مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

بعد إطلاق سراح علي العريض وإخوانه
نحو صياغة جديدة لعلاقة المشروع الإسلامي بالسّلطة

 

 

في هذا العــدد

العراق من التحرير إلى التدمير الرئاسيات الأخيرة وتسريح المساجين حوارات أسرة التحرير
بين أبي غريب وسجون تونس نحو صياغة جديدة لعلاقة الإسلاميين بالسّلطة الحركة الإسلامية والبحث عن نقطة التوازن
الخرطوم تخطط للتخلص من الترابي العلاقات المغربية الجزائرية في اتجاه المجهول الحركة الإسلامية والإصلاح: المنظور البديل
النقد كوسيلة للارتقاء بقدرة العقل العرب بين قمع السلطة وخداع المعارضة المصالحة الوطنية في الجزائر
واقع التيار القومي العربي في تونس ما هو دور الشعوب في تحقيق طموحات أمتنا الزيتونة.. تاريخ طويل من العلم والإصلاح

 
مختار البدري

شهدت تونس منذ أيّامٍ حدثاً عظيماً استبشر به الخيّرون من أهل البلد، ورحّبت به الجمعيات المناضلة من أجل حقوق الإنسان وكرامته، وثمّنته القوى السّياسية ذات المصداقية والمبدئية في تبنّي مطالب الحرّية والديمقراطية والإصلاح السياسي. حدث انبلج فجره في العشر الأواخر من شهر رمضان، شهر العفو والصّفح والغفران، فاستبشرت به ملائكة الرّحمن، وذكره الله فيمن عنده.. كيف لا وقد حطّ عن ثلّة من الأبرار إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم.. ثلّة عرفناها بعمق الإيمان.. وصدق القول.. ونزاهة القصد.. ووسطية الرّأي.. وحبّ الوطن.. والصبر والثبات عند البلاء.. نشهد فيهم بما قلنا وما شهدنا إلا بما علمنا، ولا نزكّيهم على الله هو أعلم بمن اتّقى.. ثلّة منهم من قضى نحبه ومنه من ينتظر صابرا محتسباً وما بدّلوا تبديلا..

ما أن فاز الرّئيس التونسي زين العابدين بن علي بدورة رئاسية جديدة كان الإسلاميون قد صرّحوا من قبل أنّهم ليسوا معنيين بالمنافسة على حظوظها، بل إنّهم مستعدّون للتّعاون مع أيّ رئيس تفرزه على قاعدة برنامج وطني يكفل الحقوق، ويردّ المظالم، ويحقّق المصالحة الوطنية الشاملة.. ما أن فاز ابن علي بدورته الرّابعة حتّى بادر بإطلاق سراح ثلّة من قيادات حركة النّهضة ومناضليها في مقدّمتهم الإخوة علي العريض النّاطق الرّسمي باسم الحركة حتّى تاريخ اعتقاله في شهر ديسمبر 1990، وزياد الدّولاتلي عضو مكتبها السّياسي، ومصطفى بن حليمة وعشراتٍ من المناضلين من مختلف المدن التّونسية. وقد استبشرت أوساط حركة النّهضة في مختلف مواقعها بهذا الحدث، فرحّب به رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي واعتبره "بادرة إيجابية يجب أن تدرج في نطاق عفو تشريعي عام ومصالحة وطنية، وأن يكون الأمر مندرجا في إطار سياسة جديدة تمثل تحولا حقيقيا في اتجاه انفراج سياسي "*، وقال عنه علي العريض نفسه في تصريح نشرته وكالة قدس برس "أنا مرتاح جدا لقرار الإفراج عن هذه الدفعة من السجناء الإسلاميين (...) وآمل أن يقع طيّ هذا الملف نهائيا".

غير أنّ التّصريحات الّتي صدرت حتّى الآن أجمعت على التّذكير بقرابة خمسمائة سجين سياسي آخرين مازالوا خلف القضبان جميعهم من أصحاب الأحكام الثّقيلة، وطالبت بإطلاق سراحهم.

إنّ إطلاق سراح السّجين يفتح صفحة جديدة في حياته لكنّه لا يسقط من ذاكرته مرارات السجن وآلامه ولا سيما إذا كان سجن تشفٍّ وانتقام.. أنا أتفهّم جيّدا ما يجول بذكريات علي العريض ورفاقه من صور مؤلمة وما قد يجول بخاطرهم من رغبة جامحة في أن تنصفهم عدالة الأرض من جلاديهم وسجّانيهم.. لقد فاقت صور محنتهم كل روايات أدب السجن الّتي قرأنا.. وصور البلاء الّتي عرفنا واستقرّت على صورة عدوانية فجّة تنفي عمّن ولغ فيها صفة الإيمان والإنسانية.. إذ كيف يجلد الجلاد البريئ حين يجلده وهو مؤمن.. وكيف يقتل عبد الرّؤوف العريبي ذلك الرجل الهادئ الوديع بدم بارد من يقتله وهو يحمل بين جنباته أنفاساً آدمية.. وكيف يحاصَرُ المرء في زنزانة انفرادية لعقد ونصف من الزمان دون أن يستخزي السّجان يوما نفسه فيعفّ.. ومن يحاصر أطفالا وعوائل فيجوّعهم بجريرة آباء هبْ أنّهم مذنبون.. من يفعل ذلك وغيره كثير غيرُ شرذمة أعمت الأحقاد التّاريخية والعقائدية بصائرهم فتحوّلوا إلى مرتزقة حروب غلاظ شداد قاسية قلوبهم فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة.. اغتنموا لحظة توتّر في العلاقة بين رئيس الدولة وإحدى القوى السياسية على السّاحة الوطنية فراحوا يسكبون الزيت على النّار حتّى تزداد لظى.. لكنّ من خصائص الكبار أصحاب الهمم العالية أن يرتفعوا فوق آلامهم، ويعفوا عن جلاّديهم كما دعا إلى ذلك الدكتور عبد اللطيف المكّي.

لا شك أنّ تونس في نفوسنا أكبر من ذواتنا.. وقد أدْمتها سنوات الجفاء والخصومة بين أبنائها من برّ وفاجر.. ومحكوم وحاكم.. ومغلوب وغالب.. فبكتهم مآذنها.. واشتاقت إلى أُنسهم مجالسها.. واصفرّ زرعها.. وجفّ ضرعها.. وإن منهم إلا دافع ثمناً.. يلتقي المتخاصمان في رحابها فيُعرض هذا ويُعرض هذا.. وخيرهما من يبدأ صاحبه بالسلام..

لم ترشح معلومات كافية عن الخلفية الّتي حكمت عملية إطلاق السّراح ولم يصدر من السلطة تعليق يدعم خيار التّفاؤل الّذي تُغلّبه النّفس الزّكيّة.. بل إنّ وزارة الخارجية التّونسية نفت في تصريح عقب تسريح السّجناء أن يكون المفرج عنهم مساجين سياسيين أو أن يكون في البلاد أصلا مساجين رأي!

ولكي نفهم ما حصل تحاول هذه الأسطر ربط الحدث بماضيه.. وهنا تعود بي الذّكرة إلى سنة 1989 حيث فاز ابن علي بأوّل انتخابات رئاسية عقب انتخابات دعمه فيها الإسلاميون في الرّئاسة لكنّهم عملوا على قلب الموازنة السياسية في البلاد بخوض حملة انتخابية برلمانية ضخمة غطّت مختلف الدوائر الانتخابية وأعلنوا من جهتهم عن الفوز في أغلبها واتّهموا السلطة بتزوير نتائجها لفائدة الحزب الحاكم "التجمّع الدستوري الديمقراطي". وما أن حطّت رحلة الانتخابات تلك رحالها حتّى انطلقت الأقلام "العلمانية الديمقراطية" قبل "الحزبية الدستورية" محرّضة على الخطر الّذي بات يهدّد الديمقراطية باحتمال الفوز بالأغلبية!! وتشكلت تحالفات سياسية جمعت بين خصوم الأمس من حاذقٍ وسفيه لمواجهة "الخطر المشترك"، واستُكملت ترسانة قوانين المنع والتّضييق.. وبدأت المكاسب الّتي كان الإسلاميون قد حقّقوها في بداية "العهد الجديد" تتهاوى واحدة تلو الأخرى.. فأُوقفت صحيفة الفجر، وحُظر الاتحاد العام التّونسي للطلبة، وعُسكرَ الفضاء الجامعي، وتمّ التضييق على الدّعاة في طول البلاد وعرضها، وتوّج كل ذلك بخطّة "الاستئصال وتجفيف الينابيع" ذات الخلفية التروتسكية المتطرّفة.. وكان بعد ذلك ما كان (...)

لماذا حصل كل ذلك؟ وما الّذي جعله يأخذ ذلك الطابع العدواني الشّرس في بلد لم يعهد مثل تلك الغلظة في التّعامل مع الآخر؟ طبعاً من السهل جدّا أن نركن لتفسير كدنا نحفظ مفرداته وتراكيبه يدّعي امتلاك الحقيقة ولا يتردّد في دمغ ما يخالفه بـ"البساطة" و"السّذاجة" يردّ الكارثة الّتي شهدتها الحياة السياسية التّونسية منذ أوائل التسعينات إلى عامل وحيد هو طبيعة النظام السياسي الحاكم ورموزه. وصاحب المقال لا يبرّئ الجهة المذكورة ممّا نسب إليها وليس له مصلحة في ذلك.. لكنّي أقول إنّ ذلك ليس بالاكتشاف العبقري، ولا تختصّ به تونس دون سائر البلاد العربية.. إن التحدّي الحقيقي يكمن في لحظة صدق مع الذّات يكتشف فيها المرء أخطاءه فيعرّيها.. ولحظة صدق مع الآخر فيصارحه ويتواصل معه بهدوء وبعيدا عن أسلوب المغالبة الّذي باء بالفشل وحاق بأصحابه قبل خصومهم.. على المهندس علي العريض ورفاق سجنه وقد مضت السنون أن يغادروا المواقع الّتي لازمتها قيادة النّهضة لاعتبارات سياسية فينتقدون بجرأة أداءهم في التّعاطي مع السلطة خلال عقد الثمانينات ويقدمون –وهم في الموقع المناسب- على مبادرات تعكس روحا جديدة وتقطع مع الماضي بأفراحه وأتراحه.. عندها يكونون قد أدّوا ما عليهم في طي صفحة الماضي فتبرؤون إلى ربّهم وشعبهم. .

وهنا أستميح القارئ عذراً في طيّ عقدين من الزّمن لكي أصل لحظتين تاريخيتين متشابهتين مسلّطا بعض الضّوء على ملاحظات تبدّت لي خلال المدّة الزمنية الفاصلة بينهما: لحظة خروج علي العريض من السجن بقرار رئاسي سنة 1988 حيث كان في السجن المدني بتونس العاصمة يرتدي بدلة الإعدام وينتظر تنفيذ الحكم فيه فأفرج عنه ابن علي في إطار تسوية لملف حركة الاتجاه الإسلامي في حينها.. ولحظة خروجه الثّاني سنة 2004 بعفو رئاسي أيضاً..

  لقد كانت اللّحظة الأولى لحظة عاطفية لم تتعقّل مقتضيات المرحلة تعقّلا صحيحاً فغلب عليها من جهة السّجين المسرّح الطابع الاحتفالي والزّهو بـ"النّصر" الّذي جعل المناضلَ ينظر للسلطة من موقع متعالٍ رسمه لنفسه من واقع قراءته لمآلات المواجهة مع نظام بورقيبة، فراح يساوم ويغالي في السَّوْمِ.. وزهدت عينه الطموحة في تراجعات حذرة قدّمها نظام حكم مرتبك يحسب من هلعه كلَّ صيحةٍ عليه.. فظلّت عنقه مشرئبّةً إلى ما هو أجدر به من القليل الّذي كان معروضا في حينها.. ولم يكن المشهد السياسي ليتّسع لطرفين لم يقنع كل منهما بالموقع الّذي يرى فيه الآخرُ نفسَه فكان الصّدام، وكان ما كان..

أمّا اللّحظة الثّانية فتختلف من وجهين.. تختلف أوّلا لأنّ السّجين المسرّح لا بدّ أن يكون أكثر عقلانية في رسم الحدود وتحديد المطالب.. وتختلف ثانيا لأنّ نظام الحكم مستقرّ لا بدّ أن يكون قد غادر موقع الانفعال المرتبك في التّعاطي مع الظواهر من حوله، ليصدر في مبادراته عن تخطيط استراتيجي يستوعب الجميع في خدمة الوطن.

ليس جديدا على النّظام التّونسي أن يقدم في مواسم الأعياد الدينية والمناسبات الوطنية على إطلاق سراح بعض المساجين السياسيين نافيا عنهم الصفة السياسية.. ويكون ذلك عادة أسلوبا لتنفيس الاحتقان الدّاخلي وتخفيف الضغط الخارجي لكنّ صدى مثل هذا الإفراج لا يتجاوز الفرد المستفيد منه، بل قد لا يكون هو ذاته مسفيداً.. أمّا خروج شخصية سياسية بحجم المهندس علي العريض والصيدلي زياد الدولاتلي ومن غادر السجن معهما فلا يمكن إلا أن يكون مغايرا لعدّة أسباب منها:

  • الوزن السياسي للمفرج عنهم، إذ لا يُعقل أن يُقدم النّظام على إفراج صوري لشخصيات من الصّف القيادي الأوّل إذ يوشك أن يتحوّل الصّوري إلى حقيقي.
  • لتجمّع نخبة قيادية من حركة النّهضة داخل البلاد وخارج السجن، لم تجتمع داخل الوطن منذ بداية التسعينات حيث ظلّ الوزن القيادي للحركة مهاجراً، وما من شكّ الآن في أنّ ميزان الحضور القيادي للنّهضة اليوم سيميل للدّاخل بعد أن عزّزه المفرج عنهم حديثاً.
  • لوجود صحوة إسلامية واسعة في تونس هذه الأيام انبعثت بتلقائية من خارج الأطر التقليدية للحركة الإسلامية يحتاجها المفرج عنهم فتكون لهم بمثابة الفضاء الّذي يتنفّسون فيه، بمقدار ما تحتاجهم هي للتوجيه الديني، والرّعاية الاجتماعية، والإصلاح القيمي والأخلاقي، وحمايتهم من نزوعات الغلوّ الّذي تستدعيه بقوّة التّحدّيات الحضارية والسياسية المحلية منها والدولية الّتي تواجه أمّتنا وشعوبنا.. تلك المطالب يحتاجها الواقع التّونسي اليوم قبل أن يتأهّل لطرح السّؤال السياسي.

وبهذا المعنى نأمل أن يكون الإفراج الأخير عن المساجين الساسيين يداً ممدودة من رأس السلطة إلى الأشخاص المفرج عنهم بكل ما يحملونه من رمزية قيادية ومن شرعية تاريخية، ويُنتظر من المستفيدين منه أن يستقبلوه على هذا الأساس.. كما نأمل أن تكون مجموع التفاعلات والرّدود مع هذه المبادرة مؤدّية إلى إعادة صياغة العلاقة بين المشروع الإسلامي والسلطة على نحو يبني جسور الثّقة بين الطرفين ولو اقتضى الأمر بعض الوقت.. ويتدرّج بالمشهد السياسي التّونسي وإن ببطءٍ شديد نحو حالة شبيهة بتلك الّتي في المغرب الأقصى أو الأردن أو الكويت حيث لم يلد التيّار الإسلامي المعتدل في أروقة البرلمانات وأطر العمل السياسي القانوني، وإنّما كان ذلك استحقاقا لمرحلة ليست بالقصيرة من التّعارف والتّعاون توِّجت بخيار المشاركة المحسوب. ولم يكن هذا الخيار، في التّجارب المذكورة، صفقة سرّية بين أجهزة السلطة ورموز التيّار الإسلامي، وإنّما كان خيارا وطنيا واعياً يهدف إلى نزع فتيل التوتّر، ويدّخر الموارد البشرية والموارد المادّية لتُصرف في معارك البناء والتنمية لبلداننا.


* من تصريح لشبكة إسلام أون لاين بتاريخ 3 نوفمبر 2004
 

© Aqlamonline 2004