|
علي العكرمي (*)
ليس الكلام عما حدث في كل أنحاء العالم التي استهدفها الغزاة الغربيون منذ بداية
القرن التاسع عشر ومازال يحدث في المنطقة العربية بصفة خاصة من قبيل الحديث عن
الماضي، باعتبار أن آثاره السلبية المدمرة مازالت متواصلة إلى اليوم، ومازالت
قابلة للاستمرار في الزمان والمكان إلى ما لا يعلم إلى الله، والى الوقت الذي
يستبدل فيه الله قوما غيرنا ثم لا يكونوا أمثالنا. ولكن إذا كانت مخططات الغزاة –
الذين سموا أنفسهم استعمارا وانتدابا وحماية، بحسب ما تسمح لهم به التعلة لبسط
نفوذهم العسكري والاقتصادي والثقافي والسياسي – مازالت مستمرة تفعل فعلها، في
اقتصادنا وسياستنا وثقافتنا وعلاقاتنا الاجتماعية والأسرية،
فهل يعني ذلك أننا
تحررنا حقا ونلنا استقلالنا؟
لقد انسحب
الاستعمار
بعد أن علمت
قواته
أن مرحلة الوجود العسكري قد استنفدت أغراضها ولم تعد
لتجلب عليه
إلا الخسائر المادية والبشرية، ولتفادي هذه الأضرار التي يمكن أن تلحق بالبلدان
المستعمِرة،
ولتجنب هذه الخسائر التي يمكن أن يمنوا بها أعلنوا انتهاء مرحلة "الاستعمار"،
وقرروا سحب قوات الدمار العسكرية التي طوروها وضاعفوها من ثروات ومقدرات الشعوب
التي ألحقوا بها من الدمار والأضرار والخسائر المادية والبشرية ما يدعو إلى
الخجل عند ذكره.
ولم يفعل الغزاة الغربيون ذلك بدوافع إنسانية – وهم الذين لم يخطوا هذه الخطوات
التي لم يعرف العالم قبلها طوال تاريخه أكثر انتهاكا لحقوق الإنسان وتدميرا
لإنسانيته بعد أن ظهروا على العالم في تاريخه الحديث بشعارات مبادئ حقوق الإنسان
والمواطن والحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، ولم يفعلوا ذلك كذلك بدافع
تحقيق بعض المصالح لتلك الأوطان والشعوب، ولا بدافع الندم على ما ألحقوه بها من
خراب ودمار، ولا بخلفية الاعتراف لها بحقها في تقرير مصيرها، وإدانة الوحشية
والبربرية التي واجهوها بها، وإعادة بعض الاعتبار لها. ولكنهم إنما فعلوا ذلك
إعلانا منهم لانتهاء مرحلة، لم يتحقق فيها شيء لتلك الأوطان والشعوب، وتحقق لهم
هم ما يريدون بوسائل وأساليب لم تعد صالحة لمرحلة أخرى وقع الإعلان عن بدئها
يتحقق لهم فيها كذلك كلما يريدون بأساليب ووسائل جديدة ولا يتحقق فيها لتلك
الأوطان والشعوب الكثير مما تريد. فالتبعية السياسية والاقتصادية والثقافية
والاجتماعية هي العلاقة المباشرة التي تبقي على المظلوم تحت رحمة الظالم، وعلى
المغزو تحت رحمت الغازي، وعلى المستضعف تحت لهب سياط المستكبر. وليست التبعية هي
في الحقيقة الحل، وليس الإلحاق الحضاري هو في الحقيقة قدرا مقدورا على المستضعفين
والمضطهدين والمظلومين، ولكن لا بد من إرادة قوية وعزيمة فذة وإصرار شعبي وقيادات
حرة وصادقة، وصبرا على مواجهة التحديات في غير يأس لإنجاز مهمة التحرر الحقيقي
والاستقلال الحقيقي والبناء الحضاري المتميز في غير قطيعة مطلقة مع العالم وقوى
الهيمنة فيه، وفي غير انصهار في خياراته وقراراته وتصوراته.
المواجهة الشاملة:
لئن كان الغرب
الغازي قد أعلن غزوه الشامل لكل شعوب إفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية وخاصة
العالم الإسلامي والمنطقة العربية بصفة أخص فان
المواجهة له
حاولت
كذلك أن تكون شاملة، بحسب ما كانت شعوب هذه الأوطان التي أحدثها ضمن
تصوره لخارطة اقتسام العالم فيما بينه – قادرة عليه، ولقد كانت شعوب العالم
الإسلامي وأوطانه عربيا وإسلاميا أكثر استهدافا وبصفة خاصة دائما وبخلفية صليبية
خاصة. وبكبريائها الحضاري وزادها الروحي العقائدي رغم انعدام عدتها وعتادها إلا
مما كانت تستخلصه من أيدي عدوها، استطاعت هذه الشعوب أن تتصدى للغزاة
"المستعمرين" وأن لا تفكر مجرد التفكير في غير المقاومة السياسية والثقافية
والعسكرية سبيلا لطردهم من أوطانها التي حددوها لها.
وإذا كان الغزو
الغربي لكثير من أجزاء قارات الكرة الأرضية وأقطارها سابقا لسنة 1914 و1939، وإذا
كانت الحرب مستعرة بين شعوب هذه الأوطان من أقطار الأرض وقاراتها فان هذين
السنتين – في القراءة التاريخية الصحيحة وخارج القراءة الغربية لأحداث التاريخ
المعاصر وبعيدا عنها، ليسا تاريخين لاندلاع حربين عالميتين تكون الشعوب المستضعفة
وكأنها طرفا فيها وإنما هما تاريخان لاندلاع حربين غربيتين ليست الشعوب المستضعفة
والمغزوة أوطانها فيهما من قبل ومن بعد إلا ضحايا صراع قوى الهيمنة الغربية
المتنازعة على مناطق النفوذ في العالم. وما اعتبار الحربين عالميتين في القراءة
التاريخية للغرب الغازي، والمتصارعة قواه وشعوبه فيما بينها من اجل المجالات
الحيوية، من أسواق، ومواد أولية، وتكلفة منخفضة، ونفوذ عسكري، وثقافي، إلا
لاعتبار الشعوب المحشورة فيها حشرا والمفروضة عليها الحرب، والمسلوبة قرار السلم
والحرب –طرفا في المعركة، وفي الحربين الغربيتين المدمرتين لدول العالم وشعوبه
مما قد يخفف من مسؤوليتها عند الاقتضاء عن الخسائر المادية والبشرية الجسيمة
والدمار الهائل الذي ألحقته بشعوب الأرض وأقطارها كافة. فإضافة إلى ما كانت عليه
أوضاع العالم الإسلامي والمنطقة العربية من استبداد وضعف وتفكك وجهل، جاءت جحافل
جيوش الغزاة الغربيين تتقدمها الإرساليات التبشيرية ويصحبها القرار السياسي
المدعوم بالقوة الممكن للثقافة الغربية وأوعيتها اللغوية والفكر الغربي الملتبس
بالحقيقة العلمية لتوجد أوضاعا اختلط فيها الحق بالباطل وصعب فيها التمييز على ما
يبدو بين العدو والصديق، خاصة عند العرب لما وجدوا أنفسهم إضافة إلى ما تقدم بين
سندان الاستبداد العثماني ومطرقة الغزاة الغربيين في منطقة الشرق الأوسط خاصة،
وقد بدأ الغرب الغازي للمنطقة يهيئ الظروف المناسبة ويعد الخطط والعدد المناسبة
للتخلص من السرطان اليهودي الساري في عروقه، وليرم به الأمة العربية والأمة
الإسلامية عامة. بما يحقق غرور اليهود ويستجيب لطلبهم وطموحهم في إقامة وطن قومي
لهم في أرض العرب والمسلمين فلسطين، وبما يحقق للغرب رغبته في التخلص منهم ومن
المشاكل التي يسببونها له في المناطق التي لهم فيها ثقل سكاني، وبما يجعلهم
بمثابة الإسفين المدقوق في ظهر الأمة العربية والإسلامية، وبما يبقي على الصراع
العسكري والثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي متواصلا مع العدو الصهيوني
اليهودي وحلفائه الغربيين، الدين قد بدأ واضحا أنهم لم ولن يتخلوا عن صليبيتهم
التي قد دخلوا بها والتي هم قد خرجوا بها إذا صح الحديث عن خروج لهم من المناطق
والأوطان التي قد دخلوها غزاة محتلين.
ورغم عوامل
الضعف الذاتي وما أنضاف إليها من عوامل الضعف الموضوعي التي اقتضاها وجود المحتل
الغربي "لأوطان الشعوب" العربية والإسلامية، فان هذه الشعوب على ما هي عليه من
جهل وما تعانيه من فقر وما يصيبها من أمراض وعلل وما هي فاقدة له من أبسط وسائل
المواجهة والمقاومة والتصدي إلا ما كان لها - على جهلها وفقرها ومرضها وانحطاطها
من قوة حضارية ومن قوة روحية تستمدها من عقيدتها الإسلامية التي تقتضي منها أن
تظل مقاتلة لمحتلي أوطانها، وأن تظل مناصبة لهم العداء باعتبارهم كفارا، حتى
تخرجهم من أرضها، قد استطاعت أن تكون في مستوى الحدث وأن تقوم بذلك على الوجه
المطلوب في حدود إمكانياتها وقدراتها، وإذا كان المحتلون الغربيون قد استطاعوا إن
يقسموا العالم العربي إلى أوطان وشعبه إلى شعوب فان الشعوب قد تحملت مسؤولياتها
كاملة في التصدي للمحتل، ولم تقبل منه غير الرحيل عن أوطانها.
ولقد كان كل شعب من هذه الشعوب على ما كان بينها من تعاون وتنسيق، وإن كان ضعيفا
ودون ما كان يجب أن يكون عليه، مسخرا كل طاقاته وقدراته وإمكانياته لمقاومة
الغزاة وإجبارهم على مغادرة أراضيه: بدء بالخطاب السياسي والديني الإسلامي
ومرورا بالنضال الإعلامي والصحفي وانتهاء بالمواجهة العسكرية المسلحة والمقاومة
والعمل الفدائي. وهكذا أمضت هذه الشعوب عقودا من المقاومة الشاملة للعدو حتى
اضطرته
إلى المغادرة مهزوما مدحورا وأجبرته تحت ضربات رجال المقاومة والجهاد
الباسلة على القبول بمبدأ الاستقلال لدى زعاماتها السياسية المفاوضة، واستطاعت
هذه الشعوب فعلا أن تفرض على المحتلين الاعتراف لها بالاستقلال. وقد حصل لهذه
القوى من خلال ذلك اقتناع بان وجودها العسكري لم
تعد تحقق من خلاله الجدوى
المطلوبة بعد أن كانت قد ضمنت الإبقاء على وجودها الاستعماري سياسيا وثقافيا
واقتصاديا، وهو أخطر
من وجود الاحتلال وأصعبه في المقاومة. وعلى أية حال فان هذه
الشعوب، وقد أنجزت مهمة إنهاء الوجود العسكري المباشر للمحتل الغربي لأوطانها فان
الذي يبقى مطلوبا بعد ذلك، مواصلة النضال السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي
من أجل تحقيق استقلالها الحقيقي التام والكامل.
أين"الشعوب العربية" والاسلامية من القضية الفلسطينية؟
ذلك ما حدث
إجمالا، فما الذي يحدث وما الذي يجب أن يحدث؟
إذا كان ما حدث
هو من إنجاز شعوب يغلب عليها الجهل، والأمية والفقر والمرض والانحطاط، ولا تملك
في الحقيقة من الإمكانيات ولو الحد الأدنى من أسباب القوة في مواجهة الآلة
العسكرية الغربية المتطورة والمدمرة، فماذا أنجزت هذه الشعوب بعد التحرير؟ وماذا
تستطيع أن تنجز؟
إن المقارنة
بين ما كانت عليه هذه الشعوب في مرحلة الغزو الغربي لأوطانها وما أصبحت عليه الآن
تدعونا إلى القول بأن فرقا كبيرا قد أصبح موجودا بين ما أصبحت عليه سلبا وإيجابا
وما كانت عليه.
فإذا كانت
الشعوب العربية التي أصبحت - أو هكذا تعتبر نفسها - معنية وحدها بالقضية
الفلسطينية تئن تحت وطأة
الجهل والأمية كمصابين جللين ملازمين لها، مازالت تعاني منهما حتى اليوم، فإنها
استطاعت اليوم أن تبنى المدارس والمعاهد والجامعات، وأن توفر لجل أبنائها وإن لم
نقل لكل أبنائها فرص الدراسة والتعلم. وقد أصبح لها من المفكرين والمثقفين
والعلماء والمختصين في مختلف فروع العلم والمعرفة ما يجلب لها الاحترام والتقدير.
وإذا كانت على
قدر من الفقر يفتقر معه الكثير من أبنائها إلى رغيف الخبز أحيانا، ولهم من الغذاء
والدواء والكساء والسكن دون حدود الضرورة، فإنهم اليوم وفي الغالبية العظمى منهم
لم يعد الحديث عندهم يدور حول الضروريات التي أصبحت في قطاعات واسعة منهم من
التحصيل الحاصل، دون أن يعني ذلك عدم وجود مشاكل كثيرة ومصاعب كبيرة في هذا
المجال - ولكن الحديث أصبح وفي أوساط كثيرة يدور حول الكماليات والتحسينات.
ونستطيع القول
إن هذه الشعوب التي أصبحت "مستقلة" بعد أن كانت محتلة وأصبحت محكومة من طرف
أبنائها بعد أن كانت محكومة من طرف أعدائها، قد أصبحت على قدر من الرقي الذي من
المفروض أن يجعلها أكثر حيوية وفاعلية وجاهزية بعد أن كانت على قدر كبير من
الانحطاط استطاعت معه أن تنجز مهمة التحرير وأن تنخرط في مهمة البناء والتشييد.
إن الوضع الذي
عليه أبناء هذه الشعوب اليوم هو في جانب كبير منه من هندسة وإنجاز آبائهم
وأجدادهم الذين كانوا أقل منهم علما وثقافة ومعرفة
وأقل منهم
غذاء ودواء وكساء ومأوى، وأقل منهم رقيا وتطورا وتفتحا
وتقدما، ولكنهم أنجزوا من المهمات ما ليس لمثلهم أن ينجزه.
إذا كان كل ذلك
صحيحا، فأين الأبناء
المتعلمون والمثقفون لأولئك الجهلة، والأغنياء لأولئك الفقراء، والمتقدمون لأولئك
المتأخرين، من أبنائهم وأجدادهم؟ فأين هؤلاء من أولئك؟
إن من بين ما
أصبح الغزاة الغربيون مقتنعين به لما قبلوا بمبدأ تقرير المصير لشعوب الأوطان
التي كانت
تحت سيطرتهم العسكرية والإدارية المطلقة، مع تزايد الضغوط
الفدائية عليهم لإجبارهم على الرحيل بأسرع ما يمكن من الوقت –
أن الوقت قد حان
لإنهاء مرحلة من الوجود العسكري الذي لقي مقاومة مستمرة بكل الوسائل وبكل
الأساليب وفي كل مكان، ومن كل أفراد الشعوب التي أوقعوها تحت نير احتلالهم وأنهم
سيظلون يستنزفون ويتكبدون الخسائر من حيث أنهم جاءوا قصد جني الأرباح الطائلة وان
استمرارا في الوجود تقتضيه مرحلة جديدة يتواصل بها تحقيق الأرباح والمصالح
المختلفة التي كانوا دائما يلهثون وراء تحقيقها، والتي ستكون هذه المرة بأقل ما
يمكن من الخسائر، ولعلها بدون خسائر أصلا قد بات
أمرا متأكدا. وان ما لم يستطيعوا
تحقيقه في ظل وجودهم العسكري والإداري
فسيتحقق حتما في ظل تولي إدارة شؤون هذه
الأوطان وهذه الشعوب بعض أبنائها الذين استفاد المحتلون من الجهل الذي وجدوا عليه
هذه الشعوب في هذه الأوطان فأوجدوا لأبنائها فرصا للتعليم والمعرفة في مؤسساتهم
العلمية التي فتحوها لهم في أوطانهم وفي عواصمهم المختلفة.
فكرعوا حتى
الثمالة من ثقافتهم وأفكارهم ومعارفهم وبعض علومهم بوسائل مختلفة وبمناهج مختلفة
وبأساليب مختلفة جعلت منهم مسلمين وعربا عرقا وعقيدة وغربيين فكرا وثقافة. وما
يغني العرق وما تغني العقيدة حين يكونان في عقل أشبع فكرا وثقافة لا علاقة لهما
بمقومات ذلك العرق وبأركان تلك العقيدة. لقد فرض المحتلون أوضاعا وتقاليد وثوابت
باتوا مطمئنين كل الاطمئنان - مع مواصلة الإشراف المباشر أو غير المباشر على
تأكيدها وترسيخها – إلى أنها أفضل السبل لاستمرار هذه الشعوب، وهذه الأوطان في
التبعية لهم سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا. لم يكن هذا الاطمئنان ممكنا قبل
ذلك، لان هذه التقاليد وهذه الأوضاع وهذه الثوابت المشار إليها سالفا لم تكن
موجودة، ولم يكن قد مضى من الوقت ما يكفي لأقامتها وتأكيدها وتربية أبناء الشعوب
عليها، فكانت ثورة الأجيال الأوائل لشعوب هذه الأوطان على المحتلين تجد تفسيرها
في رفض إشراف المحتل عليها إشرافا مباشرا لغربته أولا ولكفره ثانيا، وفي وعيها
على جهلها وانحطاطها بالتناقض الحضاري والثقافي والعقائدي بينها وبينه، في حين لم
تكن نفس الخلفية هي التي تحكم الأجيال التي جاءت من بعدهم، والتي وجدت نفسها
منسجمة معه فكريا وثقافيا دون كبير اعتبار للبعد العقائدي وللتأصيل الثقافي
والفكري، ولعل شدة توترها معه كان على المستوى العرقي والوطني أكثر من أي شيء
آخر، باعتبار أن الثقافة الغربية نفسها جاءت مؤكدة للأبعاد الوطنية والقومية، وهي
ذات الأبعاد التي دفعت بالغرب الغازي إلى الهيمنة على الأقوام الأخرى، والأوطان
الأخرى لتحقيق الرفاه والتفوق لأقوامه والعزة والمجد والقوة والاستقلال لأوطانه.
إن المتأكد أن
مواجهة الغازي الأجنبي المحتل بكثرة جيوشه وقوة عتاده أشد من مواجهة الأنظمة
الاستبدادية الظالمة، لان المحتل يستهدف الأرض والعرض والنفس وهو يقوم بحرب شاملة
لا يستثني فيها أحدا ولا يستثني فيها شيئا إلا بقدر ما يخفف من شدة توتر أبناء
الشعوب ضده وبما يجنبه أكثر ما يمكن من ردود الفعل الشعبية، وهو يزرع الدمار
والخراب والقتل أينما حل، ولا يرقب في أحد إلا ولا ذمة، ليستولى على كل ما وجد
وما يوجد وما يمكن أن يوجد بعد ذلك من ثروات ومعادن وعقارات ومنقولات ليحولها إلى
منافع لشعوبه وأوطانه ويحرم منها بذلك أصحابها الأصليين ومالكيها الشرعيين
ومنتجيها الحقيقيين... وتكون المعادلة بذلك أن تزداد شعوب الغزاة ثراء وتزداد
الشعوب المظلومة المغزوة فقرا، وتزداد شعوب المحتلين قوة وتزداد الشعوب المحتلة
ضعفا وتزداد شعوب الغرب تقدما وتزداد شعوب الشرق من العرب والمسلمين خاصة تخلفا
وانحطاطا وتزداد شعوبهم عزا وتزداد شعوبنا ذلة...
أما المستبد
وان كان يستهدف العرض والنفس والأرزاق كذلك إلا أنه لا يستهدف الأرض احتلالا ولا
يعلن الحرب الشاملة وان كان يحتكر القرار ويستأثر بالثروات والامتيازات ويصادر
الحريات ولكنه لا يزرع الدمار والخراب في كل مكان وان كان فعل ذلك أحيانا وفي بعض
الأماكن ممكنا ويستوي عنده في ذلك الظالم والمظلوم والمحارب والمسالم والمعارض
والمساند وان كانت الصورة متقاربة ولكنها ليست واحدة، وان كانت متشابهة ولكنها
مختلفة. وإذا كان لابد من تصنيفه كعدو – وذلك صحيح – ولكنه عدو داخلي وليس عدوا
خارجيا وان كان مسيئا لوطنه وشعبه من حيث يقصد أو لا يقصد ومن حيث يعي أو لا يعي
ومن حيث يعلم أو لا يعلم إلا أنه لا يقصد تدمير وطن لبناء وطن آخر ولا يقصد إذلال
شعب لإعزاز شعب آخر ولا يقصد إفقار شعب لإثراء شعب آخر دون أن يعني ذلك إعفاءه من
مسؤولية الإضرار التي تطال الوطن والشعب.
وعلى ما بين
المحتل الغازي والمستبد الظالم من فرق إلا أنهما من أشد ما تصاب به الأوطان
والشعوب من آفات وكوارث ومن أكثر ما يورثها ضعفا وانحطاطا ومعاناة وتخلفا.
وإذا كانت
أجيال الشعوب الشاهدة لارتزاء أوطانها بالاحتلال الغربي الصليبي قد تحملت
مسؤوليتها العربية والإسلامية والوطنية في التصدي له وإعلان الحرب عليه منذ أول
يوم أعلن عليها فيه الحرب وعلى امتداد عشرات العقود من الزمن حتى فرضت عليه
الانسحاب سلما أو حربا ولم تعتبر شدة ضعفها أمام شدة قوته عذرا للاستقالة والسكوت
عنه والقبول به كأمر واقع، ولم تعتبر قدرته
الفائقة على البطش والتنكيل واستعداده لزرع الموت في كل مكان كافية لثنيها على
مقاومته وإقرار العزم على تخليص أوطانها
من هيمنته وتحرير نفسها من ربقة
عبوديته، فان على
الأجيال الحاضرة أن تتحمل مسؤوليتها أيضا في إنجاز
مهمة تحرير نفسها من الاستبداد الذي بدا واضحا أنه من الأسباب الرئيسية التي تحول
دون اجتماع الأمة وتوحيد صفوفها في مواجهة بعض أوجه التخلف
في الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعلمية، والتي ظل كل
شعب من هذه الشعوب في كل وطن من هذه الأوطان – في عصر التكتلات الكبرى – يواجهها
وحده منفردا بفعل الاستبداد كما كان كل شعب من هذه الشعوب في كل وطن من هذه
الأوطان يواجهها وحده في ظل الاحتلال الصليبي الحديث مما يحيلنا إلى القول أن
شعوب الأمة في أوطان المنطقة العربية والعالم الإسلامي ظلت تخوض المعركة وتواجه
المشكلات التي تعترضها منفردة ومتفرقة في ظل النظام العربي و"الإسلامي" المستبد
كما في ظل الهيمنة الصليبية الغربية الغازية.
وإذا كان
أسلافنا قد واجهوا التحدي بالتحدي وأنجزوا مهمة التحرير من العدو الخارجي الغاصب
فان على
أخلافهم أن يواصلوا المشوار وأن لا يجعلوا من بطش الأنظمة المستبدة عذرا
لأنفسهم لإبقاء الوضع على ما هو عليه من تشتت وفرقة. وأن يعلنوا رفضهم لواقع
المهانة والذل وهم المتعلمون والمثقفون، وهم كذلك الأغنياء والأثرياء
على الأقل بالنظر إلى ما كان عليه أسلافهم من قبل. وأن يجمعوا جهود هذه الشعوب
ويوحدوا صفوفها في مواجهة مشكلاتها الواحدة المشتركة. وعلى هذه الشعوب أن لا
تعتبر نفسها غير معنية بما يحدث في الأرض المحتلة من قتل لإخواننا من أبناء شعبنا
الفلسطيني ومن احتلال لأرضه التي هي أرضنا جميعا ومن تدمير لممتلكاته، ومن تدنيس
لمقدسات الأمة العربية والإسلامية كلها من طرف العدو اليهودي الصهيوني الحليف
الاستراتيجي للغرب الصليبي وغير مسؤولة عنه.
إن من حق أبناء
الشعب الفلسطيني المجاهد على أبناء كل شعوب المنطقة العربية والعالم
الإسلامي أن تقوم قومة واحدة وأن تهب هبة واحدة
للانخراط معه في الجهاد والقتال والمقاومة، وعدم الضن عليه بكل وسائل الدعم
الممكنة لتحرير ما تبقى محتلا من الأرض التي هي أرض العرب قاطبة وهي كذلك أرض
المسلمين قاطبة
"وأن هذه
أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدوني" وليست أرض الفلسطينيين وحدهم ولا مقدسات أرض
الإسراء والمعراج هي مقدسات الفلسطينيين وحدهم. ولذلك فان انخراط أفراد كل هذه
الشعوب في المقاومة ضد العدو الصهيوني الغاصب ليس مجرد مساندة لأبناء الشعب
الفلسطيني ودعما
لهم وشدا
لأزرهم وإنما هو واجب
قومي وإسلامي ووطني ليس على أحد أن يتجاهله أو
يسقط مسؤوليته عن ذلك.
إن مهمة هذه
الشعوب – إذا أرادت أن تجد نفسها ذات يوم في مستوي تحمل مسؤولياتها التاريخية أن
تفرض على حكامها – الذين بدا واضحا في أكثر من قطر إن لم يكن في كل الأقطار خاصة
أقطار الطوق أنهم أكثر وفاء للعدو ولحلفائه الصليبيين منهم لشعوبهم وللشعب
الفلسطيني الباسل – أن يفتحوا الحدود وأن يفسحوا المجال واسعا لأبناء هذه
الأمة لفتح كل الجبهات على العدو الغاصب، والإسراع من كل صوب وحدب للانخراط في
المقاومة وإدارة المعركة مع العدو بكل الوسائل وبكل الأساليب وفي كل موقع وفي كل
مكان لتحرير الأرض وحماية المقدسات وتحقيق النصر والقضاء على الدمل السرطاني الذي
زرعه الغرب الصليبي في جسد الأمة.
ان تذرع الشعوب
بوقوعها تحت نير استبداد الأنظمة حتى لا تقوم بدورها في إدارة المعركة مع العدو
ليس في محله وليس صحيحا وليس مقبولا فلسطينيا ولا عربيا ولا إسلاميا ولا إنسانيا
لخوض غمار المعركة
المفروضة عليها.
وعليها إذا
أرادت أن تجد نفسها ذات يوم خارج لعنة التاريخ ولعنة اللاعنين أن تعلن رفضها
للاحتلال ولأعوانه ومسانديه والحائلين دون مشاركتها في المعركة وفي قتال العدو
أينما وجد وأن تخوض غمار المواجهة في انتفاضة متواصلة لا تعرف حدا ولا تعترف
بحدود حتى تنجز مهمة تحرير زهرة المدائن وأرض الإسراء والمعراج وتصلي في المسجد
الأقصى الشريف. وعليها أن تتحمل في سبيل ذلك ما يتحمله الشعب الفلسطيني المجاهد
كل يوم من قتل وجراح وترويع ومطاردة ومحاصرة وعزل وتجويع وغير ذلك من الجرائم
التي ترتكب في حقه على امتداد عقود من الزمن، للفت في عضده وتثبيط عزائمه وإثنائه
عن المضي قدما في تحرير أرضه.
انه لمن المخجل
حقا أن تكتفي شعوب الأمة العربية والإسلامية وقياداتها وزعاماتها ورموزها وحكامها
بالوقوف موقف المتفرج. وإننا لنضع أنفسنا حقا في موضع السخرية في عين التاريخ وفي
أعين شعوب العالم من حولنا، وشعبنا الفلسطيني العربي المسلم يخوض المعركة وحده ضد
العدو اليهودي الصهيوني بصدور عارية وبكفاءة عالية شيبا وشبابا، نساء
وأطفالا. وهم يتصدون كل يوم لآلة الحرب المدمرة،
عزلا إلا من
الحجارة،
متسلحين بالروح
المعنوية العالية والعقيدة الراسخة والتشبث بالأرض وبالمقدسات.
وإذا كان لهذا
الموقف أسبابه الذاتية والموضوعية التي مازالت لم تقع معالجتها بعد ولكنها تبقى
غير كافية لاعتبارها عذرا شرعيا ومقبولا نعذر به أو نعتذر به إزاء ما يحدث من تحد
سافر للأمة كلها ومن إذلال لها ومن انتهاك لحرمتها وتدنيس لمقدساتها على مرأى
ومسمع منها، مما يزيد العدو قوة معنوية وثقة في نفسه وفي قدراته السياسي |