مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

أزمة التشغيل وبطالة خرجي التعليم العالي في تونس

 

 

في هذا العــدد

العراق من التحرير إلى التدمير الرئاسيات الأخيرة وتسريح المساجين حوارات أسرة التحرير
بين أبي غريب وسجون تونس نحو صياغة جديدة لعلاقة الإسلاميين بالسّلطة الحركة الإسلامية والبحث عن نقطة التوازن
الخرطوم تخطط للتخلص من الترابي العلاقات المغربية الجزائرية في اتجاه المجهول الحركة الإسلامية والإصلاح: المنظور البديل
النقد كوسيلة للارتقاء بقدرة العقل العرب بين قمع السلطة وخداع المعارضة المصالحة الوطنية في الجزائر
واقع التيار القومي العربي في تونس ما هو دور الشعوب في تحقيق طموحات أمتنا الزيتونة.. تاريخ طويل من العلم والإصلاح


أحمد نجيب الشابي (*)

تمثل بطالة خرجي التعليم العالي في تونس  ظاهرة جديدة ومتعاظمة،  فمن المنتظر أن يتطور عدد الخرجين من 34500 سنة 2001 إلى 56500 سنة 2006 و73200 خريجا سنة 2009 بعد أن سجل نموهم نسبة 86 بالمائة خلال المخطط التاسع (1997/2001). ومن جهة أخرى يقدر عدد الطلبات الإضافية للشغل خلال المخطط العاشر (2002/2006) بثمانين ألف طلب سنويا، يشكل حاملو الشهادات العليا خمسين بالمائة منها. فما هي حقيقة ظاهرة البطالة في تونس؟ وما هو نصيب الخرجين منها؟ وما هي أسبابها  وآفاق تطورها؟ وما هي مقترحات الحكومة إزاءها؟ وما هي السياسات البديلة الممكنة؟ وما هي مطالب المعنيين مباشرة بها؟ وما هي إمكانات تحقيقها؟ عن هذه الأسئلة تحاول هذه الورقة تقديم إجابات أولية على أمل  أن تشكل مدخلا لحوار معمق حول هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة  والمتنامية.

أولا: معطيات عامة حول البطالة في بلادنا

بلغ عدد السكان النشطين سنة 2003 في تونس 500 460 3 شخص وهم السكان العاملون أو بصدد البحث النشط عن موطن عمل. ولا يمثل هذا العدد سوى 48،2 بالمائة من عدد السكان البالغين  سن العمل (15 سنة فما فوق)   ذلك أن ربع الرجال( 23 بالمائة) وزهاء ثلاثة أرباع النساء(74،2 بالمائة) الذين بلغوا  سن العمل (ويشكلون صنف العاملين الاحتماليين) لم يقع احتسابهم ضمن عدد السكان النشطين خلال فترة المخطط التاسع 1997/2001.

أما العاملون فبلغ عددهم مليونين وتسعمائة وواحد وخمسين ألفا ومائتي عامل (200 951 2) سنة2003

ويتركب عدد العاطلين عن العمل من الفرق بين عدد السكان النشطين وعدد المشتغلين فبلغ سنة 2003 خمسمائة وتسعة آلاف ومائتي نفر (300 509) ومثل 14،3 بالمائة من السكان النشطين بعد أن كانت هذه النسبة ترتفع إلى 15،3 سنة 2002. ومثل الأجراء نسبة 64.4  بالمائة من مجمل العاملين في نفس السنة بينما مثل الأعراف  والمنتصبون للحساب الخاص زهاء 27 بالمائة فيما مثل المعينون العائليون الثماني بالمائة المتبقية كما يتضح ذلك من الجدول البياني التالي:

 

عرف أو مستقل

أجير

معين عائلي

غير مصرح به

المجموع

العدد

791،9

500 896 1

257،4

5،4

200 951 2

النسبة المائوية

26.9

64.4

8.7

0.0

100

ويشغل القطاع العام 59.5 بالمائة من العاملين في حين يشغل القطاع الخاص الـ 40.5 بالمائة المتبقية. وتشكل المؤسسات الصغرى والمتوسطة وهي المؤسسات التي تشغل ما بين العشر عمال والمائتي عامل 84 بالمائة من المؤسسات ولكنها لا تشغل سوى 32.4 من عامة العاملين فحين أن هذا النوع من المؤسسات يشغل 60 بالمائة من القوة العاملة في البلدان الصناعية ويتوزع التشغيل على القطاعين الخاص والعام وعلى المؤسسات داخل القطاع الخاص حسب الجدول التالي:

عدد العاملين

أقل من خمسين

بين 50 و199

فوق 200

جملة القطاع الخاص

القطاع العام

المجموع

النسبة من عدد المؤسسات

55.3

28.6

9

92.9

7.1

100

النسبة من التشغيل

9.9

22.5

27.1

59.5

40.5

100

وإذا اقتصرنا على القطاع الخاص فتشكل المؤسسات الصغرى التي تشغل أقل من عشرة أشخاص 84 بالمائة من المجموع فيما تشكل المؤسسات الوسطى (المشغلة لما بين 10 و199 عاملا) 14 بالمائة والمؤسسات الكبرى (المشغلة لما فوق 200 عامل) 2 بالمائة من مجموع المؤسسات.

 وتستأثر المؤسسات الصغرى التي تشغل بين الشخص الواحد والشخصين بنسبة 86 بالمائة من التشغيل في القطاع الخاص أما المؤسسات الصغرى التي تشغل بين الشخص الواحد والخمس أشخاص فترتفع حصتها من العاملين في القطاع الخاص إلى 92 بالمائة. وتلقي هذه الأرقام الضوء على صغر حجم المؤسسات الخاصة وما تواجهه من مصاعب في الحصول على القروض البنكية وادماج التكنولوجيا والمساهمة بقسط أكبر من التشغيل وخاصة في تشغيل اليد العاملة المهرة.

وعلى الرغم من أن نسبة نمو الناتج الداخلي الخام كانت مرتفعة نسبيا ومقدرة بـ 5 بالمائة  وبالرغم من أن انخفاض نسبة النمو الديمغرافي خفف من الضغط على التشغيل، فإن نسبة نمو الناتج الداخلي الخام هذه لم تكن كافية لامتصاص البطالة التي استقرت في مستوى 15 إلى 16 بالمائة من السكان النشطين. ويعود هذا الاستقرار إلى أن نسبة إحداث فرص العمل المقدرة بـ 11 بالمائة طيلة فترة المخطط التاسع (1997-2001) تطورت بنسق مساو لنسبة نمو عدد السكان النشطين (11 بالمائة أيضا).

وتفيد التجربة الدولية أن دولة مثل أيرلندا تمكنت من التخفيض في نسبة البطالة من  17 إلى 4 بالمائة  في الفترة ما بين 1986 و2000 بفضل نسبة نمو للناتج الداخلي الخام فاقت السبعة بالمائة، ويذكر أن أيرلندا عرفت نسبة نمو للسكان النشطين مساوية للنسبة التونسية ومقدرة بـ 2.7 بالمائة  وبهيمنة القطاع الفلاحي على التشغيل.

 ومن جهة أخرى  تفيد التقديرات بأن الرفع في نسبة نمو الناتج الداخلي الخام في تونس بنقطة واحدة( من 5.5 إلى 6.5 سنويا) يمكن أن يحط من نسبة البطالة بثلاث نقاط.

إلى ذلك تميز العمل التنموي بانخفاض كثافة الشغل من نسبة النمو. ويقصد بانخفاض كثافة الشغل من نسبة النمو انخفاض مردود النقطة المئوية الواحدة لنسبة النمو من إحداثات  الشغل.

 ويشير هذا الانخفاض إلى أن الاستثمار توجه إلى القطاعات ذات الكثافة الرأسمالية العالية على حساب القطاعات ذات التشغيل المكثف. وتضافرت  عدة أسباب لتدفع العمل التنموي  في هذا الاتجاه لعل أهمها:

-         الحاجة  إلى  تكثيف الاستثمار في الرأسمال المادي للرفع من الإنتاجية ومن القدرة التنافسية  بالنسبة  لاقتصاد مفتوح

-         انخفاض سعر مواد التجهيز في البلدان المصنعة نتيجة انخفاض نسبة التضخم واشتداد المنافسة

-         التخفيض في الحواجز الجمركية عند استيراد مواد التجهيز

-         سياسة مشجعة أكثر على الاستثمار في الرأسمال المادي (34 بالمائة من التشجيعات) منها على تشغيل اليد العاملة(2،7 فقط في قالب إعفاءات من المساهمة في صناديق التغطية الاجتماعية).

-         تهرب رجال الأعمال من أعباء كلفة اليد العاملة وخاصة منها الكلفة غير المباشرة والمقدرة بـ 28 بالمائة من كتلة الأجور وكذلك كلفتها عند التسريح (منح الطرد من العمل).

وقد نتج عن هذه العوامل مجتمعة انخفاض نسبي لكلفة الرأسمال المادي قياسا لكلفة اليد العاملة واندفاع الاستثمار إلى القطاعات ذات الكثافة الرأسمالية العالية على حساب القطاعات المشغلة ليد عاملة كثيفة.

وتواجه سياسة التشغيل ثلاث تحديات خارجية جديدة: تتمثل الأولى في توسع الاتحاد الأوربي نهاية شهر أفريل الجاري  لعشر دول جديدة تعد بلدانا منافسة لتونس في السوق الأوربية فضلا عن إنشاء منطقة للتبادل الحر مع ثلاث دول أخرى وهي تركيا وبلغاريا ورومانيا والتي تعد هي الأخرى بلدانا نافسة لتونس.

 أما التحد الثاني فيتمثل في نهاية العمل بالاتفاقية المتعددة الألياف في موفى شهر ديسمبر القادم والتي بنهايتها سوف ينتهي نظام الحصص الذي تمتعت به الصادرات التونسية من الملابس إلى السوق الأوربية مما يعرض المنتوجات التونسية إلى منافسة شرسة من قبل منتوجات الدول الآسيوية وخاصة منها الصين ويقدر أن يفقد نتيجة لذلك قطاع النسيج والملابس نصف العاملين فيه ( مائة ألف موطن شغل من أصل 207 إلى 250 ألف موطن ) في غضون السنتين القادمتين.

أما التحدي الثالث فيتمثل في اقتراب موعد إنشاء منطقة للتبادل الحر بين تونس  والاتحاد الأوربي سنة 2007 وما سوف يصاحبها من إلغاء للحواجز الجمركية ومن اشتداد للمنافسة على البضائع المصنعة محليا والموجهة للسوق الداخلية. وسبق لاتحاد الصناعة والتجارة أن قدر أن ثلثي المؤسسات مهددة  في وجودها وأن عدد مواطن الشغل المرشحة للفقدان سترتفع إلى مائة وعشرين ألف موطن عمل. وبالرغم من المجهود المبذول في إطار برنامج تأهيل المؤسسات في أفق التحضير لهذا الموعد فإن النتائج جاءت هزيلة. ذلك أن برنامج تأهيل المؤسسات ركز في تدخله على الاستثمارات  ذات الكثافة الرأسمالية العالية وتوجه إلى المؤسسات الكبرى والمصدرة وبخاصة على تلك التي تعمل في قطاع  الصناعات الغذائية والنسيج ومواد البناء. ولئن ساهم هذا البرنامج في الرفع من مستوى التصدير والتشغيل في المؤسسات التي شملها فإن ذلك كان بنسب قليلة إذ قدر نمو للتشغيل في المؤسسات التي شملها البرنامج بـ 4 بالمائة مقابل معدل 2.9 بالمائة في قطاع الصناعات المعملية.

 وتحصل عدد محدود من المؤسسات فقط على كامل التعهدات المالية المرصودة لها والتي تصرف على ثلاث دفعات ويذكر أن البرنامج يرصد مبلغ ألفين وثلاثمائة وعشرين   مليون دينار (320 2 م د) بعنوان الاستثمارات و300 مليون دينار بعنوان الدعم و لم يصرف حتى اليوم من هذا الأخير سوى 90 مليون دينار.

ثانيا: عدم التلاؤم بين التشغيل والمهارات

يتضافر عاملان في تشكل ظاهرة عدم التلاؤم بين المهارات والتشغيل ويتمثل الأول في طبيعة القطاعات المشغلة للسكان النشطين أما الثاني فيتعلق بارتفاع مستوى التمدرس بين هؤلاء السكان.

مساهمة قطاعات الإنتاج في التشغيل

وتساهم قطاعات الإنتاج بصفة متفاوتة  في إحداث مواطن الشغل، من ذلك أن استأثرت الصناعات المعملية وقطاع الخدمات الخاصة بخمسين بالمائة من جملة إحداثات الشغل خلال المخطط التاسع (1997-2001). أما في سنة 2003  فتوزع العاملون على قطاعات الإنتاج حسب الجدول التالي:

المجموع

غير مصرح

الخدمات

البناء

الطاقة+مناجم

الصناعات

فلاحة+صيد

 

200 951 2

17،3

329 1

362،5

32،2

581،6

628،6

العدد بالآلاف

100 %

0،6

45

12،3

1،1

19،7

21،3

النسبة %

ملاحظة: تضم الخدمات في هذا الجدول الخدمات الخاصة (27 بالمائة) وسائر لخدمات الأخرى بما فيها الإدارة (%13).

ويتسم وضع التشغيل في تونس بمفارقة تتمثل في أن أكثر القطاعات إحداثا لمواطن العمل هي الأقل تشغيلا لليد العاملة المهرة.

فقطاعات الفلاحة والبناء والنسيج والتجارة ولئن مثلت أكثر القطاعات إحداثا لمواطن الشغل فهي أكثر القطاعات اعتمادا على اليد العاملة الرخيصة وغير المتخصصة وأقلها تشغيلا لليد العاملة المهرة.

وبالمقابل يتميز قطاع الصناعات المعملية (عدا النسيج) وقطاع الخدمات الخاصة(عدا التجارة) بتحقيق نسبة عالية من احداثات الشغل وبتشغيل اليد العاملة المهرة في ذات الآن. ومن أهم هذه القطاعات المشغلة لليد العاملة المهرة نذكر قطاع الصناعات الكهربائية والميكانيكية وقطاع النقل والاتصالات.

أما الفلاحة والإدارة فلئن أسهمتا بأربعين بالمائة من إحداثات الشغل خلال المخــطط التاسع ( 000 34 من أصل 000 68 موطن عمل سنويا) وسجلتا سنة 2003 تشغيل ثلث اليد العاملة فانهما تعدان من القطاعات التقليدية التي تسجل أضعف نسبة من إنتاجية العمل(والحال كذلك بالنسبة لقطاع البناء). ويتعرض هذان القطاعان إلى ضغط مضاعف يتمثل الأول في ضرورة السيطرة على عجز ميزانية الدولة والتي تمثل الأجور وخدمة الدين الخارجي أهم نسبة من نفقاته وما ينجر عن ذلك من ضغط على الانتداب  في الإدارة أما الثاني فيتمثل في ضرورة الاستثمار في القطاعات العالية الإنتاجية لكسب رهان المنافسة والتصدير على حساب إحداث مواطن الشغل في قطاع الفلاحة.

الهيكلة الديمغرافية والتربوية للسكان النشطين

أما من جهة التغيرات الديموغرافية والتربوية التي طرأت على هيكلة السكان النشطين فيلاحظ أن العاطلين عن العمل من دون سن الثلاثين عاما مثلوا 68 بالمائة من المجموع سنة 2003 كما يظهر ذلك من الجدول التالي:

المجموع سنة

35-59 سنة

30-34 سنة

25-29 سنة

20-24 سنة

18-19سنة

 

451.9

87.3

57.4

119.7

144.3

43.2

العدد بالآلاف

100

19.3

12.7

26.5

31.9

9.6

النسبة المئوية

 ويلاحظ أن الفئة العمرية من دون الثمانية عشر وما فوق التاسعة والخمسين سنة لم تحتسب في هذا الجدول. أما السكان النشطون (عاملين وعاطلين) فتوزعوا سنة 2001  من حيث السن ومستوى التعليم إلى أربعة مجموعات كما يتبين ذلك من الجدول التالي:

النسبة من جملة العاملين

معدل البطالة في المجموعة

النسبة من جملة العاطلين

النسبة من السكان النشطين

مستوى التعليم

20 بالمائة

10 بالمائة

11 بالمائة

19 بالمائة

دون الابتدائي

10

18

47

41

ابتدائي كامل

40

17

36

32

ثانوي كامل أو تكوين مهني كامل

31

11

6

9

خريجو التعليم العالي

100

15.3

100

100

المجموع