مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

مختارات من الصحـافة العالميـة

*واحة نخيل جنوب تونس


كلود للينا (*)
Claude LLENA

توزر مدينة صغيرة في الجنوب الشرقي من تونس، على الحدود الجزائرية والحد الشمالي الشرقي للصحراء. أنها أيضاً إحدى الواحات الأكثر شهرةً في العالم لا سيما أنها ترتوي من مئتي نبع ماء وغابة نخيل رائعة من 400 ألف شجرة فوق مساحة تزيد على الإلف هكتار. مربع أخضر محاط من جهة بالكثبان الرملية ومن جهة أخرى بصحراء الحجر.

منذ أجيال مضت والواحة تطعم البشر المندمجين في نظامها الحيوي[i] ، فإنتاج البقول (الملفوف والشمندر والجزر والموز والتمر...) يؤمن التوازن الغذائي للمقيمين. أما التنظيم الزراعي القائم على استخدام عقلاني للماء فانه يسمح بإنتاج غذائي وفير. ومنذ القرن الرابع عشر يؤمن مخطط الري العربي الأصل توزيعا عادلا للماء عبر "الغادو" أو الساعات الرملية المائية.

فالمياه تصل مجانا إلى جميع قطع الأرض المزروعة بفضل شبكة ري متقنة كما ترفع النزاعات الخاصة بالري إلى محكمة شعبية ذات سيادة تؤمن التوازن الاجتماعي للسكان المكتفين على المستوى الغذائي. فللجميع مواقعهم داخل هذا التنظيم الذي يؤمن للجماعة وسائل إعادة إنتاج نفسها.

لكن هذا التوازن الاقتصادي والاجتماعي الهش والقائم على المنطق العملي تعرض للاهتزاز في مطلع التسعينات عندما سعت الحكومة التونسية إلى الانفتاح المتسارع على السياحة الدولية. فتم تمويل إنشاء مطار دولي في توزور لتخفيف الضغط عن الشاطيء البحري المتميز بكثافته السكانية. كما ظهرت دزينة من الفنادق الرفيعة الطراز (4 أو 5 نجوم) لاستجلاب السياح من العالم اجمع في رحلات منظمة تلحظ كل شيء حتى الاحتفال البربري ليلا مع وجود موسيقيين على الطراز الفولكلوري ورحلة هجانة لبضع ساعات على ظهور الإبل بالإضافة إلى ارتداء الثياب البدوية انسجاما مع طقوس الصحراء.

يساهم الزوار المنقطعون عن الاتصال بالسكان المحليين بهذا التمييز السياحي حيث يخلقون عالما منفصماً لا يتفاهم مع العالم الآخر ولا يشاطره الاهتمامات وإذا اتصل به فبدوافع تجارية بحتة. والسياح المصنفون رسميا في خانة الاستهلاك والعلاقات الاجتماعية النابعة منه يسرفون في استخدام الماء. وقد تم حفر الآبار لري الحدائق والمساحات الخضراء, كما تؤمن إمدادات مياه الشفة حاجات السياح في محمياتهم. في المختصر "إن السفر من دون الالتقاء بالآخر هو مجرد انتقال"[ii] . يحمل معه تصوره للعالم ويرجع وفي جعبته الأفكار نفسها معززة بالتجربة كونه لم يكتسب شيئا من احتكاكه بثقافة الشعوب الأصلية.

يدفع هذا الوضع بالمزارعين في واحة النخيل إلى منافسة الفنادق على الماء. وقد تراجع وضع هؤلاء المزارعين أيضا بسبب ضعف الأمطار وارتفاع المعدل السنوي للحرارة. فالمياه التي كانت توزع تاريخيا بالعدل والمنطق مما اكسب الواحة شهرتها وثروتها، تحولت إلى سلعة كغيرها، "من يدفع ثمنها يحصل عليها". أدى الاتجار بالمياه إلى شحها وتحولت كلفة بعد آن كانت مورداً (150 يورو سنويا لري الهكتار الواحد أسبوعياً) مما دفع بالعديد من المزارعين إلى الإفلاس.

شيئا فشيئا غادر العمال حقول الواحة من اجل العمل في السياحة لينتقلوا من الاندماج في البيئة الطبيعية إلى الارتباط بالمنطق الاقتصادي، من الـ homositus إلى الـ homoéconomicus ، ليديروا ظهورهم لقرون عدة من نمط حياة متصل فوق أرضهم.

سيكون لذلك تأثير بالطبع على حياة الأشخاص الأكثر عطباً أي الشباب. فالبعض سيجدون وظائف ثابتة في الفنادق ووكالات السفر بينما الغالبية غير المستقرة في وظائفها تمثل مخزونا خاضعا للعرض والطلب السياحي. لكن هذا القطاع يعاني الأزمة الناتجة من اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001. وها هم الشباب في الواحة يمضون الوقت في انتظار السياح ويتأففون من غيابهم مثل أي صاحب متجر. هكذا ومع ارتفاع نسبة البطالة إلى 40 في المئة تكون المنطقة بأكملها قد ارتهنت اليوم للطلب الخارجي.

على الصعيد الغذائي أولاً تصل الخضر يوم الأحد إلى السوق من خارج المدينة وهي ترد من مناطق عالية الإنتاجية في السهول حيث انعدم التوازن البيئي والاجتماعي وبقيت كلفة الإنتاج أدنى منها في واحة النخيل. فاحتساب الكلفة وفلسفة الربح فرضت نفسها مكان القدرة على التنظيم الذاتي لشعب الواحة[iii] . فالنزعة الاقتصادوية المحمومة زعزعت التوازن الهش للمنطقة.

ثمة تبعية مالية أيضا، إذ أن الاقتصاد السياحي تحول المصدر الوحيد للمداخيل إزاء النقص في السيولة. لكن المعروف أن النشاط السياحي مرهون في دوره للظروف الدولية. إن ميتولوجيا الصحراء منتشرة في الواقع بسبب الدعاية الإعلامية لكن الأسعار المتدنية التي تعرضها مكاتب السياحة لم تفلح في الآونة الأخيرة في جذب الزوار بفعل اعتداءات نيويورك وواشنطن والنزاعات الدائرة في الشرق الأوسط.   

التبعية الأخيرة ثقافية في مواجهة النموذج الغربي الذي يولد من خلال الجذب السياحي حاجات لا يمكن الإنتاج المحلي تلبيتها. ويلاحق الشبان على شكل قافلة دعائية مجموعات السياح في دوراتهم المنظمة وهم مستعدون لأي شيء يطلب منهم مقابل الحصول على أي غرض استهلاكي أو على عنوان ما... وتلك هي العناصر الأولى لتكوين معين لأوهام الهجرة التي تتحول الأمل الوحيد للتنفيس عن حرمان هؤلاء الشباب[iv] . وتحجب هذه العلاقات العابرة نوعية الضيافة التقليدية. 

أحمد، الكاتب العمومي في المدينة يشهد على ذلك: "لسنوات خلت كان الشباب يوافقون على بذل جهود لاحترام التقاليد... لكن هذه الشبيبة تصيبنا اليوم باليأس فهي لا تريد العمل في ارض أجدادها مفضلة الانجراف في الفساد وراء الاحتكاك بالسياح. إنهم يبحثون عن المال وليس عن الصداقة وهما أمران مختلفان... على المسلم استضافة الأجنبي ومشاركته بأفضل ما لديه". ألا تحاول أن ترشدهم إلى قيم الشعب التونسي؟ "طبعا، لكنهم منبهرون بالعالم الغربي...".

في مطلق الأحوال، سارعت الأقلية المالكة والرأسمال السياحي في الشمال إلى وضع اليد على هذه العائدات السياحية على حساب السكان المحليين. والأسوأ أن السياحة تصبح الحل الوحيد المفترض لما يسمى تطوير المنطقة. هنا أيضا تتضح السيطرة على العقول ومحورها يبقى وهم التنمية والغرب.

يقول بشير، الجالس على مقعد ينتظر السياح: "منذ بضع سنوات كنت اعمل إلى جانب والدي في الواحة لكن العمل كان شاقا ولم نكن ننجح بالرغم من كل جهودنا في الحصول على المال اللازم للعائلة. لا مكان للزراعة هنا مع وصول السياح. نفضل العمل معهم ولا نريد العودة إلى عمل أجدادنا". وإذا لم يحضر السياح؟ "إذا لم يأتوا؟ .. ننتظر قدومهم... لا بد أن تتحسن الأحوال!".

يترجم هذا التلوث الجسدي والأخلاقي بتراجع الواحة لصالح الصحراء، فاليوم ربع الأراضي مزروع فقط والعديد من أشجار النخيل يموت بسبب النقص في الري والعناية. كما أن الواحة تحولت مكباً لزجاجات المياه المعدنية المصنوعة من المواد البلاستيكية والتي تمثل ما يخلفه التلوث السياحي وراءه من بقايا تافهة.

إضافة إلى ذلك كله يتعرض جوار الواحة إلى التشويه بسبب ورشة ضخمة بدأت العام الماضي من اجل بناء ملعب للغولف وسط الصحراء. كيف سيتم إنبات العشب وسط حرارة تصل إلى 50 درجة طوال نصف السنة على الأقل؟ إنه التحدي الذي تواجهه هذه الورشة التي تراهن على استخدام المياه الجوفية لهذا الغرض ولذا يمكن توقع الأسوأ...

هكذا استسلمت منطقة مكتفية غذائيا وفخورة بثقافتها وهويتها أمام أقلية عهدت إليها بتنظيم حاضرها ومستقبلها. فالمشاريع التنموية تتجاهل التقاليد من اجل فرض صناعة فندقية وسياحية في خدمة الغربيين وأقلية من المالكين سيكون بمقدورهم ممارسة هواية الغولف تحت أشجار النخيل[v] [5] ... ملذات منحرفة وسخيفة تضرب التوازن البيئي والاجتماعي الهش للسكان المحليين.

في انتظار السياح وبالرغم من تعاليم الإسلام يتعاطى قسم من الأهالي الكحول لكي ينسوا كيف باعوا نفوسهم وواحتهم. ففي واحة النخيل هذه يجتمع مدمنو الشراب بعيدا عن الأنظار الفاضحة وتحت ظلال الأشجار الطرية ليحتفلوا ربما ولو رمزيا بما كان مفخرة شعب المنطقة ومن ثم خيبتها[vi] .


(*) أستاذ العلوم في المجلس الاقتصادي والاجتماعي في مدينة مونبلييه الفرنسية
* هذا المقال نشر في العدد بتاريخ من "لوموند ديبلوكاتيك"


[i] Hassan Zaoual, Territoires et dynamiques économiques, L’Harmattan, Paris, 1998
[ii]
Roger Brunet, in Le territoire dans les turbulences, Belin, Paris, 1999 
 
جملة منسوبة إلى المسافرة الفرنسية الشهيرة في القرن العشرين الكسندرا دافيد نيل[iii]
راجع المداخلات في مؤتمر التنمية المناطقية المنعقد في مرسيليا في 5/10/2000 تحت عنوان[iv] “Autoproduction et développement social ”  وخصوصاً مداخلة غي روستان “Reconnaître l’importance de l’autoproduction”
[v] Pierre Vermeren, “ les Marocains rêvent d’Europe ”, Le Monde diplomatique, juin 2002.
[vi] Samir Amin, Au-delà du capitalisme sénile, PUF, Paris, 2002.   

© Aqlamonline 2004