مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

شبح أسلحة الدمار الشامل
 وتطور الأوضاع الدولية من الحرب العالمية الثانية إلى الآن

 

   

شبح أسلحة الدمار الشامل

في هذا العدد أيضا

    أي أمن تحتاجه تونس؟

حوار مع مهدي مبروك

   

شبح أسلحة الدمار الشامل

النخبة التونسية ومشروع ش أ ك

   

 

منتدى أقلام


 

بقلم أحمد السميعي (*)

لا شك أن أسلحة الدمار الشامل المنتشرة في مختلف أنحاء الكرة الأرضية تعتبر من أكبر المخاطر، التي تهدد حياة الإنسان وباقي الكائنات الحية بشكل عام على كوكب الأرض. وقد أفزع، في الماضي، تفجير أول قنبلة نووية فوق المدينة اليابانية هيروشيما، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كل شعوب الأرض لهول الدمار الذي أحدثه آنذاك، والذي ما زالت آثاره باقية إلى الآن، بعد مضي قرابة الستين سنة.

ثم جاءت التفجيرات التجريبية التي قامت بها الولايات المتحدة بعد الحرب مباشرة، واستدعت عنوة عددا من الصحافيين والدبلوماسيين من كل بلدان العالم لمشاهدتها، لتزيد من درجة هذا الذعر.

ولما فشلت المحاولات الأولى في محاصرة هذا السلاح الفتاك، والحد من انتشاره، أصبح السباق المحموم نحو التسلح النووي بين الشرق والغرب يمثل كابوسا خانقا، بالنسبة للبشرية جمعاء. وقد أدى هذا الوضع إلى استنفار الكثير من العلماء والمفكرين وحتى الزعماء السياسيين والقادة العسكريين، الذين تحركوا على مستوى عالمي لتحذير البشرية من مخاطر اندلاع حرب نووية، وللبحث عن السبل التي تؤدي إلى تجنبها.

وقد وصل الأمر بالنسبة للعالم والمفكر الانجليزي برتراند روسل إلى التحذير من إمكانية هلاك الجنس البشري بكامله، إذا ما اندلعت حرب نووية بين الفرقاء. وكان قد أصدر كتيبا في نهاية الستينات من القرن الماضي، يحمل عنوان "هل للإنسان مستقبل؟" يشرح فيه مخاطر الحرب النووية، ويقترح فيه بعض الحلول لإنقاذ الجنس البشري من الفناء. وبات موضوع السلاح النووي يشغل بال البشرية جمعاء، ويلقي بظلاله على كل العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى اليوم.

نظرة موجزة لقصة السلاح النووي في بداياته

إننا لا نبالغ إذا قلنا أن قضية السلاح النووي هي أول قضية اختلط فيها البحث العلمي بشكل كامل بالسياسة وبالإعداد للحرب، وتورط فيها بعض العلماء، الذين كانوا يسعون من وراء أبحاثهم إلى تحقيق أهداف شريرة )وهي صنع القنبلة النووية واستعمالها في الحرب التي كانت قائمة آنذاك(. ومن ذلك الوقت إلى الآن فقد العلم الكثير من صفاته الإنسانية النبيلة، وأصبح كثير من العلماء مورطين في الأعمال الشريرة المتمثلة في البحث عن صناعة الأسلحة الفتاكة المعدة للقتل الجماعي والتدمير الشامل.

لقد أرادت الصدف أن يقع اكتشاف الانشطار النووي، وإمكانية التسلسل المتسارع لهذا الانشطار )وهو الأساس في صنع القنبلة النووية( في نفس الفترة، التي بدأت فيها أجواء الحرب العالمية الثانية تخيم على أوروبا.

وكان العلماء اليهود قد بدؤوا يتدفقون باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية قادمين من ألمانيا ومن البلدان الأوروبية المجاورة منذ أن صعد هتلر إلى سدة الحكم في ألمانيا، وبدأ يعلن عن نواياه التوسعية. وكانت مؤسسة روكفلر وروايال سوسيتي وبعض أغنياء اليهود قد تكفلوا بتمويل عمليات الهجرة.

وقد تجمع في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب ما يناهز المائة عالم يهودي من كل الاختصاصات، وكانوا قد عملوا في مختلف المخابر الأوروبية )برلين- كوبنهاغن- باريس- روما- كمبريدج...(

وبتاريخ 02 أوت 1939 أي قبل شهر من اندلاع الحرب وجه "ليو زيلر" عالم الذرة اليهودي من أصل مجري، والحاصل على الجنسية الأمريكية رسالة للرئيس الأمريكي"روزفلت" يشجعه فيها على صنع القنبلة النووية التي »تستطيع تدمير ميناء بكامله« كما تستطيع »دك كل الأراضي المجاورة«. وتوضح الرسالة أن البحوث التي أنجزها العلماء في المخابر الفرنسية تعتبر متقدمة في هذا المجال. كما تحمل الرسالة، التي قدمها للرئيس أحد مقربيه المتواطئ مع زيلر، نصيحة بالسعي إلى إبرام اتفاق مع شركة المعادن البلجيكية العاملة في إقليم كاتنقا )في الكونغو( من أجل الحصول على كميات هامة من اليورانيوم )المادة الأساسية لصنع القنبلة النووية(، وذلك تحسبا لما قد يقدم عليه هتلر من غزو لبلجيكا التي كانت الكونغو إحدى مستعمراتها في ذلك الوقت. وكان العالم اليهودي الشهير أينشتاين قد وقع هذه الرسالة لتدعيمها.

ومن أبرز العلماء اليهود الآخرين الذين عملوا بحماس شديد على صنع القنبلة النووية في الولايات المتحدة أثناء الحرب هم إدوارد تلر من أصل مجري وأحد أصدقاء زيلر)وهو الذي سيواصل أبحاثه بعد الحرب ثم يتوصل إلى صنع القنبلة الهدروجونية الأكثر فتكا من القنبلة النووية( و جون نيومان من أصل مجري أيضا وانريكو فرمي من أصل إيطالي.

ومن المثير للانتباه أن الشخص الذي كلفه الرئيس روزفلت بالإشراف على مشروع صنع القنبلة النووية والبرنامج النووي الأمريكي بكامله هو مهندس وعالم رياضيات يدعى " فنفار بوش" ولعله أحد أجداد الرئيس جورج بوش الحالي.

ومن أكبر المفارقات في هذا المجال أن العلماء الألمان الذين كانوا أول من اكتشف الانشطار النووي لم يفكروا البتة في وضع أبحاثهم العلمية على ذمة الجيش لاستخدامها في أغراض حربية، كما إن السلطة النازية لم تطلب منهم ذلك. ويبقى هذا الأمر من الألغاز المحيرة.

وبعد أن عمد الجيش الأمريكي إلى تفجير قنبلتين نوويتين فوق مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين بدافع الانتقام بدون مبرر عسكري، في الأيام الأخيرة من الحرب، ظهرت على الساحة الأمريكية واحدة من تلك المسرحيات السريالية، التي كثيرا ما نشاهدها في هذا البلد ويقع إخراجها على أنها إبداع من إبداعات الديمقراطية الأمريكية.

لقد بادرت مجموعة من العلماء الأمريكان إلى نشر وثيقة تحمل عنوان "عالم موحد أو العدم" تبرز فيها القدرة التدميرية الهائلة للسلاح النووي، وتحذر من المخاطر الجسيمة، التي تمثلها حرب نووية قد تقوم في المستقبل، وتدعو إلى توحيد كل البشرية تحت سلطة واحدة، لتجنب الكارثة. وقد أثارت هذه الوثيقة ضجة إعلامية كبيرة في الولايات المتحدة وفي العالم، وولدت شعورا بالخوف لدى كل الشعوب. ثم بادر الكونغرس بعد ذلك بتكوين لجنة عهدت إليها مهمة النظر في إعداد تشريع خاص بموضوع الطاقة النووية. وقد عقدت هذه اللجنة عدة لقاءات مع علماء لعبوا دورا بارزا في البرنامج النووي الأمريكي وفي صنع القنبلة النووية لتلقي عليهم بعض الأسئلة وتتلقى منهم شهادات بخصوص هذا الموضوع. وتواصلت هذه الجلسات على امتداد ستة أشهر )من نوفمبر 1945 إلى أبريل 1964(. وكانت معظم الجلسات علنية.

وقد برز في هذه الجلسات العالم "ليو زيلر" الذي بعث قبل بداية الحرب برسالة إلى الرئيس الأمريكي روزفلت ينصحه فيها بصنع القنبلة النووية وهو الآن يعلن معارضته لاستعمال هذه القنابل الفتاكة، كما يعلن رفضه للمحافظة على سرية نتائج الأبحاث في الميدان النووي، وهو الذي كان في السابق قد اتصل بكل العلماء في أمريكا وفرنسا وإنجلترا ليلح عليهم بعدم نشر نتيجة أبحاثهم، حتى تبقى سرية ولا يعرفها العدو.

وانتهت المسرحية بتبني الكونغرس في حزيران (جوان) 1946 لقانون يضع مهمة الإشراف على البرنامج النووي الأمريكي بين يدي لجنة تتكون من خمسة مدنيين. ووقع تقديم هذا القانون على أنه يمثل انتصارا للعلماء على المؤسسة العسكرية، التي كانت تريد الإشراف المباشر على برنامج الطاقة النووية. لكن هذا القانون لم يسمح في الواقع برفع السرية إلا على بعض الجوانب النظرية من الأبحاث وفرض السرية التامة على كل الجوانب ذات الصبغة التقنية والصناعية. واشترط لرفع هذه السرية إرساء نظام مراقبة دولية قوية على كل الأنشطة المرتبطة بالطاقة النووية في كل بلدان العالم.

وبمناسبة انعقاد أول جلسة عامة لمنظمة الأمم المتحدة بلندن في يناير (جانفي) 1946 تم إنشاء "لجنة الطاقة النووية" التي ستتكفل بالنظر في كيفية إرساء نظام مراقبة دولية ناجعة تمنع انتشار السلاح النووي في العالم.

وقد عقدت هذه اللجنة اجتماعات عديدة على امتداد سنتين تقريبا )من حزيران - جوان 1946 إلى مايو 194 ( وانتهت بالفشل، لأن الاتحاد السوفيتي كان يريد إبرام اتفاقية دولية تحرم صنع واستعمال الأسلحة النووية، عوض إرساء نظام مراقبة دولية. والواقع أن هذا الفشل كان ناتجا عن انعدام الثقة المتبادل بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وفتح الباب أمام الحرب الباردة بين الطرفين.

وكان من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تمثل أكبر قوة اقتصادية في العالم، كانت تسعى في نفس الوقت إلى تولي قيادة البشرية بكاملها، مستغلة تفردها بامتلاك القنبلة النووية، ومعتمدة على إثارة خوف الشعوب من انتشار هذا السلاح الفتاك بين دول مختلفة. ولم يكن اقتراحها الداعي إلى إرساء نظام مراقبة دولية إلا مدخلا لتحقيق هذا المشروع.

وإني إذ أذكّر بكل هذه الأمور فلإبراز الشبه الكبير بين الوضع العالمي آنذاك، حيث كانت الولايات المتحدة تتفرد بامتلاك السلاح النووي، وقد حاولت استغلال هذا التفرد للسيطرة على العالم، والوضع الحالي حيث تتفرد الولايات المتحدة بامتلاك أقوى ترسانة من أسلحة الدمار الشامل، وهي تسعى كذلك للسيطرة على العالم مستغلة هذا التفرد. والولايات المتحدة لم تتخل في الواقع ومنذ تأسيسها عن طموحها إلى قيادة العالم بأسره، من خلال السيطرة الاقتصادية والعسكرية في نفس الوقت، معتبرة أنها تمثل أرقى المجتمعات البشرية.

كما أرد ت إبراز التداخل القوي وفي أعلى مستوى بين اللوبي اليهودي والإدارة الأمريكية، الذي كان سائدا آنذاك كما هو الحال الآن. وهذه أيضا من الحقائق الثابتة والمعروفة في الولايات المتحدة الأمريكية. وأردت كذلك من خلال هذا التذكير إبراز الأساليب المسرحية، التي تعتمدها الإدارة الأمريكية في الدعاية والتضليل وامتصاص الغضب، والتي دخلت في تقاليدها الراسخة.

من تفجير أول قنبلة هدروجينية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي

لقد وقع تفجير أول قنبلة هدروجينية في جزيرة بيكيني في المحيط الهادي في شهر مارس من سنة 1954. وقد تجاوز مفعول هذا الانفجار كل توقعات العلماء والفنيين الأمريكان، الذين أعدوا العدة لذلك. فمفعول القنبلة الهدروجينية يساوي آلاف الأضعاف مفعول القنبلة النووية.

وقد أثار هذا التفجير موجة جديدة من الفزع أقوى من ذي قبل ودفع بالكثيرين من العلماء والمفكرين والفنانين وكذلك رجال السياسة والاقتصاد إلى التحرك بجدية لمواجهة المخاطر، التي تهدد البشرية، من جراء انتشار أسلحة الدمار الشامل. فتعددت النداءات المناهضة للحروب، والمطالبة بالتخلي عن السلاح النووي، وعقدت عدة مؤتمرات جمعت الفلاسفة والعلماء ورجال السياسة والاقتصاد من الشرق والغرب، وحاولت تقديم اقتراحات عملية لوضع حد للسباق نحو التسلح.

وكانت الاقتراحات متنوعة ومتناقضة وتتمحور بشكل عام حول ضرورة التوقف عن إجراء التجارب النووية، وإرساء نظام مراقبة دولية على البرامج النووية، أو الإسراع بنزع أسلحة الدمار الشامل، وإمضاء معاهدة دولية تحرم صنع واستعمال هذه الأسلحة. وهناك من ذهب إلى المطالبة بتكوين حكومة عالمية كوسيلة لمنع قيام حرب نووية في المستقبل. وهناك من كان أقل طوباوية، وطالب بإمضاء معاهدة دولية تقضي بعدم اللجوء إلى الحرب كوسيلة لحل النزاعات بين الدول. وبعد سنوات طويلة من التردد والتشكيك كللت هذه المساعي بإمضاء الاتفاقية الدولية للحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل في 01/07/1968.

ورغم أن هذه الاتفاقية لم تكن إلزامية فقد وقعت عليها طواعية أغلبية الدول التي مازالت لم تمتلك السلاح النووي آنذاك. وقد فتحت هذه الاتفاقية الباب أمام إبرام اتفاقيات لاحقة مثل اتفاقية "سالت 1" في 26/05/1972، واتفاقية "سالت 2" في 17/06/1979. كما أرست تقاليد جديدة للحوار بين الشرق والغرب، شجعت الشعوب على المضي قدما في مناهضتها للحرب والسباق نحو التسلح، وكانت لها أهمية بالغة بالنسبة للحفاظ على السلم العالمي

لكن رونالد ريغن عندما دخل إلى البيت الأبيض سنة 1980 أعطى منحى جديدا للعلاقات الدولية يتسم بالتشدد وهدد باللجوء إلى استعمال السلاح النووي إذا لزم الأمر. وقد برز في عهده هنري كيسنغر وزير الخارجية السابق كمنظر للسياسة الأمريكية الجديدة، وقد تميز بمكره ودهائه. ويمكن القول إن معظم التوجهات الحالية للسياسة الدولية تعود إلى عهد ريغن وتحمل بصمات كيسنجر

فقد شهد عهده انطلاق أزمة المديونية في العالم، تبعها تشدد المؤسسات المالية العالمية، وبداية وضع ما سمي ببرامج الإصلاح الهيكلي، التي فرضت على الشعوب الضعيفة، وأدت إلى تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكانت هذه البرامج بمثابة المقدمة لما يسمى الآن بنظام العولمة.

وفي عهده وقع التخطيط للاستيلاء على نفط الخليج، من خلال دعاية مركزة وقع إطلاقها، توهم العالم بأن مآسي الشعوب الفقيرة والأزمة العالمية الاقتصادية والمالية إنما هي ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، الذي تسبب فيه بعض القادة العرب.

وفي عهده ارتفعت درجة التوتر الدولي إلى أقصاها بعد اجتياح لبنان من قبل إسرائيل وإخراج المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير من بيروت ومجزرة صبرة وشاتيلا، واحتلال الجنوب اللبناني، وكذلك بسبب الحرب المشتعلة بين إيران والعراق، وبسبب المقاومة البطولية التي واجه بها المجاهدون الأفغان قوات الاحتلال السوفيتي.

وقد أدى هذا التوتر العالمي إلى إثقال كاهل كل الدول، لما تستنزفه برامج التسلح من موارد. وقد أحس الاتحاد السوفيتي بالخصوص بهذا الثقل مما أدى بغورباتشوف إلى المطالبة سنة 1986 بتدمير كل أسلحة الدمار الشامل في العالم، على امتداد أربع سنوات. لكن مساعيه لخفض التوتر بين الشرق والغرب، ونزع فتيل الحرب، وسياسته الجديدة المبنية على نظرية البيريسترويكا، أدت في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي، وأعادت للولايات المتحدة الأمريكية حلمها الأبدي بالسيطرة على العالم.

أمر مذهل وحقائق ساطعة

إننا ورغم مرور خمسة عشر سنة على انهيار الاتحاد السوفيتي نكاد لا نصدق ما حدث عندما نتأمل في الأمر، ونتذكر أن أجيالا متعاقبة من البشر عاشت منذ حوالي قرن من الزمن على وقع الصراعات الإيديولوجية المتشنجة والعنيفة، في أغلب الأحيان بين الشيوعية والرأسمالية، ومرت بأزمات خطيرة وبمرحلة من الذعر دامت ما يزيد عن أربعة عقود، بسبب السباق المحموم نحو التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، على خلفية هذا الصراع الإيديولوجي، وبسبب انتشار كميات هائلة من أسلحة دمار شامل متنوعة تزداد خطورة من سنة إلي أخرى، ثم فجأة ينهار الاتحاد السوفيتي من تلقاء نفسه، وتتبخر مؤسساته السياسية والأمنية والعسكرية، التي كانت مهابة في كل أرجاء المعمورة، وتشل ترسانته النووية وكل أسلحته الفتاكة، التي كان يرهب بها البشرية جمعاء، ويفقد رموزه وأبطاله، الذين ألهموا الأدباء والشعراء في العالم كل بريقهم السابق، ويتحولون إلى رموز شريرة، وتسقط إيديولوجيته الثورية التي ألهبت حماس أجيال متعاقبة من الشباب، ويصبح بين عشية وضحاها وكأنه مجرد خرافة أو حكاية قادمة من زمن سحيق...

إن الأمر مذهل حقا. وإننا لنزداد ذهولا عندما نرى أن بعض الدول، التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي أو منضوية تحت حلف فرصوفيا، انضمت اليوم وبكل اعتزاز إلى الحلف الأطلسي، الذي كانت تعتبره بالأمس القريب عدوها الاستراتيجي. ولاشك أن هذا الذهول ناتج عن كوننا كنا على امتداد عدة عقود من الزمن ضحية دعاية وتضليل قويين من قبل النظام السوفيتي وأتباعه. وبما أن الواقع هو الواقع فإننا عندما نتأمل اليوم ما حدث يمكن أن نستنتج عدة حقائق لعل أهمها:

1- أن المكاسب المادية مهما عظمت لا يمكن أن تعوض الحرية والكرامة، ولا أن تطمس البعد الروحي للإنسان.

2- أن الاعتماد على القمع والإرهاب لا يمكن أن يؤسس مجتمعا متماسكا ومتضامنا إلا في الظاهر.

3- أن القوة العسكرية مهما عظمت لا يمكن أن تحقق أي نصر إذا كان القائمون عليها يفتقرون إلى مساندة حقيقية وحرة من قبل الشعوب.

الواقع الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي

بعد الانهيار المفاجئ للاتحاد السوفيتي والفوضى العامة، التي تبعت هذا الانهيار ساد الأوساط الغربية تخوف كبير من إمكانية تسرب بعض الأسلحة والمواد النووية إلى جهات معادية وغير معروفة. وكان لهذا الخوف ما يبرره، خاصة بعد صدور عدة تقارير صحفية واستخباراتية تتحدث عن وجود مثل هذا التسرب.

وهذا الأمر الخطير الذي كان وما زال يؤرق المسؤولين الغربيين بعد انهيار النظام السوفيتي، دفع بهؤلاء إلى الإسراع بالتدخل ومد يد العون للدول الجديدة الخارجة من هذا النظام، وخاصة تلك التي ظهرت فيها صراعات عرقية ومذهبية، مثل أرمينيا وأذربايدجان وجورجيا والفدرالية الروسية وبعض الدول الأخرى.

ومن أكثر تداعيات انهيار النظام السوفيتي خطورة هي تلك الصراعات العنيفة، والمواجهات المسلحة على خلفيات عرقية ودينية، التي ظهرت في منطقة البلقان، وأدت إلى تفكك جمهورية يوغسلافيا، والتي أفزعت أوروبا بكاملها. وقد تدخلت قوات الحلف الأطلسي لوقف المجازر التي كان يقوم بها الصرب ضد المسلمين في البوسنة ثم في كوسوفو.

وفي هذا الوضع الجديد تمكنت الولايات المتحدة ومنظمة الحلف الأطلسي من التدخل بحرية وبشيء من الاطمئنان في مناطق مختلفة من العالم بتعلات مختلفة. ففي حرب الخليج الثانية وقع التدخل باسم الدفاع عن الشرعية الدولية. وفي باناما وقع التدخل باسم الحرب على المخدرات. وفي تيمور الشرقية وقع التدخل باسم الدفاع عن حقوق الإنسان وحق تقرير المصير. وفي البوسنة وكوسوفو وقع التدخل باسم حماية حقوق الإنسان والحفاظ على الأمن في أوروبا.. وأصبح مجلس الأمن أداة طيعة بين يدي الولايات المتحدة تلجأ إليه في كل مرة لاستصدار قرار " أممي" يضفي على كل أعمالها "شرعية" شكلية.

وبقي العالم يعيش على امتداد عشرية كاملة حالة من الفوضى والانتظار تحت غطاء نظام عالمي جديد غير واضح وغير مفهوم، وقع اختزاله في شعار العولمة، تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت سيدة العالم، تفعل ما تريد، ولا يجرأ على معارضتها أحد.

لكن المشكلة الأساسية التي كانت مطروحة على الولايات المتحدة والحلف الأطلسي طوال هذه الفترة تتمثل في ضبط استراتيجية جديدة، تحدد العدو الجديد، بعد أن سقط العدو القديم، وسقطت معه تباعا الاستراتيجية القديمة. وإذا كانت النظرة ضبابية في البداية لفجائية الانقلاب الذي حصل في العالم، ولتزاحم الأحداث والأزمات، التي تلته، فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 في مدينة نيويورك يبدو وأنها قد حسمت الموقف: إن العدو الجديد للولايات المتحدة الأمريكية هو "الإرهاب الدولي". ورغم إجماع كل دول العالم على ضرورة الوقوف في وجه هذا العدو فإنه لم يقع الاتفاق حتى الآن على تحديد معنى الإرهاب، ولا على تعيين من هم الإرهابيون.

وفي هذا الوضع العالمي الذي يكتنفه الغموض والتردد وتتهدده الكثير من المخاطر انطلقت الولايات المتحدة الأمريكية في تنفيذ استراتيجيتها الجديدة بكل عنجهية وغرور. ففي البداية استعملت الضغط والابتزاز لجر كل دول العالم وراءها في حربها على أفغانستان، وذلك لإضفاء شرعية صورية على هذه الحرب. وفي الأخير تركت منظمة الأمم المتحدة جانبا، ورمت بكل القوانين الدولية عرض الحائط، وقامت بغزو العراق وتدميره، بتعلات ما فتئت تتبدل وتتضارب. وبعد تصاعد ضربات المقاومة الشعبية ضدها، وعجزها عن إحلال الأمن بالبلاد، هاهي الآن تسعى إلى إقحام منظمة الأمم المتحدة في الموضوع، وإلقاء المسؤولية على عاتق عملائها من العراقيين. ولا أحد يستطيع أن يتنبأ اليوم بما سيؤول إليه الوضع في المستقبل، ولا بتداعيات هذا الوضع على المستوى الإقليمي والدولي.

استراتيجية الحرب على الإرهاب بين الخداع والحقيقة

إذا كان العالم قد عاش تحت كابوس الخوف من إمكانية اندلاع حرب نووية لا تبقي ولا تذر، في ظل استراتيجية توازن الرعب بين الشرق والغرب، أيام الحرب الباردة، فهل زال هذا الكابوس في ظل الاستراتيجية الجديدة أم أنه ازداد حدة عما كان عليه من قبل؟

إن استراتيجية توازن الرعب كانت تعتمد في تنفيذها على هيئات مختصة تتكفل بإقامة حوار دائم بين الفرقاء وبضبط آليات للمراقبة المتبادلة، وهي مدروسة بشكل يجعل احتمال المفاجأة بالهجوم من أحد الطرفين قريب من الصفر.

أما استراتيجية الحرب على الإرهاب فيقع ضبطها وتنفيذها من جانب الدول وحدها، باعتبار أن العدو غير مرئي وغير معلوم. ولذلك تبقى المفاجأة بالهجوم هي السمة الأساسية لهذا العدو. وفي أحسن الحالات يقوم العدو لأسباب تكتيكية بالتحذير من الهجوم الوشيك ولكن بدون تحديد المكان والزمان بطبيعة الحال. وهذا ما يجعل الناس في كل أنحاء العالم في حالة قلق وتوجس دائمين، ويحرمهم من الإحساس بالراحة والاطمئنان. ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى الحفاظ على هذا الشعور بالخوف لدى كل الناس، حتى يتسنى لها تبرير مواصلة "الحرب على الإرهاب"، والسيطرة على العالم.

ونحن إذا كنا جادين في السعي إلى ضمان الأمن والسلم في العالم فإنه يتحتم علينا أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي: هل الإرهاب هو عدو حتمي مفروض على العالم ولا يمكن التخلص منه، أم إنه يكون نتيجة حتمية لسياسات بعض الدول ويمكن أن يزول بتغيير هذه السياسات؟

وللإجابة عن هذا السؤال علينا أن نتذكر ما آلت إليه بعض "التجارب الإرهابية" السابقة. فحركات المقاومة المسلحة ضد الاستعمار كانت توصف كلها بالإرهاب من قبل الدول الاستعمارية وحلفائها، ولكنها لما تمكنت من تحقيق النصر على المستعمر اعترف العالم كله وحتى المستعمر نفسه بأنها ليست كذلك، وحرص الجميع على إقامة شراكة معها لتحقيق السلم والأمن في العالم.

فهل الإرهابي يفقد صفته تلك عندما ينتصر!؟ وهناك سؤال ثان يجب طرحه: هل إن مواجهة الإرهاب بإرهاب أشد ستفضي إلى استتباب الأمن في العالم؟

إن المتابع لما حصل من تفجيرات إرهابية فظيعة وموزعة في أنحاء مختلفة من العالم بعد تفجيرات نيويورك سنة 2001 يدرك جيدا أن الطريق الذي جرت فيه الولايات المتحدة بقية دول العالم وراءها هو في الحقيقة نفق مظلم ومليء بالأهوال، ولا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق الأمن والسلام لأي شعب في العالم.

وإن مواصلة السير في هذا الطريق لا يمكن أن يؤدي إلا إلى المزيد من الدمار والخراب والمآسي. وللخروج من هذا النفق ليس أمامنا من سبيل سوى اعتماد الحكمة عند ضبط استراتيجية دولية تسعى إلى ضمان الأمن والحرية والسلام لكل الشعوب في المستقبل. والحكمة تقتضي التعقل والتواضع، والابتعاد عن التعصب، والتخلي عن مشاعر الاستعلاء والاستكبار.

إن من أكثر المواقف نفاقا، وقلبا للحقائق، واستفزازا للأحاسيس الإنسانية، هي تلك النعوت التي يطلقها الصهاينة والمتصهينون على الاستشهاديين، الذين صنعوا بأجسادهم قنابل متفجرة، ليضعوا حدا لحياتهم وحياة من حولهم. فعوض التأمل والتفكير والتساؤل عما يجعل الإنسان يصل إلي هذا الحد، يسارع البعض إلى ملاحقة هؤلاء، بعد أن قضوا بعبارات الإدانة والاستنكار بدافع التعصب والاستكبار والكراهية.

فكيف يمكن إدانة إنسان مقهور اغتصبت أرضه، ودمرت بيته، وقتل ذويه، وشرد وأهين، ثم نعته بالإرهابي عندما ينفجر، بينما ينعت الذي تسبب له في هذه المأساة بالمتحضر والإنساني!؟

أي عالم متحضر هذا الذي يتفرج كل يوم على قتل الفلسطينيين وتدمير بيوتهم وقلع أشجارهم وجرف أراضيهم دون أن يحرك ساكنا، وكأنه يتابع مسلسلا بوليسيا، ثم يسارع إلى إطلاق عبارات الاستنكار والإدانة ضد من استطاع، بعد عناء شديد أن يصل إلى مواقع مغتصبي إنسانيته وكرامته ليفجر نفسه بينهم!؟

أي مصداقية يمكن إضفاؤها على زعماء العالم الذين يتابعون دون أن يحركوا ساكنا وضعية الرئيس الفلسطيني المحاصر في بيته من قبل الجيش الصهيوني منذ ثلاث سنوات، وهو الآن يتهم بالإرهاب وبقتل اليهود ويهدد بالقتل علانية أمام مسمع ومرأى الجميع، بينما الحكومة الإسرائيلية التي تقتل وتدمر وتمارس إرهاب الدولة تحظى بالدعم والتأييد!؟

أي دولة هذه التي غرسها الاستعمار الغربي في منطقة الشرق الأوسط، وهو الآن يواصل دعمها وتأييدها، وهي قائمة على التعصب والعنصرية، ولم يتورع قادتها من قتل شيخ مقعد بدافع الحقد والكراهية!؟

إنه محتوم علينا أن نعترف بالحقيقة وأن لا نغالط أنفسنا إذا كنا نريد ضمان مستقبل سعيد للأجيال القادمة. إن الذين يسميهم البعض بالإرهابيين ليسوا مجانينا ولا هم أشرارا، ولربما يكون عكس ذلك هو الصحيح. لكن درجة الظلم الذي يسلط على المرء، وعمق إحساسه بالقهر، نتيجة هذا الظلم، هو الذي يحدد ردود أفعاله، وكل ما يمكن أن يقوم به من أعمال بدافع الانتقام. إن فظاعة الأعمال الإرهابية تكون متناسبة دائما مع فظاعة الظلم المسلط على الإنسان، وإن التخلص من الإرهاب لا يتم إلا بالتخلص من الظلم والفساد.

صحيح أنه يمكن أن تتشكل مجموعات من الأشرار وتستعمل السلاح للقيام بعمليات سطو وسرقة وغير ذلك من الأعمال الإجرامية. لكن مثل هذه الجماعات الموجودة في أماكن عديدة من العالم، ومنذ القدم، لم تقم حولها ضجة إعلامية إلا نادرا، ولم تعتبر مقاومتها من الأولويات في سياسة أي دولة، ولم تتجمع الدول لتتبنى استراتيجية دولية لمحاربتها، بل العكس هو الذي يحدث في كثير من الأحيان. فمثلا لما تحرك بعض القضاة في إيطاليا وفرنسا في بداية التسعينات لمحاربة المافيا سرعان ما تدخلت أطراف ذات نفوذ في السلطة وفي عالم المال والسياسة لتغرق هذه المحاولات في كثير من الأوحال وتجهضها.

إن كل الدول المبنية على الظلم والفساد تحتاج إلى إرهابيين حقيقيين لتسيير أعمالها. ولا تطلق هذه الدول صفة الإرهاب إلا على الذين يثورون ضدها، بسبب الفساد والظلم والاستبداد. والواقع يبين أن كل الذين يصرخون ليل نهار: يا للإرهاب! يا للإرهاب! ويجعلون من شعار مقاومة الإرهاب مبررا لكل أعمالهم وتحركاتهم، إنما هم الإرهابيون الحقيقيون. والأمثلة حولنا كثيرة. ولعل حكام إسرائيل أقوى هذه الأمثلة.

أما الأنظمة العربية والإسلامية، التي تطالب في الظاهر بضرورة التفريق بين الإرهاب والمقاومة، فهي تفعل ذلك بهدف التضليل والمغالطة، حتى توهم الناس بأنها تناصر الحركات، التي تقاوم الاحتلال، ولتمرر ملاحقتها للحركات التي تعارضها بحجة أنها حركات إرهابية.

وإن الحقيقة الساطعة التي يجب على كل العقلاء في العالم أن يهتفوا بها عاليا هي أن مسؤولية ما يتعرض له عالمنا من دمار، وما يهدده من مخاطر، تعود إلى الدوائر الماسكة بدواليب السلطة في الدول العظمى المسيطرة بالفعل على العالم، والتي بيدها كل الحلول لكل المشاكل المطروحة. وإن محاولة تحميل هذه المسؤولية لثقافة بعض الشعوب أو للدين الإسلامي أو لبعض الجماعات المسلحة، التي دفعها الظلم والقهر إلى الثورة وحمل السلاح، إنما هو قلب للحقائق وكذب ونفاق وبهتان. إن بناء علاقات دولية على أساس الحوار والتعاون والاحترام المتبادل بين كل الثقافات والأديان والمعتقدات هو وحده الكفيل بإحلال الأمن والسلم، وإبعاد شبح الحروب. وإن الاعتقاد بأن القوة يمكن أن تكون وسيلة لقهر الشعوب وإخضاعها هو اعتقاد واهم. وقد أثبت التاريخ الحديث والقديم هذه الحقيقة.

 

التحديات الحقيقية التي تواجه الإنسانية في المستقبل

إن تركيز كل الحكام في العالم على شعار "مكافحة الإرهاب" بدون تحديد واضح لمعنى الإرهاب وترك المجال مفتوحا ليفسره كل على هواه يجعل هذا الشعار يفقد مصداقيته تماما. ولكن يجب أن لا يحجب عنا هذا الشعار الغامض والمليء بالمغالطات التحديات الحقيقية التي تواجه البشرية في المستقبل.

فلا شك أن أسلحة الدمار الشامل تبقى أخطر التحديات في عالم مليء بمظاهر الظلم والفساد ويسوده التوتر الشديد نتيجة الصراعات العرقية والإيديولوجية والدينية والمذهبية.

لكنه يبدو من المعقول أن نسلم بأن احتمال وقوع حرب نووية بين القوى العظمى في المستقبل أصبح اليوم غير وارد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي على الأقل على الأمد القصير والمتوسط. وان سكوت روسيا أمام توسع الحلف الأطلسي ليشمل معظم الدول التي كانت منضوية تحت حلف فرصوفيا والبعض من تلك التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي يدل على أنها مقتنعة بهذا الأمر. كما انه يمكن الوصول إلى نفس الاستنتاج بالنسبة للصين الشعبية التي لم تعبر عن قلقها من توسع الحلف الأطلسي وأعربت عن استعدادها للتعاون مع الغرب لإيجاد حل لقضية السلاح النووي لكوريا الشمالية وذلك رغم تمسكها بالنظام الشيوعي ورغم التوتر الحاصل في علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص تاي- وان. فالإيديولوجية الشيوعية لن تكون قادرة في المستقبل على الهاب المشاعر من جديد ولن تصمد طويلا أمام رياح الحرية القادمة من كل الاتجاهات.

إن أسلحة الدمار الشامل التي تحمل قدرا كبيرا من "الذكاء" والتي تقع تحت سيطرة القوى العظمى )المتحضرة(أصبحت لا تمثل خطرا على السلم العالمي حسب اعتقادهم ما داموا متحالفين في الحرب على الإرهاب.أما أسلحة الدمار الشامل "القذرة" التي تقع تحت سيطرة حكومات غير صديقة من العالم الثالث)الغير متحضر( أو بيد "إرهابيين" فهي تشكل عندهم تحديا خطيرا لمستقبل الشعوب المتحضرة ولا بد من مجابهة هذا التحدي.

وعندما نلاحظ التركيز القوي على قضية التفتيش عن الأسلحة النووية في بلدان العالم الثالث مثل العراق وسوريا وإيران وكوريا الشمالية وغيرها ثم نسمع عن محاولات هنا وهناك لإدخال بعض هذه الدول تحت غطاء الحلف الأطلسي وبناء قواعد عسكرية فوق أراضيها ندرك أن هذا الحلف يسعى إلى السيطرة على العالم ويعمل على أن لا تكون هناك أسلحة دمار شامل خارج سيطرته.

إن التطور الذي تشهده منظمة الحلف الأطلسي يبدو وكأنها تسير في اتجاه تكوين قوة دولية ضاربة قادرة على السيطرة على العالم بأسره. وان صمت روسيا والصين يدل على قبولهما بهذا الأمر. ولما نسمع المسؤولين الروس يباركون توسع الحلف ويطالبون بالتعاون معه لمكافحة الإرهاب فلا نستبعد أن تنظم روسيا إلى هذا الحلف في المستقبل. ولربما ستفعل الهند نفس الشيء أو حتى الصين فيما بعد عندما تصبح "ديمقراطية" ويتحقق آنذاك الحلم الكبير بقيادة العالم الذي طالما راود الولايات المتحدة.

ويبقى السلاح النووي الباكستاني هو الوحيد الذي يمثل تحديا أمام الحلف الأطلسي في الوقت الحاضر وذلك لسبب بسيط هو أن الباكستان بلد مسلم ولا يمكن الاطمئنان إليه حتى في صورة تنصيب حكومات عميلة لتتولى تسييره. فكل الناس)مسلمون وغير مسلمين( يدركون تماما أن شعار الحرب على الإرهاب هو في الواقع عند أطراف كثيرة غطاء للحرب على الإسلام والمسلمين. ولا بد أن نتوقع من الحلف الأطلسي أن يركز كل جهوده على محاولة القضاء على هذا التحدي أو الحد من خطورته إلى أقصى حد ممكن. وهذا ما ظهر منذ احتلال أفغانستان حيث وقع تدمير معنويات المؤسسة العسكرية الباكستانية - ومن ورائها معنويات الشعب الباكستاني- وذلك عندما فرض عليها عن طريق التهديد والابتزاز تغيير سياستها السابقة والتخلي عن حركة طالبان وتنظيم القاعدة بل والقبض على عناصرها وتسليمهم للقوات الأمريكية. وبعد إعلان ليبيا عن تخليها عن برامجها الخاصة بصنع الأسلحة النووية ووضع منشئاتها النووية تحت مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ظهرت حملة إعلامية قوية تتهم الباكستان بتسريب معلومات نووية لدول أخرى في العالم. وقد انتهت الحملة بتسليط شيء من الإهانة على العالم عبد القادر خان أب البرنامج النووي الباكستاني وذلك عندما وقع إجباره على الاعتراف بمسئوليته عن هذا التسرب وعلى تقديم الاعتذار أمام الشعب الباكستاني ليحصل بعد ذلك على عفو من الرئيس برويز مشرف. كما أن تدخل الجيش الباكستاني في منطقة القبائل تحت الضغوط الأمريكية تعتبر محاولة خبيثة لإغراق الباكستان في فتنة داخلية تشل مؤسسته العسكرية وتهمش دوره على المستوى الإقليمي والدولي.

وان التحدي الخطير الذي يواجهه اليوم كل المسلمين في العالم هو أنه يراد لهم أن تدمر معنوياتهم وأن تلصق بهم تهمة الإرهاب وأن ينعتوا بالتخلف وأن يرمى دينهم الحنيف بالظلامية وأن يعد كتابهم المقدس نصا قديما يجب مراجعته وتعديله. وان ما يزيد في خطورة هذا التحدي ويضفي عليه بعدا دراميا هو تواطؤ حكام المسلمين وبعض نخبهم مع أعداء الإسلام ورفع شعارات مخادعة تدعي الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان واعتمادها كذريعة لقمع الشعوب وحرمانها من التعبير عن ذاتها وتزييف هويتها.

وان من أهم الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها المافيات المتحكمة الآن في مصير العالم من وراء الحرب على الإسلام هي محاولة إسقاط كل القيم الأخلاقية والمبادئ السامية التي اهتدت إليها البشرية بعد معاناتها الطويلة وإرجاع الإنسان إلي حالته البدائية.

وقد بدأت تبرز للعيان في كل أنحاء الدنيا النتائج المدمرة لهذه المساعي مثل التفكك الأسري و تفاقم الجريمة المنظمة وتعاطي المخدرات واستغلال الأطفال والنساء في ممارسة الرذيلة على نطاق واسع والاتجار بالأعضاء البشرية وغيرها من مظاهر التفسخ الأخلاقي...

وهذه المظاهر تمثل تحديات خطيرة بالنسبة للمجتمع البشري بأسره وليس للمسلمين فقط.

وقد برزت في المدة الأخيرة فكرة "الشرق الأوسط الكبير" التي تهدف إلى إجبار الدول العربية والإسلامية على التطبيع مع الكيان الصهيوني والقضاء على الثورة الفلسطينية وتوريط المنطقة الممتدة من المغرب الأقصى إلى باكستان بكاملها في "الحرب على الإرهاب" والالتزام بمقتضيات هذه الحرب مثل تغيير مناهج التعليم في اتجاه التخلي عن تعاليم الإسلام إلى باقي الشعارات التي تدور حول هذا الموضوع. ويبدو أن ثلاثة أطراف معنية بهذا المشروع تتقاسم الأدوار فيما بينها لتنفيذه.

- الولايات المتحدة التي اقترحت المشروع.

- أوروبا التي اعترضت على المشروع الأمريكي وقدمت مشروعا بديلا لأنها تعتقد أن فتح الباب للحريات السياسية على مصراعيه سيأتي بحكومات إسلامية في أغلب البلدان العربية.

- والحكام العرب الذين اعترضوا على هذا المشروع "المفروض من الخارج" وتقدموا بمبادرات عربية ترفض الجانب الإيجابي في المشروع الأمريكي الذي يحث على الحريات السياسية وحرية الإعلام.

وكل هذه المشاريع والمبادرات والاقتراحات "المختلفة" تتفق كلها في الجوهر وهو ضرورة التطبيع مع إسرائيل وملاحقة "الإرهابيين" الذين يتمسكون بخيار المقاومة وإخراج الدين الإسلامي "المعادي للمرأة والمشجع على الإرهاب" من التعليم ومن التشريع، أي من حياة الناس. هذا هو لب الموضوع. أما قضية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فهي مجرد شعارات ولا أحد يتمسك بها من الأطراف الثلاثة. ولربما يأمل بعضهم أن تفرضها على المنطقة كلها قنابل ديمقراطية ذكية مثل ما حصل في العراق...

وكانت مختلف هذه المشاريع (أو قل المشروع المشترك الأمريكي - الأوروبي- العربي) ستعرض على قمة تونس ليقع تبنيها وتحقيق النصر لكل الأطراف على حساب الشعوب المكبلة. ولكن شاء القدر أن يحدث ما لم يكن في الحسبان. لقد وقع اغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين رحمه الله، ومن بعده الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. وأثار استشهادهما ردود فعل مستنكرة للجريمة البشعة في كل أنحاء الدنيا. ولم تتخلف عن استنكار الجريمة من كل دول العالم إلا الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تكتف بالصمت بل استعملت حق الفيتو لرفض قرار الأمم المتحدة القاضي بإدانة الجريمة. وخرجت الجماهير الفلسطينية في صفوف متراصة تشيع جثمان شهيديها ورمزي كفاحها وعزتها وتتوعد بالرد على هذه الجريمة. كما خرجت في معظم البلدان الإسلامية مسيرات ضخمة تندد بالجريمة النكراء وتعبر عن دعمها للمقاومة الفلسطينية. وازدادت اللحمة بين الفصائل الفلسطينية قوة وثباتا. وانطلقت من حناجر المجاهدين في بيروت وبغداد وفي كل مكان نداءات تدعو إلى رص الصفوف ومواجهة العدو الغاصب. لقد أراد الله أن يجعل من استشهاد الشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي منعرجا في تاريخ أمة الإسلام يضعها على طريق النصر. وفي هذه الأجواء تبخر أمل التحالف الثلاثي في تمرير مشروعه "للإصلاح".

دولة إسرائيل هي أخطر التحديات بالنسبة للمجتمع للبشري

إن كل إنسان سوي في هذا العالم يدرك جيدا أن المظلمة المسلطة على الشعب الفلسطيني هي من أكبر المظالم في هذا العصر ولا يمكن أن يتقبلها أي ضمير حي. وإن الكذب والنفاق والمغالطة وقلب الحقائق التي ساعدت في الماضي على تأسيس دولة إسرائيل لم تعد اليوم تنطلي على أحد بعد أن انكشفت كل الحقائق. والضمائر الحية في العالم تدرك كلها أن دولة إسرائيل تأسست على الإرهاب ومارست الإرهاب في أبشع مظاهره منذ تأسيسها إلى الآن.

وإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تأسست على خرافة تريد أن تقنع الناس )يهود وغير يهود( بأن فلسطين هي بلد كل اليهود في العالم، وأن أجدادهم قد سكنوا هذه الأرض. وتناست حقيقة الوجود الفعلي للشعب الفلسطيني على هذه الأرض منذ آلاف السنين.

والحركة الصهيونية أوقعت البشرية جمعاء في مأزق خطير لما أرادت تبرير قيام دولة إسرائيل على أساس شرعية تاريخية تعود إلى ما يزيد عن عشرين قرنا إلى الوراء )هذا إذا صدقنا هذا الادعاء التاريخي الذي تكذبه في الواقع دراسات تاريخية عديدة(. فماذا سيحدث في عالم اليوم لو أرادت كل شعوب الأرض أن تأسس دولا على أساس شرعيات تاريخية تعود بنا إلى آلاف أو حتى مئات السنين إلى الوراء؟

إن البشرية ستدرك لا محالة ولربما هي أدركت اليوم هذا المأزق. وليس من المستبعد أن تصبح دولة إسرائيل معزولة ومنبوذة من كل دول العالم، وهي الآن تسير في هذا الطريق بسبب الإيديولوجية العنصرية التي تأسست عليها، والشرعية التاريخية المزعومة والخطيرة، التي بررت بها هذا التأسيس، ولصلف مسؤوليها وجرائمهم المتكررة وممارساتهم اللاإنسانية.

ولا نستبعد أن تصبح الولايات المتحدة الأمريكية نفسها معادية لدولة إسرائيل في المستقبل. فالولايات المتحدة أسسها على جثث الهنود الحمر أناس جاؤوا من أوروبا، ولا تمتلك أي شرعية تاريخية في القارة الأمريكية، وإن منطق الشرعية التاريخية يزعجها ويتناقض مع طبيعتها. ولكن هل يسمح التداخل القوي بين الصهاينة وأصحاب القرار في البيت الأبيض بفك الارتباط بين الدولتين )وهما في الحقيقة دولة واحدة(؟

إن إسرائيل تمثل اليوم أكبر تحد يواجهه المجتمع البشري الذي بدأ يضيق بها ذرعا وهي حتما إلى زوال. وإنها ستزول بطبيعتها بمجرد تطبيق القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة مثل قرار العودة وحق تقرير المصير. إنه محكوم عليها إما أن تبقى خارج القانون وإما أن تزول. وهذه الوضعية لا يمكن أن تدوم إلى الأبد. وقد يدفع اليأس بعض حكام هذه الدولة المتعصبين إلى الإقدام على مغامرة قد تؤول إلى وضع حد لحياة الإنسان فوق هذه الأرض. وإن من أوكد المهام التي يجب أن تشغل بال البشرية إذا ما أرادت أن تبعد عنها شبح الفناء هي السعي إلى إجبار إسرائيل على التخلص من أسلحة الدمار الشامل التي في حوزتها.

خلاصة

إن الحلم الأمريكي بقيادة العالم لم تتوفر له حظوظ النجاح منذ الحرب العالمية الثانية مثل ما توفرت له اليوم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فلقد استغلت الولايات المتحدة الأمريكية قوتها العسكرية لتبسط نفوذها على العالم وتتدخل في شؤون كل الدول مستعملة منظمة الأمم المتحدة كغطاء لإضفاء شرعية شكلية على كل تصرفاتها. ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتدعم هذا التوجه. فبعد هذه الأحداث عمدت الولايات المتحدة إلى تكوين "تحالف دولي لمحاربة الإرهاب" ثم أجبرت كل بلدان العالم على تدعيم هذا التحالف. لكن انحيازها الكامل للكيان الصهيوني وتأييدها للجرائم التي يقترفها في حق الشعب الفلسطيني لم يمكن هذا التحالف من إحلال الأمن والسلم والاستقرار في العالم بل زاد في الطين بلة وأصبح العنف والقتل والتخريب هو المشهد الذي يلازم حياة الناس في كل مكان، ويخلق لديهم إحساسا بالخوف وبعدم الاطمئنان. وأصبحت الشعوب أكثر عداء للولايات المتحدة من ذي قبل. ثم جاء احتلال العراق بدون "غطاء شرعي" من طرف مجلس الأمن ليزيد من عزلة الولايات المتحدة في العالم، وليكشف بجلاء عن الطابع العدواني والخطير للتحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ودولة إسرائيل.

وأمام تصاعد المقاومة الشعبية الباسلة في فلسطين والعراق يبدو أن الحلم الأمريكي - الصهيوني بالسيطرة على العالم بدأ يدخل مرحلة اليأس. وعندما نتذكر الجرائم التي اقترفتها هاتان الدولتان )أو قل هذه "الدولة الثنائية"( في الماضي، ونرى ما تقوم به اليوم من تقتيل جماعي في فلسطين والعراق، فإن مخاطر بالغة تهدد البشرية تلوح أمامنا في الأفق.

وإننا إذ نفكر اليوم في وضع أسس متينة تضمن السلم والأمن والرفاهية لكل الشعوب في المستقبل فانه لا يسعنا إلا أن نصرخ عاليا في وجه كل حكومات العالم أن كفوا عن ترديد شعاراتكم السخيفة المتعلقة بالحرب على الإرهاب. أوقفوا هذه المغالطة الماكرة. غوصوا إلى أعماق الموضوع. اطرحوا المشاكل الحقيقية. فالقضاء على الإرهاب لا يتم إلا عن طريق القضاء على الظلم والفساد.

كما أنه يتعين علينا أن نتوجه لحكام المسلمين أن عودوا إلى ربكم وكفوا عن استبدادكم وصالحوا شعوبكم وأبدلوا شعار الحرب على الإرهاب بشعار الحرب على الظلم والقهر والفساد فسيكون لكم في العالم أنصار صادقون يتفهمون هذه العبارات ويتفاعلون معها.

ولتجنب الكارثة التي يدفعنا نحوها أقوياء العالم فلا بد أن نتوجه إلى كل الشعوب بأن تعقلوا. تخلصوا من هذا الهوس الجماعي الذي وضعتم أنفسكم فيه. الحكام هم الإرهابيون الحقيقيون فهبوا هبة واحدة للوقوف في وجههم وحاسبوهم على كل أعمالهم الإجرامية التي اقترفوها ويقترفونها في حق الإنسانية. كونوا لحمة واحدة. اعملوا على تأسيس مجتمع إنساني متضامن يعيد الاعتبار للقيم الإنسانية النبيلة ولمعنى الكرامة البشرية. اجعلوا من اختلاف آرائكم ومعتقداتكم وثقافاتكم وعاداتكم عنصر قوة وإثراء يرسخ معاني التسامح والحوار والقبول بالآخر.

كما لا يسعنا في الأخير إلا أن نتوجه لكل اليهود في العالم بأن لا مناص لكم من تحمل مسؤولياتكم. أنقذوا أنفسكم من المأزق الخطير الذي وضعتكم فيه دولة إسرائيل الماكرة. التحموا مع إخوانكم الفلسطينيين في جبهة واحدة لإسقاط الإيديولوجية الصهيونية العنصرية ولتحرير فلسطين والعالم من براثنها. اعملوا معا على جعل الأراضي المقدسة في فلسطين فضاء سلام وإخاء ومحبة يتعايش فيه كل المؤمنين لا أرض حروب ودموع ودماء ومخزنا لكل أنواع أسلحة الدمار الشامل التي تهدد البشرية كلها بالفناء.


(*) باحث وناشط حقوقي تونسي
 

© Aqlamonline 2004