|
علي بن سعيد (*)
مقدمة:
تسود عالمنا
العربي والإسلامي نظرة تتسم بالجزئية والنقصان تجاه فكرة الاصلاح
فهو في وعي الجماهير:
* سلطوية تقتصر على
الحقل الرسمي.
* ظرفية تستهدف النظام القائم تقنيات و آليات تعينه على تخطي مآزق كثيرة تتركز في
هذا القطاع أو
ذاك.
مما يعني أن الإصلاح
كمفهوم متداول حتى عند نخب الحركة الإسلامية و قياداتها يعني ضرورة " تغيير الامر
القائم بل تصحيحه أو تصويبه هنا
ـو
هناك "،
بينما كان لزاما أن تعتبر الحركة
الإسلامية في ظل عالم ينتقل إلى أوضاع جديدة نوعيا وتتسابق كتله ودوله الكبرى على
بلوغها، أن الإصلاح هو أولا: "إعادة نظر هيكلية في الأمر القائم والواقع الذي
أنجبه منذ ستينات القرن الماضي وانتهى إلى مآزق شاملة شملت سائر مناحيه..."
وان طبيعة شعبية
وجماهيرية الحركة الإسلامية تجعلها تدرك جيدا أن الإصلاح تحول إلى مطلب عام
للمجتمعات العربية الراهنة مما يملي عليها قراءة المسالة جيدا ويطرح عليها تحديات
اكبر فكرا ونضالا امام الرؤى المقابلة والمتمثلة اساسا في الحكام كظرف اول
والخارج الاجنبي عامة وامريكا منه خاصة كطرف ثان...
1- وجهة
النظر السائدة:
تتردد الحكومات
العربية في تطبيق الإصلاح الذي تريده الشعوب فالحكومات تروج منذ ستينات القرن
الماضي أن الحاكم يدرك وحده حقيقة الامور وله الحق في فعل ما يريد لانه الوحيد
المنفرد بمعرفة طبيعة المشكلات والضرورات ولديه القدرة على التسيير وطبيعيا أن
يكون المقرر الوحيد والا عمت الفوضى وهلك الوطن ورجاله.
وتردد منذ فشل عقد
القمة العربية في تونس في مارس الماضي حديث معناه أن الإصلاح لابد أن يتفق مع
اخلاقنا وتقاليدنا وتاريخنا، وان يعبر عن حاجاتنا الحقيقية. لكن السؤال المطروح :
من يحدد هذه الاخلاق والاعراف؟ ويجيب حكامنا: انهم القادرون خاصة اذا ما تعلق
الامر بالديمقراطية مع أن حاجتنا حسب رايهم ليست كبيرة بل وروجت النخب السياسية
المساندة( والتي تتطلع إلى مزيد من الترف والرفاه) والتي تمتهن التبرير – بعض
الفصائل اليسار في تونس مثلا – حيث اكدت أن اوضاعنا ليست على ذلك القدر من السوء
الذي يؤكد عليه دعاة الإصلاح من العرب لان الخطوات الإصلاحية الكبيرة تهز
الاستقرار الذي تعيشه الاقطار العربية (تحذير الرئيس المصري من انتخابات
ديمقراطية تجلب الاخوان للسلطة، وحديث الرئيس التونسي عن الديمقراطية قطرة
قطرة...) كما لا يجوز أن تكون الإصلاحات مستوردة من تجارب الغير ما دام الغرض
منها معالجة اوضاعنا الخاصة التي لا تشبه من جوانب كثيرة اوضاع الكثيرين وكذلك
توطيد هويتنا، الفريدة في بابها، من هنا "يرفض الحكام أن يكون الإصلاح
والديمقراطية وحقوق الانسان مسطرة واحدة، ويأبون أن تحكمه معايير واحدة ويقولون
بضرورة أن يكون لكل وضع إصلاحه الخاص به، الذي يقرره الحكام، في ضوء اخلاقنا
وتقاليدنا، التي يبدو انه لا دخل حتى لمجتمعاتهم بها، بينما يمكن الحوار حولها من
الخارج الاجنبي!"
هذه خلاصة موجزة لما
هو سائد لدى النخب الحاكمة في اقطارنا العربية والتي جعلته على هذا الهوان بحيث
تتساقط دوله واحدة تلو الاخرى في اطار القابلية لذلك الاستعمار ليس هو المقنع بل
هو المباشر فالازمة ذات ابعاد متنوعة ومختلفة وليست هي بالجزئية او المحدودة، لكن
هل يمكن للحركة الإسلامية ايجاد بديل آخر متميز عن الرضوخ الكامل للاملاءات
الغربية والامريكية اساسا ووجهة النظر التبريرية والسائدة لدى الحكام العرب فكرة
تنساق النخب ومن قبلها الجماهير الشعبية ومجتمعاتنا وراءها وترفع عنا نير الهزيمة
والاستسلام.
2- كيف تفهم الحركة
الإسلامية الإصلاح:
أ – الإصلاح المطلوب:
لاشك أن
المثقف – وهو من تجاوز دائرة الاختصاص وعاش مشاكل امته وعاش بها ولها – يفهم
الإصلاح على انه إصلاح الامة والحكم وإصلاح الواقع الانساني اقتصاديا واجتماعيا
وثقافيا وايديولوجيا ذلك أن الاقتصار على الإصلاح السياسي المقتصر على السلطة
بحيث تتحول السلطة تدريجيا في غياب إصلاح الجوانب الاخرى إلى خصم داخلي لمجتمعها
والى عازل يمنعه بالقوة من ممارسة دور يجسد قدراته وطاقاته ومكاناته الكثيرة سوى
كانت هذه السلطة حزبا ( حزب البعث في كل من سوريا او العراق ) او اسرة ( النظم
الملكية ) او رئيسا فردا ( مصر وتونس – يستلهم الوزراء والرياضيون والمثقفون
والصناعيون و... من توجيهات المفكر والمنقذ السيد الرئيس.....) وهكذا غدا الإصلاح
لعديد الاعتبارات " حاجة مصيرية تستدعيه الاوضاع السياسية والاقتصادية
والاجتماعية السائدة والتي تنذر بمزيد من التراجع في قدرات البلاد على توفير حياة
كريمة لمواطنيها تعزز قدرتهم على النهوض باحتياجات المستقبل وبالتالي قدرة البلاد
على التعاطي مع الاوضاع الدولية الراهنة خاصة في ضل سير المشاريع الخارجية التي
تسعى إلى صياغة مستقبلنا بما يخدم اصحاب هذه المشاريع دون اعتداد بحاجاتنا
واهدافنا ومصالحنا والمتغيرات القادمة"
.
ب – أي
تقابل بين دور الحركة الإسلامية والإصلاح:
تطرح
الحركة الإسلامية على نفسها دورا رياديا من اجل نهوض الامة من سباتها الحضاري
الذي ولده تغييب الإسلام عن حياتنا المعاصرة وزاده الاستبداد السياسي قتامة
ورداءة نتيجة لاستعباد الناس وقتلا لروح الابداع والفعل الحضاري فـ " لا عجب أن
تكون الخاتمة من النوع الردئ جدا والمخيب للامال الذي نعيشه اليوم في اقطار ودول
وطننا العربي حيث يستحيل التقدم بسبب هذا الوضع النافي للسياسة بصفتها فن تنمية
الحرية ".
بل "أن
تصاعد
المد الإسلامي في الوطن العربي وفي العالم اجمع يعود بلاشك ولا ريب الي الجهود
الحثيثة التي قامت بها الحركة الإسلامية في ظروف صعبة للغاية. وصعوبة هذه الظروف
تكمن في أن هذا العالم كما هو معروف عالم القوة، ومن يمتلكها يستطيع أن يمسك
بزمام الامور وان يسيرها كيفما يشاء. والحركة الإسلامية انما استطاعت أن تقوم
بهذه الجهود الكبيرة بعد أن اوجدت في نفسها القوة، فاستطاعت أن تثبت وجودها، وان
تفصل الحواجز السميكة بينها وبين الجماهير، وانطلقت بكل قواها الي الإصلاح الشامل
اعتماد علي قوتها، فصنعت تيار الصحوة الدينية، وتعاضدت جهودهما من اجل احداث
قفزات حقيقية في مسيرة التيار الديني. وهذا التطور هو الذي جعلها تتعرض لهجمات
متولية وجهت اليها خلال عقد كامل من الزمن، ولكنها ايضا بقوتها تصدت لهذه
المحاولات."
وبالتالي فان هذا الدور الذي تطرحه الحركة الإسلامية هو جوهر الإصلاح المطلوب لكن
باي منهجية واي ضوابط؟
ج- المقوم
الاساسي لحاضنة الإصلاح:
وإن كانت
الحركة الإسلامية قد قدمت البرهان على نضالية افرادها(حرب فلسطين في 48) وعلى صحة
مشروعها وقدرتها على المساهمة الفعلية في طرد المحتل (حزب الله في جنوب لبنان
وحركة حماس في قطاع غزة) واسقاط طغاة العصر (المثال الإيراني) والوقوف في وجه
الاستبداد عبر النضال اليومي في الساحات والسجون والمنافي (تونس 87 والصراع
الدامي مع بورقيبة - التسعينات ضد بن علي: 30 الف سجين تداولوا على السجون ما زال
بعضهم في العزلة الانفرادية منذ 13 سنة) فان ذلك لا يؤهلها مرحليا بالضرورة لخوض
معركة الإصلاح في كل قطر فالاخلاص ضروري ولكنه غير كاف لخوض هذه المعركة بل أن
الواقع الموضوعي يؤكد أن اشكال التغيير الاخرى اصبحت غير ذات جدوى في ظل عالم
اليوم ذلك أن السلطة في أغلب أقطارنا عملت خارج اطر السياسة الحديثة لكونها لم
تستند على الانسان الفرد كذات حرة هي في الوقت نفسه موضوع الشان العام والرقم
الاساسي في المعادلة والذي فيه يلتقي المجتمع والدولة وتتحد عنده وبه مصالحهما
وتوجهاتهما بما أن الفرد الحر والمجتمع المدني هما الحامل الحقيقي لاي مشروع
سياسي تاريخي، بالتالي كان لزاما على النخب المسيرة للحركة الإسلامية أن تعي أن
الإصلاح في منظورها والذي تعمل جاهدة لانجازه لابد وان يتفق من حيث المبنى
والمعنى مع بنية السياسة التي نهض عليها العالم الحديث اذ لابد من تغيير في مفهوم
الإصلاح عند الحركة الإسلامية يكون هدفه العمق الذي تنهض عليه حياة عامة تحولت
واقعيا إلى شان شخصي يخص الفرد والمواطن الحر والذي ترى فيه الدولة من جانبها في
شؤونه الخاصة شانا عاما تبني عليه سياساتها وخياراتها الاستراتيجية الكبرى وتعمل
على تحقيقه باعتباره شرطا اوليا.
د – شرط
المعلوماتية:
إن
الانسان بعقله وعلمه يستطيع تقويض اعظم السلطات السياسية والاجتماعية بل ويقوض
وبسرعة مذهلة اسس أي نظام قديم او متقادم لكونه انسانا من نمط جديد يتواصل مع
عالمه والآخر بطريقة مفتوحة لا قيد فيها ويتبادل افكاره مع البشر اينما كان
مكانهم من العالم ويستخدم قدرات تفتقر السلطة اليها في صراعه معها، تمنح قوتها من
مجالات مفتوحة يصعب على سلطة السيطرة عليها او اغلاقها خاصة اذا كانت سلطة قديمة
النمط على أن عصر الانترنات والمعلوماتية وما يصحبه من تطور اقتصادي ومؤسسي يفضي
اكثر فاكثر إلى تلاشي الدولة الراهنة والى تناقص دورها مع بروز بدائل داخلية لها
على كل مستوى وصعيد. من هنا تستطيع الحركة الإسلامية في كل قطر بناء استراتيجيتها
بناء على محورية عامل التطور المعلوماتي والتوعية بحضوره في ذهن ابنائها وبالتالي
تستفيد تباعا من الارضية الجديدة والمغايرة التي توفرها ثورة المعلومات " ولا
يعلم جنود ربك الا هو "، حتى تشق كطرف طليعي طريقها نحو مشروع للامة يفتح سبيلها
إلى الجماهير والى العصر.
(*) كاتب تونسي
|