقضيتين
2002/2003 لم تتجاوز 3.6 بالمائة عوضا عن 5.5 المقدرة في المخطط الحالي فإن
الدراسة تقر بأن وسائل تحقيق أي من هذه السيناريوهات الستة غير قائمة ويجب البحث
عليها كما لم يفتها أن تنبه إلى خطر الزيادة المفرطة في عدد المهاجرين لما يمثله
من نزيف للثروة البشرية الوطنية ومن مضاعفات الزيادة في عدد المحالين على التقاعد
المبكر على توازن صناديق الضمان الاجتماعي فضلا عما يشكلونه من ضغط على الباحثين
عن شغل بالانتصاب للحساب الخاص.
إلى ذلك يبدو هدف
مضاعفة نسبة التأطير في الصناعات المعملية (أي مضاعفة نسبة حاملي الشهادات من
جملة العاملين فيها) من الصعوبة بمكان حينما نعلم هيمنة المؤسسات الصغرى
والمتوسطة على النسيج الإنتاجي والمصاعب التي تعترضها في الحصول على التمويل فضلا
عن قدرتها على توظيف اليد العاملة المهرة فما بالك بإدماج الاقتصاد الجديد في
تسييرها ( التخطيط والبرمجة والإشهار الخ ..) ويذكر هنا أن ثلثي المؤسسات الصغرى
والمتوسطة تعمل في قطاع الصناعات المعملية (ثلاثين بالمائة منها في قطاع النسيج
ذي المستوى المتدني من مهارة اليد العاملة) وأن ربع العاملين في المؤسسات الصغرى
يعمل في ذات القطاع (مقابل 45 بالمائة في التجارة وثلاثين بالمائة في الخدمات
الأخرى).
تبدو الحكومة إذن
عاجزة على معالجة ظاهرة بطالة حاملي الشهادات كما تبدو الأفق مدلهمة في إطار
استراتيجية التنمية المتبعة والتي اعتمدت على القطاعات المشغلة ليد عاملة رخيصة
وعديمة المهارة وعجزت في نفس الوقت على دفع الاستثمار والرفع من مستوى نمو الناتج
الداخلي الخام بما يتيح السيطرة على ظاهرة البطالة ويوفر للمواطن مصدرا للرزق
يتلاءم مع كفاءاته ومهاراته.
رابعا: مطالب العاطلين عن العمل من خرجي التعليم العالي
وإزاء تفاقم ظاهرة
البطالة في صفوف خرجي التعليم العالي من مختلف الشعب وأمام عجز الحكومة على
الاستجابة لحاجتهم المتزايدة للشغل بادر المعنيون بتنظيم صفوفهم منذ مطلع سنة
ألفين فتشكلت هيأتاان (المجموعة الوطنية للأساتذة العاطلين عن العمل والرابطة
التونسية لخريجي الجامعة العاطلين عن العمل) سرعان ما توحدتا للمطالبة بحق خريجي
التعليم العالي في الحصول على عمل تفق مع كفاءاتهم.
ووجه المعنيون رسائل
إلى رئيس الدولة ووزير التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا وإلى وزير
التربية والتكوين وإلى الاتحاد العام التونسي للشغل كما أمضوا على عرائض وعقدوا
اللقاءات مع ممثلي الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني لشرح وضعيتهم وطلب
الدعم لتحركاتهم. وبعد أن نفذت كل هذه الأعمال التحسيسية دون أن تأتي بنتيجة نظم
العاطلون من خريجي التعليم العالي تجمعا يوم 16 جوان 2000 وقع تفريقه بالقوة من
أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل بساحة محمد علي بالعاصمة. وتواصلت هذه
التجمعات والاعتصامات طوال السنوات الأربعة الأخيرة من ذلك أن انعقد حوالي سبعة
عشر اعتصاما أمام مبنى كلية الآداب 9 أفريل وحدها. وفي بيان للرأي العام بتاريخ
20 أفريل 2004 أعلن العاطلون عن العمل من خرجي التعليم العالي أنهم تشكلوا في
لجان فرعية بعدد من كليات ومعاهد التعليم العالي بالعاصمة والجهات (كلية 9 أفريل
وكلية الآداب بمنوبة وكلية الحقوق بسوسة ومعهد اللغات الحية بتونس والمعهد العالي
للعلوم الإنسانية ابن شرف وكلية العلوم القانونية بأريانة) وهددوا بالدخول في "
اضراب متوحش ومفتوح عن الطعام ".
ويمكن تلخيص مطالب
المعنيين في المحاور التالية:
- الحق في
الشغل كجزء من الحق في الحياة
-
أن يكون
الشغل متلائما لاختصاصاتهم العلمية
-
رفض شهادة
الكفاءة للتدريس في التعليم الثانوي (كاباس) باعتبارها أداة للتمييز على أساس
الولاء السياسي ووسيلة لمصادرة حق النشطين النقابيين في العمل
-
توخي
الشفافية في الانتداب للعمل على أساس مقاييس موضوعية كاعتماد سنة التخرج وسن
المترشح وملفه العلمي ودرجة تخصصه في البحث ووضعيته الاجتماعية.
-
إسناد
منحة بطالة للخرجين العاطلين عن العمل في انتظار تشغيلهم في خطط تتوافق مع
مؤهلاتهم.
-
إسناد
منحة تخصص للخرجين حتى يتمكنوا من تحسين مؤهلاتهم العلمية والمهنية.
-
التقيد
بالمقاييس القانونية في إسناد الساعات الإضافية وفتح تحقيق في شأنها لفرض احترام
هذه المقاييس.
-
التقيد
باحترام سن التقاعد والمطالبة بالنزول به إلى خمس وخمسين عاما.
وتفيد هذه التحركات
بأن فئة جديدة من المقصيين ظهرت إلى الوجود وراحت تبحث عن أشكال التعبير عن ذاتها
وتطلب التضامن من باقي شرائح المجتمع. ويلاحظ أن الاتحاد العام التونسي للشغل،
وهو المنظمة الجامعة لكل الأجراء في البلاد، لم يتمكن من احتضان تحركات هذه الفئة
الاجتماعية لوقوعها خارج علاقات الإنتاج.
لكن المجتمع المدني
والسياسي بأسره لم يتجاوز حتى الآن مستوى التعبير عن التعاطف مع هذه الفئة
الجديدة من المهمشين وعن تفه لمطالبها المشروعة دون أن يتمكن من تحويل هذا
الشعور إلى موقف عملي ملموس.
ولا غرو في ذلك فقد
تضافرت أزمة الفعل السياسي مع أزمة استراتيجية التنمية التي توختها الحكومة لتخلق
هذه الحالة من السلبية والتعطل.
خامسا: نحو استراتيجيا بديلة لرفع تحدي التشغيل
سياسة التشغيل في
تونس تواجه إذن تحديين متزامنين: الرفع من مستوى التنمية وما يفرض ذلك من رفع
لمستوى الاستثمار من جهة وتوجيه الاستثمار إلى قطاعات مشغلة لليد العاملة المهرة
من جهة ثانية، هذا فضلا عن الحاجة إلى ملاءمة مردود النظام التعليمي لحاجيات سوق
الشغل الجديدة.
نحو نسبة أرفع للنمو في تونس
حققت تونس معدلا
لنمو الناتج الداخلي الخام قدره 5.2 بالمائة على مد الفترة المتراوحة بين سنة
1961 وسنة 1999. و لم تكن هذه النسبة دائما مستقرة بل تراوحت بين ناقص 1.4
بالمائة و زائد 17.7 بالمائة حسب السنوات.
ولئن أعتبر هذا
المعدل مرتفعا نسبيا مقارنة بما تحقق في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في
نفس الفترة فإنه يعد معدلا غير كاف لتحقيق التشغيل الكامل ولا للحاق بمستوى الدخل
الفردي في الدول المصنعة من الدرجة الدنيا من مثل البرتغال أو كوريا وهو الهدف
الذي رسمته الحكومة لنفسها في المخطط التاسع للتنمية (1997/2001) قبل أن تتخلى
عنه في ما بعد.
ويقدر البنك الدولي
أن تونس لن يمكنها، اعتمادا على نمو للن د خ بـنسبة 5.5 بالمائة، أن تحقق هدف
المخطط العاشر في امتصاص اليد العاملة الإضافية والمقدرة بثمانين ألف طلب سنويا
إلا إذا استمرت الفلاحة والإدارة في الإسهام بـ40 بالمائة من إحداثات الشغل. أما
إذا استجاب الاقتصاد لحاجات التحديث والمنافسة وما تفرضه من تخل عن القطاعات
التقليدية لفائدة القطاعات ذات الإنتاجية العالية كقطاعات الصناعة المعملية( من
غير النسيج والملابس) والخدمات الخاصة والنقل والاتصالات فإنه يتوجب الرفع من نسق
نمو القطاعات من غير الفلاحة إلى 10 بالمائة عوضا عن الـ 6 المقررة حاليا ومن ذلك
أن ترتفع نسبة النمو في قطاع الصناعات المعملية من 4.9 حاليا إلى 7.5 في المائة
وفي قطاع الخدمات الخاصة من 7.5 المقررة حاليا إلى 11.5 بالمائة.
ولا تبدو هذه
الأهداف قابلة للتحقيق في المدى القريب إذ سجلت سنتا 2002 و 2003 نسبة نمو بـ 3.6
بالمائة كما سجل الاستثمار ركودا سيما الاستثمار الخاص في حين واصلت إنتاجية
العمل ارتفاعها بنسبة 3 بالمائة.
وفي دراسة أنجزت سنة
2000 تحت عنوان " من أجل نمو اقتصادي أسرع في تونس" ناقش خبير في البنك الدولي
إمكانية تحقيق هدف الحكومة التونسية في اللحاق بمستوى الدخل الفردي للدول
المصنعة من الدرجة الدنيا مع بداية الألفية الجديدة وانتهى إلى أن تحقيق ذلك
الهدف قد يستدعي ستين عاما اعتمادا على معدلات النمو الحالية ويمكن أن يستغرق
قرنا كاملا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار استمرار الدول المصنعة ذاتها في النمو
بنسب مساوية لما تحققه حاليا.
واستنتج الخبير
الدولي بناء على ذلك أن لحاق تونس بمستوى الدخل الفردي في البلدان المصنعة من
الدرجة الدنيا في أفق 2025 يتطلب الرفع من نسب نمو الناتج الداخلي الخام من 5.2
حاليا إلى 6.6 بالمائة في الفترة ما بين 2000 و2005 ثم رفعه إلى 8.7 بالمائة
خلال العشرية 2005-2015 والحفاظ على نسبة 8.2 بالمائة خلال العشرية الممتدة بين
2015 و2025.
وتحقيق مثل هذه
المعدلات من النمو يستوجب بدوره تحقيق نسب من الاستثمار تتراوح بين 30 بالمائة من
ن د خ في الفترة الأولى (2000-2005) و 35 بالمائة خلال الفترتين الثانية
والثالثة (2006/2025) علما بأن نسبة الاستثمار الداخلي بلغت 26.6 بالمائة في
الفترة ما بين 1995 و 1999.
و يتوقف تحقيق هذه
الأهداف في مجال الاستثمار والنمو على توفير مناخ موائم للاستثمار الخاص الذي مثل
51 بالمائة من الاستثمار الجملي خلال التسعينات في حين ارتفع نصيبه في كوريا إلى
77 بالمائة في نفس الفترة، كما مثل حجم الاستثمار الخاص 13.5 من ن د خ سنة 2002
في حين ارتفعت هذه النسبة إلى 25 بالمائة في البلدان التي حققت معدلات أعلى من
النمو ومن التشغيل.
ولا يكفي الرفع من
حجم الاستثمار وحده لتحقيق النسق المطلوب من النمو بل يجب أيضا الرفع من مستوى
التمدرس وتثبيت استقرار التوازنات الكبرى وخاصة النزول بنسبة عجز ميزانية الدولة
من حوالي 4 بالمائة من ن د خ حاليا إلى 2 بالمائة في السنوات الخمس الأولى من هذا
القرن (2000/2005) فواحد بالمائة في غضون العشرية الموالية (2005/2015) فإلى
الصفر في أفق 2025. ويلاحظ أن مثل هذه النسب العليا من النمو سوف تسبب زيادة في
الواردات مما يولد بدوره حاجة أشد للاقتراض الخارجي لتغطية كلفتها الأمر الذي سوف
يجعل التداين يتقلص بنسق أكثر بطأ مما يكون عليه الأمر لو استمر النمو بالنسب
الحالية.
إلى ذلك، وفي أفق
الاندماج في السوق الخارجية، ينتظر أن يتراجع نصيب الضرائب على التجارة الخارجية
من مداخيل الدولة فينخفض من 20 بالمائة حاليا إلى مستواه في بلدان الاتحاد
الأوربي (1 بالمائة) أو إلى مستواه في بلدان م ت ت إ على الأقل (8 بالمائة).
تلبية الطلب الإضافي
للشغل يستدعي إذن نسب أعلى من النمو. والرفع من هذه النسب إلى الثماني بالمائة
يتطلب توفير مناخ مشجع على الاستثمار ليبلغ حجمه ما بين 30 و35 بالمائة من ن د خ
على مد عقدين من الزمن.
ومن شروط الاستثمار
تعبئة الادخار الداخلي وجلب الاستثمار الخارجي وهما مهمتان تصطذمان اليوم بالحالة
المتردية للجهاز البنكي الذي يعاني من نسب ضخمة من القروض غير المجدية ( أكثر من
خمس مستحقات البنوك) ومن انعدام الشفافية( 127 عائلة تستأثر بثلث القروض البنكية
الممنوحة للاقتصاد الوطني أو ما يساوي حوالي 45 بالمائة من الدين الخارجي للبلاد)
كما يصطدم بضعف السوق المالية وفقدان آليات تعبئة الادخار وبصغر حجم مؤسسات
القطاع الخاص (84 بالمائة منها تشغل أقل من عشر أجراء) ما يجعلها عاجزة على توفير
حد أدنى من شروط التسيير العصري القادر على جلب الاستثمار وبخاصة الاستثمار
الخارجي.
هذا من جهة الأهداف
الكمية للنمو والاستثمار لكن الاقتصاد الوطني يعاني أيضا من مضاعفات استراتيجية
التنمية التي سارت عليها الحكومة منذ سبعينات القرن الماضي والتي اعتمدت على
الاستثمار في قطاعات مصدرة لكن مساهمتها في النمو ضعيفة جراء ضعف القيمة المضافة
التي تنتجها ، وهي إلى ذلك غير قادرة على تشغيل اليد العاملة المهرة و استيعاب
نتاج المؤسسة التعليمية ومنها مؤسسات التعليم العالي.
لذلك لا يعاني
الاقتصاد الوطني من ضعف مستويات الاستثمار والتنمية فحسب وإنما يواجه في ذات الآن
تحدي الاستثمار في قطاعات مشغلة لليد العاملة المهرة بما يقلص من ظاهرة بطالة
أصحاب المهارات من حاملي الشهادات العليا وخرجي التعليم الثانوي والتكوين المهني
من جهة ويرفع مستوى الإنتاجية ويكسب الاقتصاد قدرة على المنافسة من جهة أخرى.
وفي دراسة غير
منشورة لباحث تونسي اعتمدت اتجاهات تطور الاقتصاد العالمي في الخمسين سنة القادمة
وما اكتسبه الاقتصادي التونسي من خبرة وإمكانيات خلال العقود الثلاثة الماضية
انتهى الباحث إلى تصور استراتيجية بديلة للتنمية تقتضي اعتماد خيار "المناولة
الصناعية".
ويقصد بالمناولة
الصناعية الانخراط في القطاعات الصناعية الواعدة على المستوى الدولي والتخصص في
تصنيع أجزاء منها بما يحقق تشغيل يد عاملة مهرة وتطوير صناعات محلية ذات قيمة
مضافة أعلى .
ومن بين هذه
القطاعات الواعدة قطاع الصحة. فالأهداف المرسومة من طرف الأمم المتحدة للألفية
الثالثة في ميدان الصحة تعد بانفجار في ميدان صناعة الأدوية وصناعة التجهيزات
الطبية كما أن التطورات الديمغرافية في أوربا والفارق بين أسعار العلاج فيها
والاسعار في دول جنوب البحر الأبيض المتوسط تفتح أفقا واسعا للخدمات الاستشفائية
في بلادنا . ويمكن لتونس أن تطور صناعة الأدوية وأن تصنع أجزاء من التجهيزات
الطبية بالتعاون مع مصدري الطلبات على المستوى العالمي وبإمكانها أيضا اعتمادا
على ما يتوفر لها من مهارات في مستوى الخدمات الطبية أن تطور تجهيزات استشفائية
قادرة على جلب المحتاجين إلى الخدمات الطبية من البلدان الأوربية سيما أن هذه
البلدان تعرف تقدما لمعدل السن العام وتعاني من ضغط على طلب العلاج بسبب ذلك.
وتمثل صناعة
السيارات قطاعا واعدا آخر إذ تطور عدد السيارات من ثمانية آلاف وحدة سنة 1900
إلى ثمان مائة مليون وحدة سنة 2000 ومن المتوقع أن يرتفع عددها إلى ملياري وحدة
في أفق 2050. وتشغل صناعة السيارات حاليا 20 بالمائة من اليد العاملة العالمية
وتمثل 9.5 بالمائة من التجارة العالمية و13 بالمائة من إنتاج الصناعات المعملية.
واكتسبت تونس خبرة نسبية في تصنيع مكونات السيارات ومن شأن تطوير هذا القطاع أن
يسهم في تشغيل اليد العاملة المهرة و في تطوير الصادرات فضلا عن تحقيق درجة عالية
نسبيا من القيمة المضافة.
و يمثل قطاع
الإلكترونيات وقطاع تقنيات الإعلام والاتصال مجالات واعدة للاستثمار وقد حققت
الهند سبقا فريدا في هذا المجال إذ تطور الهند حاليا زهاء 60 بالمائة من منظوم
المعلومات الأمريكية والمعدة للسوق الأمريكية ذاتها. وتتواجد مائتان من كبريات
الشركات الأمريكية من أصل خمسمائة شركة أمريكية كبرى (من مثل إي ب م، ميكروسوفت
وأوراكل وغيرها..) في موقع بنغلوز الذي يضم أربعة عشر ألف مهندس و330 مؤسسة هندية
متخصصة في المناولة الإلكترونية . وفي إطار تنويع أسواقها اتجهت الحكومة الهندية
مؤخرا إلى الاتحاد الأوربي وأنشأت بالاشتراك مع اللجنة الأوربية شركة للخدمات
الإلكترونية تعرف باسم (3S).
يمثل إذن البحث عن
مجالات جديدة للاستثمار المعتمدة على المناولة الصناعية العالية الإنتاجية
والمشغلة لليد العاملة المهرة الأفق البديل عن استراتيجية الحكومة للعقود الثلاثة
الماضية والتي اعتمد على رخص اليد العاملة كعنصر مفاضلة وحيد للاقتصاد التونسي.
ولا يغني طبعا البحث
عن مجالات جديدة للاستثمار عن تحسين أداء القطاعات التقليدية كالعناية بالاستثمار
في الزراعة وبخاصة في الإنتاج الزراعي المكثف الذي يتميز بدرجة عالية من
الإنتاجية والتشغيل والتصدير أو العناية بقطاع السياحة الذي يشغل 11 بالمائة من
اليد العاملة ولكنه يرزح تحت وطئ الديون ويعاني من أزمات هيكلية من بين أسبابها
ضعف مردود السرير التونسي الذي يقل من ضعفين إلى خمسة أضعاف عن مثيله في بلدان
جنوب البحر الأبيض المتوسط بما فيها مصر والمغرب فضلا عما يعانيه من أزمات ظرفية
متكررة بسبب العنف المستشري في المنطقة ومضاعفاته المحلية. ويحتاج قطاع الملابس
هو الآخر مراجعة جذرية في اتجاه تحقيق درجة أعلى من الاندماج ومن القدرة على
التجاوب السريع مع الطلب الموسمي في ضل اشتداد المنافسة الدولية وبخاصة من طرف
الصين والهند وإندونيسيا وغيرها من البلدان الآسيوية.
حل أزمة التشغيل
والقضاء على بطالة حاملي الشهادات العليا مسألة في قلب الاختيارات الاستراتيجية
إذن. وتحديد هذه الاستراتيجية من صلب مهام المجتمع: منظمات الأعراف والنقابات
والمنظمات المهنية المختلفة والخبرات الأكاديمية والجامعية ومنظمات الشباب
والمرأة وغيرها ومؤسسات الإعلام المختلفة والأحزاب السياسية التي يرجع لها دور
بلورة الاختيارات وطرحها على الاقتراع العام حتى يكون المواطن طرفا فاعلا في
اختيار القرار ومحاسبة الفريق الحكومي الذي يتولى مهمة وضعه موضع التنفيذ عبر
انتخابات حرة ونزيهة.
وفي غياب حكم صالح
يقوم على الشفافية والمساءلة تسيطر الرتابة على التفكير ويستسلم الجسم الاجتماعي
للسلبية ويعم الفساد ويخيم مناخ من عدم الثقة في المعاملات فينكمش الاستثمار
وتنخفض معدلات النمو وتتفاقم البطالة ويتعرض الاستقرار الاجتماعي والسياسي إلى
الهزات. وفي تقرير له عن الفساد في العالم صدر مؤخرا انتهى البنك الدولي إلى
قانون أسماه بقانون "الربح بنسبة أربعمائة في المائة" ومفاده أن مقاومة الفساد
يمكن أن تنتج ارتفاعا للدخل الفردي بنسبة أربعمائة في المائة فإذا كان هذا الدخل
مقدرا مثلا بألفي دولار في بلد من البلدان يمكن أن يرتفع إلى ثمان آلاف دولار إذا
ما شن هذا البلد حملة على الفساد كما تم ذلك في بعض البلدان ومنها التشيلي
وإندونيسيا وغيرهما.
لذلك تعد الإصلاحات
السياسية وبخاصة ضمان حرية الإعلام واستقلال القضاء في مقدمة الشروط التي يقتضيها
توفير مناخ ملائم للاستثمار.
ولا يعد الإصلاح
السياسي في المنطقة العربية من أوكد الشروط لتحسين المناخ الداخلي وحسب وإنما يعد
أيضا المدخل الوحيد لبعث اندماج اقتصادي إقليمي مفتوح من شأنه أن يوسع السوق
الداخلية ويكون عاملا حاسما في مجال جلب الاستثمار الخارجي إلى بلدان المنطقة
وربطها بالاقتصاد العالمي .
فتبني مطالب
العاطلين عن العمل في إنشاء منحة للبطالة تضمن للمقصيين حدا أدنى من الدخل
والكرامة وتبني مطالب العاطلين من خرجي الجامعات في تأمين منحة تخصص وتأهيل مهني
وفي إلغاء آليات الانتقاء السياسي في الانتداب للتعليم والاستعاضة عنها بمقاييس
موضوعية وغيرها من المطالب المتأكدة والمشروعة لا يمكن أن ينظر إليها خارج
استراتيجيا بديلة للتنمية والتشغيل تشمل جميع أوجه الحياة الاقتصادية والتربوية
وتمر حتما عبر الإصلاحات السياسية المتأكدة.
وفي عام انتخابي
كالذي نمر به وفي ظرف اقتصادي واجتماعي حرج كالذي تعرفه بلادنا اليوم تتأكد
مسؤولية الأحزاب السياسية في صياغة بدائل تطرحها على عموم الشعب كما يتأكد واجبها
في الارتباط بالكفاحات الاجتماعية العادلة للفئات المتضررة والمظلومة وبذلك تتحول
الأحزاب في بلادنا إلى قوة اقتراح وتحول الاحتجاج الاجتماعي المتنامي إلى قوة دفع
لإحداث التغيير السياسي المنشود لذاته وكشرط لرفع تحديات التنمية والتشغيل.
(*) هذه الوثيقة
أعدها السيد أحمد نجيب الشابي الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي بتاريخ
31 أيار (ماي) 2004
|