مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

من فكر المواجهة إلى فكر المصالحة: رحلة الألف ميل تبدأ بميل!


 

بقلم د. خالد الطراولي (*)

لما سعينا منذ مدة وبكل تواضع إلى تنزيل مبادرة المصالحة بين السلطة في تونس والمشروع الإسلامي[1]، ثم ذيلناها بمحاولة تأصيل لمصطلح المصالحة في الفكر الإسلامي المعاصر[2]، وتوسعة مفهومه في منازل وأطر جديدة غيبتها الحركة الإسلامية أو همّشتها، كان همنا الرئيسي وغايتنا الأساسية هو التذكير بأن هذا المنهج المنسي أو المهمش ليس طفرة عائمة، ولا مصلحة ظرفية، ولا مناورة سياسية، ليس تعبيرا عن حالة ضعف فاخترناه، ولا لأننا قلة فقبلناه، وإنما هو الأصل والمبدأ، وأن ما سواه من منهجيات وممارسات هي نسخ زائفة، ومعالجات مردودة، وخيارات غير صائبة، كثيرا ما ألمّ بها وعي منقوص، وعلم مغشوش، وأمية شرعية، وبراغماتية منبوذة، ومرونة مفقودة، فغلب الاضطرار على الخيار، وكان فقه اللحظة مهيمنا على فقه الزمن!

المصالحة عنوان مشروع وليس عنوان مرحلة

المصالحة ثقافة وعقلية وسلوك، ومسيرة المصالحة طويلة وشاقة، ولطول عناءها وجب الاستعداد لها وبناءها، وأول هذه المحطات الهامة هو تكوين فكر المصالحة وثقافة المصالحة وعقلية المصالحة. ليس سهلا أن تنقلب الأولويات وتتغير العقليات دون إحداث رجة عالية الدرجة داخل البناء التنظيمي والبناء التصوري، ليس سهلا أن يتنازل إبهام التوعد والاتهام والصراع والتسرع، على السكون والهدوء والعمل المضني والطويل.

إن إحداث هذه النقلة الثقافية في العقول والتصورات والبرامج، يمثل التحدي الأول في هذه المسيرة الطيبة، حتى يتشكل عقل جديد بفكر جديد وثقافة جديدة، أساسها العمل الهادئ والرصين، والعقل الواعي والمتمكن من حيثيات الواقع وتقلبات الزمن.

فالمصالحة كما نزعمها، موقف مبدئي، وبناء هيكلي، وثقافة وعقلية وسلوك، لا ترجها التموجات، ولا  تغير مجراها الإثارات والاستفزازات وردات الفعل، وتتطلب الصبر والمصابرة. ولعل طريق المواجهة والعداء يظل أسهل في بعض الثنايا والمواقع، لأنه ينهي المشروع ويكفي أصحابه مسؤولية المواصلة، وعبئ التحدي، وهم الصبر على الاستفزاز، وعناء مواجهة الاستدراج.

لكم تساءلنا عن الحكمة من مواصلة الرسول الكريم (ص) دعوته في مكة، بين أهله وذويه دون قتال ولا مواجهة عنيفة مع قومه، رغم عداءهم الشديد له وصدهم، وتعذيب أصحابه وحتى قتلهم، ومحاصرته في أحد الشعاب لسنين طوال. ورغم ذلك لم يؤذن له بالقتال أبدا داخل الديار، بل كان الحل المقترح الهجرة، أو الصبر على الأذى والظلم والطغيان طيلة ثلاث عشرة سنة، لم يغتل فيها أحدا ولم يسكب دم أحد. فالنزاع السياسي داخل المجتمع الواحد لا يحل إلا سياسيا، وأن الخلاف المدني،  لا يعالج في نطاق المجتمع الواحد إلا في إطار مدني خالص، حتى لو تعرضت بعض الفئات إلى الجور والبغي والعداء، رغم خطابها الإصلاحي والسلمي.

لقد تعرض المشروع الإصلاحي إلى عديد الاستفزازات، ولكم كان مخطأ حين قبل الدخول في لعبة رد الفعل، وهو لا يملك أوراقها، ولسوف يتعرض إلى مزيد من التحديات والإثارات ويُدعى مرة أخرى إلى الحلبة بدون قُفّازَين ولا حكم ولا قانون ولا توقيت وبدون حضور الجمهور. وإذا كانت ثقافة المواجهة، اضطرارا أو خيارا، قد أدخلته سابقا في متاهات وويلات لم ير نهاية نفقها بعد، فإن عقلية المصالحة المبنية على ثقافة الصبر والمصابرة، وعلى القراءة المتأنية للحدث، والبراغماتية الواعية لمجريات الأمور، وعدم التسرع لقطف الثمرة قبل أوان حصادها، وعدم القفز على الواقع، والاعتبار الكامل لسنة التدرج في الاستبدال والبناء، هذه العقلية إذا روعي تشكلها، من شأنها أن تأخذ بالمشروع بكل هدوء إلى شاطئ السلامة!

لقد كان تشكيل العقل المسلم في بداية الرسالة المحمدية أهم حدث، وأدق فعل وأكبر تحدي واجه صاحبها عليه السلام، لأنه مثل الأرضية الصلبة التي ينطلق منها البناء، سليما وشاهقا، أو هشا ومعوجا، وكانت للنقلات التي أحدثها المشروع، الأثر الكبير في تشكل عقلية جديدة كانت بانية نهضة وحضارة. ولقد ظل ميزان رقي الأمة أو انحطاطها مرتبطا بتشكل عقليتها، كانت عقلية الجاهلية فضة غليظة متخلفة اجتماعا واقتصادا، فكان الإنسان الجاهلي بسيطا يعيش تحت سنام حضارتي فارس وبيزنطة. ولما أعيد تشكل هذا العقل العربي مجددا بفعل الدين الجديد، على ظلال تحولات تصورية واعتقاديه فريدة، ونقلات معرفية ومنهجية، اكتسح جلف الصحراء البوادي والحظر، وبرز مدنيا في طبعه وفي ثقافته وأصبح باني حضارة. وكلما عاد هذا العقل إلى تشكل مختلف ومتخلف، إلا وتمثل في كبوات وسقوط حضاري لا يزال العقل المسلم يعاني منه ويبحث عن نفق للخروج.

ليس العقل الإسلامي الحركي عموما إلا جزء معبرا عن هذه الإعاقة والتخلف الذي يعيشه العقل المسلم منذ ردهة من الزمن العابر، وليس العقل الإسلامي الحركي التونسي إلا شاهد عين وحامل تجربة وعيّنة مباشرة لهذا السقوط والضمور. ورغم الخصوصيات التي يتمتع بها كل فصيل دون الآخر، وحتى نتجنب التعميم القاتل لمنهجية البحث ونتائجه، فإننا نزعم أن إعادة تشكيل هذه العقلية التونسية التي تاهت في ثنايا المواجهة، وبلورة ثقافتها، يحوم أساسا حول مركزية المصالحة، عبر إعطائها بعدا منهجيا وزخما حضاريا.

 من هنا نبدأ: المصالحة الداخلية

ليس سليما ولا مقبولا أن تنطلق حمائم المصالحة بجناحيها مرفرفة إلى الضفة المقابلة، وهي عاجزة أن تطلقها في سماء ضفتها! لا مصداقية لمشروع إذا كان يطرح خلاف ما يمارس، وظاهره خلاف باطنه! لا صلاح لرأي إذا كان شعاره فرق لتسد، وسدّد لتفرق! لا يمكن أن تحمل قوة تفاوضية عالية، وأركان البيت محطمة وأضلاعه مهشمة على أصحابه! ولا جماهيرية ولا نجاح لبرنامج إذا كان حاملوه قلوبهم شتى وبأسهم بينهم شديد!!

قبل أن ينطلق المشروع خارجا لا بد من وقفة هامة وأساسية مع الداخل الإسلامي، لهذا تشكل المصالحة الداخلية ضرورة حياتية له وصمام أمان لصلاحية مساره. هذه المحطة الهامة في مسار البناء تمثل تحديا مهما للعقل التنظيمي، ولقد قلنا في حديث سابق أن المشروع الإسلامي وجب عليه أن يتصالح مع العديد من الطاقات المهدورة التي  تواجدت داخله أو تحاملت على الأطراف أو على الأعراف. منها الطاقات المعطلة، والطاقات الخائفة والطاقات المجمدة والطاقات اليائسة والطاقات الفاعلة والطاقات الشاذة. هذه الطاقات التي انسحبت خيارا أو اضطرارا، هذه الطاقات التي ملّت الزمن أو ملّها الزمن، هذه الطاقات التي حملت المشروع يوما وتقاعست عن حمله في يوم آخر، هذه الطاقات التي غلب بعضها الأنا، أو غلبها هواها، هذه الطاقات التي أرادت أن تختلف ولم يسمح لها بالخلاف...

كل هذه الأصناف من الطاقات المهمّشة، المتعددة الاختصاصات والإمكانيات، والمختلفة التصورات والممارسات، والتي ضمر دورها وقلّت فعاليتها أو غابت ذاتها، لا يجب التنازل عنها وتركها لنفسها، أو لغيرها حتى يستثمر قدراتها وتاريخها، ويوظف أفكارها وممارستها بعيدا عن المشروع، حتى بلغ الانفصال عند البعض حدّ التوجس والعداء، وبدأنا نسمع ونقرأ من قريب ومن بعيد صيحات وولولة ونشر غسيل وهي تعبر عن ندآت استغاثة أكثر منها توجيه اتهامات!

الفضاء الإسلامي متنوع ومتعدد، وإن هيمن عليه فصيل دون آخر، وقد عبرنا عنه في مقال سابق "باللقاء الإسلامي" ويجمع المنتمين والمستقلين، من اليمين واليسار، داخل البلاد وخارجها. ليس عيبا أن نختلف، ليس عيبا أن ننقد ونقبل النقد، ليس عيبا أن نعترف ونتراجع، ليس عيبا أن نجتهد فنخطئ، ولكن العيب كل العيب أن تمتلئ الصدور بالغلّ والعداوة بين أصحاب المشروع الواحد والكل يدّعي الظلم لغيره.

إن فكر المواجهة الذي تكوّن أصلا ضد المنافس في بحر التجاذب السياسي، وهو خطأ في بابه، ولّد ولا شك فكر مواجهة وتنابذ وتنابز موجه إلى الداخل الإسلامي، وكبرت الأنفس وعظم الأنا والتوجس، ومهما كانت التبريرات والمسؤوليات، وعلى ما في بعضها من الحق أو من الباطل، فلا تبرير يعلو فوق صوت العقل والتعقل، وصوت الصبر والتجاوز، وصوت القبول بالجميع، وذلك صوت المصالحة. وإلا فهو إهدار لرصيد يندر وجوده، صقلته التجربة والمعاناة، وجمعته لفترات، أخوة ومآخاة، وتاريخ ومسؤوليات. ومن المؤلم أن يتحول الاختلاف في الرؤى والتصورات والبرامج في بعض الثنايا، إلى برود وجفاء كامل في العلاقة، يتجاوز منازل السياسة والسياسيين إلى أطر خاصة وضيقة، تشكل أسس البنيان الاجتماعي، فتضطرب منابع الصفاء وتضيق أروقة اللقاء وتهتز أسر وصداقات، فكيف ندّعي ونريد إقناع غيرنا ببناء مجتمع كبير مستقر ومتعارف ومترف مادة وروحا، ونحن عاجزين أن نبنيه بين أطراف قومنا وفي بيتنا الصغير؟ فيحل التقوقع والانعزال والانسحاب، ويدخل المشروع ورجاله في حالة غيبة وغيبوبة مضاعفة.

إن أزمة تواصل أصبحت تعيشها الحركة الإسلامية إجمالا شرّقت أو غرّبت جغرافيتها، فما إن يقع شرخ في الكيان الأم أو انشقاق أو خلاف أو تعدد للأراء والتصورات، أو بروز أصوات تلهث بنفس المرجعية ولكن تختلف في الرؤى والتنزيلات، إلا ويصبح المخالف منافسا يجب إبعاده، ويمسي خصما يجب هزيمته، ليبيت عدوا يجب استئصاله! وتبرز هذه الأزمة في مستوى الخطاب وما يعتريه من سوء النية والإضمار، وعدم التورع عن الاستخفاف والشتم والتعيير ونبش العلاقات الخاصة والمجالس المستأمنة التي جمعت الأطراف في شهور العسل الخالية. وهو تعبير عن هشاشة البناء الأخلاقي وارتجاج البعد الرباني وسقوط المرجعية وما تحمله من صور ونماذج تاريخية رائعة.

ليس لأحد أن يزعم الصلاح لنفسه ويربأ به عن غيره، ليس لأحد العصمة في القول والفعل، والهرطقة والخفة عند غيره، ليس لأي موقف قدسية إذا جانب الحق، ومن هذا الحق حق الأخوة، وحق الاختلاف، وحق الاجتهاد الواعي والرصين.

ليس لأي فكر وممارسة، الاحترام والتقدير، إذا ساهمت ولو من بعيد، في ظلم أو اعتداء أو استخفاف، وظلم ذوي القربى أشد مضاضة. ليس لفكر المواجهة أن يستديم تجاه الداخل أو الخارج، وإلا فإن عواقبه ستكون وخيمة على المشروع وأصحابه جميعا دون تمييز. وإذا علمنا أن هذا المشروع  الذي حملناه رغبة في خدمة أوطاننا وإرضاء لربنا، والذي نريد من خلاله طرق باب الجنة باجتهاداتنا البشرية بما تحمله من خطأ وصواب، هو فضل آتاه الله لنا وهو قادر على استبدالنا والمجيء بقوم يحبهم ويحبونه ولا يحملون في مزودهم مغنما ذاتيا ولا في قلوبهم غلا على إخوانهم! وتبقى المصالحة ضرورة حياتية للمشروع، وشهامة وترفّع ومروءة وتواضع وتسامح، وكسر للأنا، وتأكيد للبعد الرباني للعمل ومنهجيته وأهدافه.

إن المصالحة مسار يبدأ بأركان البيت الداخلي قبل أن ينال خيره أطرافه القريبة والممتدة حتى يكون الإطار الجامع ممتماسكا في بناه وفي لحمته وفي قوة تفاوضه. ويتجلى هذا المسار الداخلي أولا في مستوى الخطاب

 إن فكر المصالحة إذا تأصل واستوطن العقول، وأصبح سلوكا مبدئيا يتجاوز سطور البرامج، ويدخل الأسواق والمنتديات، ويرفع الشعار ويلتزم الموقف، لا يرجه زلزال الواقع ولا تقتلعه عاصفة التحديات، من شأنه أن يسحب البساط من الطرف المقابل، ويعري المصداقيات الكاذبة، والشرعيات المهزوزة، وتكتمل الصورة، ويفقد اللون الرمادي أساس وجوده، ويجعل الأمة رقيبا وحكما ورقما فاعلا. ويجعل من حاملي المشروع ضحايا واضحي المعالم والرؤى والمواقف، لا يمكن نعتهم بالازدواجية والانتهازية والتسرع والتطرف والصراع. بل إن شرعية التواجد ومصداقية المشروع، يصبحان مسؤولية أمة، وليس هموم طائفة وجماعة ينالها الضيم والجور والناس في غفلة عن مصيرهم!

إن هيمنة فكر المصالحة على المشروع الإسلامي ورفع يافطته المبدئية، تعطي ضمانا لمن وراء الحدود، وأمانا لمن داخلها، في سلمية منهجه وسماحة تصوراته، في تبنيه لعلاقة تعارف واحترام متبادل ومصالح مشتركة بين ثقافات مختلفة وأديان متعددة وسياقات متنوعة، حتى تصبح الورقة الإسلامية ورقة ضاغطة وتتمتع بكثير من المكاسب والمعطيات. وهو يعطي كذلك مؤشرا هاما لمن داخل البلاد بأن المصالحة ليست عنوان مرحلة ولكنها عنوان مشروع.

إن ولوج باب المصالحة الداخلية يمثل بداية الطريق في مسار التغيير في المناهج والعلاقات والآليات، ويشكل الإطار الصائب للدفع بالمشروع الإسلامي الديمقراطي نحو اللقاء والتعدد والتعارف والتدافع الحضاري. ورغم أن الطريق مازالت وعرة وشائكة في بعض ثناياها، فإن تهيئة العقل الإسلامي الحركي الجديد يجب أن يمر من هذه الشعاب على صعوبتها وطول مسافاتها، حتى ينال رضا مجتمعاته ويكون مشروعه مشروع هداية ورفاهة بالأساس. وأنا أعلم بتواضع أن تغريد بلبل واحد لا يكفي لاستدعاء الربيع، ولكنه يذكّر بانتهاء الشتاء! والله أعلم.


(*) مدير تحرير مجلة "مرايا" باريس

[1]  "رؤية حول المـصالـحـة بين المشروع الإسلامي والسلطة التونسية: نداء ومبادرة للتجاوز والبناء" تونس نيوز، الوحدة الاسلامية ومجلة العصر.
[2]  خالد الطراولي سلسلة المقالات "معالم مركزية المصالحة في الخطاب الإٍسلامي الجديد" صحيفة التجديد المغربية أعداد: 842، 843، 845، 847، 849، شهر جانفي 2004. وموقع "تونس نيوز"

 

© Aqlamonline 2004