|
بقلم أحمد السميعي (*)
لا
شك أن أسلحة الدمار الشامل المنتشرة في مختلف أنحاء الكرة الأرضية تعتبر من أكبر
المخاطر، التي تهدد حياة الإنسان وباقي الكائنات الحية بشكل عام على كوكب الأرض.
وقد أفزع، في الماضي، تفجير أول قنبلة نووية فوق المدينة اليابانية هيروشيما، في
أعقاب الحرب العالمية الثانية، كل شعوب الأرض لهول الدمار الذي أحدثه آنذاك،
والذي ما زالت آثاره باقية إلى الآن، بعد مضي قرابة الستين سنة.
ثم
جاءت التفجيرات التجريبية التي قامت بها الولايات المتحدة بعد الحرب مباشرة،
واستدعت عنوة عددا من الصحافيين والدبلوماسيين من كل بلدان العالم لمشاهدتها،
لتزيد من درجة هذا الذعر.
ولما
فشلت المحاولات الأولى في محاصرة هذا السلاح الفتاك، والحد من انتشاره، أصبح
السباق المحموم نحو التسلح النووي بين الشرق والغرب يمثل كابوسا خانقا، بالنسبة
للبشرية جمعاء. وقد أدى هذا الوضع إلى استنفار الكثير من العلماء والمفكرين وحتى
الزعماء السياسيين والقادة العسكريين، الذين تحركوا على مستوى عالمي لتحذير
البشرية من مخاطر اندلاع حرب نووية، وللبحث عن السبل التي تؤدي إلى تجنبها.
وقد
وصل الأمر بالنسبة للعالم والمفكر الانجليزي برتراند روسل إلى التحذير من إمكانية
هلاك الجنس البشري بكامله، إذا ما اندلعت حرب نووية بين الفرقاء. وكان قد أصدر
كتيبا في نهاية الستينات من القرن الماضي، يحمل عنوان
"هل
للإنسان مستقبل؟"
يشرح فيه مخاطر الحرب النووية، ويقترح فيه بعض الحلول لإنقاذ الجنس البشري من
الفناء. وبات موضوع السلاح النووي يشغل بال البشرية جمعاء، ويلقي بظلاله على كل
العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى اليوم.
نظرة موجزة لقصة
السلاح النووي في بداياته
إننا
لا نبالغ إذا قلنا أن قضية السلاح النووي هي أول قضية اختلط فيها البحث العلمي
بشكل كامل بالسياسة وبالإعداد للحرب، وتورط فيها بعض العلماء، الذين كانوا يسعون
من وراء أبحاثهم إلى تحقيق أهداف شريرة
)وهي
صنع القنبلة النووية واستعمالها في الحرب التي كانت قائمة آنذاك(.
ومن ذلك الوقت إلى الآن فقد العلم الكثير من صفاته الإنسانية النبيلة، وأصبح كثير
من العلماء مورطين في الأعمال الشريرة المتمثلة في البحث عن صناعة الأسلحة
الفتاكة المعدة للقتل الجماعي والتدمير الشامل.
لقد
أرادت الصدف أن يقع اكتشاف الانشطار النووي، وإمكانية التسلسل المتسارع لهذا
الانشطار )وهو
الأساس في صنع القنبلة النووية(
في نفس الفترة، التي بدأت فيها أجواء الحرب العالمية الثانية تخيم على أوروبا.
وكان
العلماء اليهود قد بدؤوا يتدفقون باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية قادمين من
ألمانيا ومن البلدان الأوروبية المجاورة منذ أن صعد هتلر إلى سدة الحكم في
ألمانيا، وبدأ يعلن عن نواياه التوسعية. وكانت مؤسسة روكفلر وروايال سوسيتي وبعض
أغنياء اليهود قد تكفلوا بتمويل عمليات الهجرة.
وقد
تجمع في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب ما يناهز المائة عالم يهودي من
كل الاختصاصات، وكانوا قد عملوا في مختلف المخابر الأوروبية
)برلين-
كوبنهاغن- باريس- روما- كمبريدج...(
وبتاريخ 02 أوت 1939 أي قبل شهر من اندلاع الحرب وجه
"ليو
زيلر"
عالم الذرة اليهودي من أصل مجري، والحاصل على الجنسية الأمريكية رسالة للرئيس
الأمريكي"روزفلت"
يشجعه فيها على صنع القنبلة النووية التي
»تستطيع
تدمير ميناء بكامله«
كما تستطيع »دك
كل الأراضي المجاورة«.
وتوضح الرسالة أن البحوث التي أنجزها العلماء في المخابر الفرنسية تعتبر متقدمة
في هذا المجال. كما تحمل الرسالة، التي قدمها للرئيس أحد مقربيه المتواطئ مع
زيلر، نصيحة بالسعي إلى إبرام اتفاق مع شركة المعادن البلجيكية العاملة في إقليم
كاتنقا )في
الكونغو(
من أجل الحصول على كميات هامة من اليورانيوم
)المادة
الأساسية لصنع القنبلة النووية(،
وذلك تحسبا لما قد يقدم عليه هتلر من غزو لبلجيكا التي كانت الكونغو إحدى
مستعمراتها في ذلك الوقت. وكان العالم اليهودي الشهير أينشتاين قد وقع هذه
الرسالة لتدعيمها.
ومن
أبرز العلماء اليهود الآخرين الذين عملوا بحماس شديد على صنع القنبلة النووية في
الولايات المتحدة أثناء الحرب هم إدوارد تلر من أصل مجري وأحد أصدقاء زيلر)وهو
الذي سيواصل أبحاثه بعد الحرب ثم يتوصل إلى صنع القنبلة الهدروجونية الأكثر فتكا
من القنبلة النووية(
و جون نيومان من أصل مجري أيضا وانريكو فرمي من أصل إيطالي.
ومن
المثير للانتباه أن الشخص الذي كلفه الرئيس روزفلت بالإشراف على مشروع صنع
القنبلة النووية والبرنامج النووي الأمريكي بكامله هو مهندس وعالم رياضيات يدعى
"
فنفار بوش"
ولعله أحد أجداد الرئيس جورج بوش الحالي.
ومن
أكبر المفارقات في هذا المجال أن العلماء الألمان الذين كانوا أول من اكتشف
الانشطار النووي لم يفكروا البتة في وضع أبحاثهم العلمية على ذمة الجيش
لاستخدامها في أغراض حربية، كما إن السلطة النازية لم تطلب منهم ذلك. ويبقى هذا
الأمر من الألغاز المحيرة.
وبعد
أن عمد الجيش الأمريكي إلى تفجير قنبلتين نوويتين فوق مدينتي هيروشيما وناكازاكي
اليابانيتين بدافع الانتقام بدون مبرر عسكري، في الأيام الأخيرة من الحرب، ظهرت
على الساحة الأمريكية واحدة من تلك المسرحيات السريالية، التي كثيرا ما نشاهدها
في هذا البلد ويقع إخراجها على أنها إبداع من إبداعات الديمقراطية الأمريكية.
لقد
بادرت مجموعة من العلماء الأمريكان إلى نشر وثيقة تحمل عنوان
"عالم
موحد أو العدم"
تبرز فيها القدرة التدميرية الهائلة للسلاح النووي، وتحذر من المخاطر الجسيمة،
التي تمثلها حرب نووية قد تقوم في المستقبل، وتدعو إلى توحيد كل البشرية تحت سلطة
واحدة، لتجنب الكارثة. وقد أثارت هذه الوثيقة ضجة إعلامية كبيرة في الولايات
المتحدة وفي العالم، وولدت شعورا بالخوف لدى كل الشعوب. ثم بادر الكونغرس بعد ذلك
بتكوين لجنة عهدت إليها مهمة النظر في إعداد تشريع خاص بموضوع الطاقة النووية.
وقد عقدت هذه اللجنة عدة لقاءات مع علماء لعبوا دورا بارزا في البرنامج النووي
الأمريكي وفي صنع القنبلة النووية لتلقي عليهم بعض الأسئلة وتتلقى منهم شهادات
بخصوص هذا الموضوع. وتواصلت هذه الجلسات على امتداد ستة أشهر
)من
نوفمبر 1945 إلى أبريل 1964(.
وكانت معظم الجلسات علنية.
وقد
برز في هذه الجلسات العالم "ليو
زيلر"
الذي بعث قبل بداية الحرب برسالة إلى الرئيس الأمريكي روزفلت ينصحه فيها بصنع
القنبلة النووية وهو الآن يعلن معارضته لاستعمال هذه القنابل الفتاكة، كما يعلن
رفضه للمحافظة على سرية نتائج الأبحاث في الميدان النووي، وهو الذي كان في السابق
قد اتصل بكل العلماء في أمريكا وفرنسا وإنجلترا ليلح عليهم بعدم نشر نتيجة
أبحاثهم، حتى تبقى سرية ولا يعرفها العدو.
وانتهت المسرحية بتبني الكونغرس في حزيران (جوان) 1946 لقانون يضع مهمة الإشراف
على البرنامج النووي الأمريكي بين يدي لجنة تتكون من خمسة مدنيين. ووقع تقديم هذا
القانون على أنه يمثل انتصارا للعلماء على المؤسسة العسكرية، التي كانت تريد
الإشراف المباشر على برنامج الطاقة النووية. لكن هذا القانون لم يسمح في الواقع
برفع السرية إلا على بعض الجوانب النظرية من الأبحاث وفرض السرية التامة على كل
الجوانب ذات الصبغة التقنية والصناعية. واشترط لرفع هذه السرية إرساء نظام مراقبة
دولية قوية على كل الأنشطة المرتبطة بالطاقة النووية في كل بلدان العالم.
وبمناسبة انعقاد أول جلسة عامة لمنظمة الأمم المتحدة بلندن في يناير (جانفي) 1946
تم إنشاء "لجنة
الطاقة النووية"
التي ستتكفل بالنظر في كيفية إرساء نظام مراقبة دولية ناجعة تمنع انتشار السلاح
النووي في العالم.
وقد
عقدت هذه اللجنة اجتماعات عديدة على امتداد سنتين تقريبا
)من
حزيران - جوان 1946 إلى مايو 194
(
وانتهت بالفشل، لأن الاتحاد السوفيتي كان يريد إبرام اتفاقية دولية تحرم صنع
واستعمال الأسلحة النووية، عوض إرساء نظام مراقبة دولية. والواقع أن هذا الفشل
كان ناتجا عن انعدام الثقة المتبادل بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي،
وفتح الباب أمام الحرب الباردة بين الطرفين.
وكان
من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تمثل أكبر قوة اقتصادية في
العالم، كانت تسعى في نفس الوقت إلى تولي قيادة البشرية بكاملها، مستغلة تفردها
بامتلاك القنبلة النووية، ومعتمدة على إثارة خوف الشعوب من انتشار هذا السلاح
الفتاك بين دول مختلفة. ولم يكن اقتراحها الداعي إلى إرساء نظام مراقبة دولية إلا
مدخلا لتحقيق هذا المشروع.
وإني
إذ أذكّر بكل هذه الأمور فلإبراز الشبه الكبير بين الوضع العالمي آنذاك، حيث كانت
الولايات المتحدة تتفرد بامتلاك السلاح النووي، وقد حاولت استغلال هذا التفرد
للسيطرة على العالم، والوضع الحالي حيث تتفرد الولايات المتحدة بامتلاك أقوى
ترسانة من أسلحة الدمار الشامل، وهي تسعى كذلك للسيطرة على العالم مستغلة هذا
التفرد. والولايات المتحدة لم تتخل في الواقع ومنذ تأسيسها عن طموحها إلى قيادة
العالم بأسره، من خلال السيطرة الاقتصادية والعسكرية في نفس الوقت، معتبرة أنها
تمثل أرقى المجتمعات البشرية.
كما
أرد ت إبراز التداخل القوي وفي أعلى مستوى بين اللوبي اليهودي والإدارة
الأمريكية، الذي كان سائدا آنذاك كما هو الحال الآن. وهذه أيضا من الحقائق
الثابتة والمعروفة في الولايات المتحدة الأمريكية. وأردت كذلك من خلال هذا
التذكير إبراز الأساليب المسرحية، التي تعتمدها الإدارة الأمريكية في الدعاية
والتضليل وامتصاص الغضب، والتي دخلت في تقاليدها الراسخة.
من تفجير أول قنبلة
هدروجينية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي
لقد
وقع تفجير أول قنبلة هدروجينية في جزيرة بيكيني في المحيط الهادي في شهر مارس من
سنة 1954. وقد تجاوز مفعول هذا الانفجار كل توقعات العلماء والفنيين الأمريكان،
الذين أعدوا العدة لذلك. فمفعول القنبلة الهدروجينية يساوي آلاف الأضعاف مفعول
القنبلة النووية.
وقد
أثار هذا التفجير موجة جديدة من الفزع أقوى من ذي قبل ودفع بالكثيرين من العلماء
والمفكرين والفنانين وكذلك رجال السياسة والاقتصاد إلى التحرك بجدية لمواجهة
المخاطر، التي تهدد البشرية، من جراء انتشار أسلحة الدمار الشامل. فتعددت
النداءات المناهضة للحروب، والمطالبة بالتخلي عن السلاح النووي، وعقدت عدة
مؤتمرات جمعت الفلاسفة والعلماء ورجال السياسة والاقتصاد من الشرق والغرب، وحاولت
تقديم اقتراحات عملية لوضع حد للسباق نحو التسلح.
وكانت الاقتراحات متنوعة ومتناقضة وتتمحور بشكل عام حول ضرورة التوقف عن إجراء
التجارب النووية، وإرساء نظام مراقبة دولية على البرامج النووية، أو الإسراع بنزع
أسلحة الدمار الشامل، وإمضاء معاهدة دولية تحرم صنع واستعمال هذه الأسلحة. وهناك
من ذهب إلى المطالبة بتكوين حكومة عالمية كوسيلة لمنع قيام حرب نووية في
المستقبل. وهناك من كان أقل طوباوية، وطالب بإمضاء معاهدة دولية تقضي بعدم اللجوء
إلى الحرب كوسيلة لحل النزاعات بين الدول. وبعد سنوات طويلة من التردد والتشكيك
كللت هذه المساعي بإمضاء الاتفاقية الدولية للحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل
في 01/07/1968.
ورغم أن هذه الاتفاقية لم تكن إلزامية فقد وقعت عليها طواعية أغلبية الدول التي
مازالت لم تمتلك السلاح النووي آنذاك. وقد فتحت هذه الاتفاقية الباب أمام إبرام
اتفاقيات لاحقة مثل اتفاقية
"سالت
1"
في 26/05/1972،
واتفاقية "سالت
2"
في 17/06/1979. كما أرست تقاليد جديدة للحوار بين الشرق والغرب، شجعت الشعوب على
المضي قدما في مناهضتها للحرب والسباق نحو التسلح، وكانت لها أهمية بالغة بالنسبة
للحفاظ على السلم العالمي
لكن رونالد ريغن عندما دخل إلى البيت الأبيض سنة 1980 أعطى منحى جديدا للعلاقات
الدولية يتسم بالتشدد وهدد باللجوء إلى استعمال السلاح النووي إذا لزم الأمر.
وقد برز في عهده هنري كيسنغر وزير الخارجية السابق
كمنظر للسياسة الأمريكية الجديدة، وقد تميز بمكره ودهائه. ويمكن القول إن
معظم التوجهات الحالية للسياسة الدولية تعود إلى عهد ريغن وتحمل بصمات كيسنجر
فقد
شهد عهده انطلاق أزمة المديونية في العالم، تبعها تشدد المؤسسات المالية
العالمية، وبداية وضع ما سمي ببرامج الإصلاح الهيكلي، التي فرضت على الشعوب
الضعيفة، وأدت إلى تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكانت هذه
البرامج بمثابة المقدمة لما يسمى الآن بنظام العولمة.
وفي
عهده وقع التخطيط للاستيلاء على نفط الخليج، من خلال دعاية مركزة وقع إطلاقها،
توهم العالم بأن مآسي الشعوب الفقيرة والأزمة العالمية الاقتصادية والمالية إنما
هي ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، الذي تسبب فيه بعض القادة العرب.
وفي
عهده ارتفعت درجة التوتر الدولي إلى أقصاها بعد اجتياح لبنان من قبل إسرائيل
وإخراج المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير من بيروت ومجزرة صبرة وشاتيلا،
واحتلال الجنوب اللبناني، وكذلك بسبب الحرب المشتعلة بين إيران والعراق، وبسبب
المقاومة البطولية التي واجه بها المجاهدون الأفغان قوات الاحتلال السوفيتي.
وقد
أدى هذا التوتر العالمي إلى إثقال كاهل كل الدول، لما تستنزفه برامج التسلح من
موارد. وقد أحس الاتحاد السوفيتي بالخصوص بهذا الثقل مما أدى بغورباتشوف إلى
المطالبة سنة 1986 بتدمير كل أسلحة الدمار الشامل في العالم، على امتداد أربع
سنوات. لكن مساعيه لخفض التوتر بين الشرق والغرب، ونزع فتيل الحرب، وسياسته
الجديدة المبنية على نظرية البيريسترويكا، أدت في النهاية إلى انهيار الاتحاد
السوفيتي، وأعادت للولايات المتحدة الأمريكية حلمها الأبدي بالسيطرة على العالم.
أمر مذهل وحقائق
ساطعة
إننا
ورغم مرور خمسة عشر سنة على انهيار الاتحاد السوفيتي نكاد لا نصدق ما حدث عندما
نتأمل في الأمر، ونتذكر أن أجيالا متعاقبة من البشر عاشت منذ حوالي قرن من الزمن
على وقع الصراعات الإيديولوجية المتشنجة والعنيفة، في أغلب الأحيان بين الشيوعية
والرأسمالية، ومرت بأزمات خطيرة وبمرحلة من الذعر دامت ما يزيد عن أربعة عقود،
بسبب السباق المحموم نحو التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، على
خلفية هذا الصراع الإيديولوجي، وبسبب انتشار كميات هائلة من أسلحة دمار شامل
متنوعة تزداد خطورة من سنة إلي أخرى، ثم فجأة ينهار الاتحاد السوفيتي من تلقاء
نفسه، وتتبخر مؤسساته السياسية والأمنية والعسكرية، التي كانت مهابة في كل أرجاء
المعمورة، وتشل ترسانته النووية وكل أسلحته الفتاكة، التي كان يرهب بها البشرية
جمعاء، ويفقد رموزه وأبطاله، الذين ألهموا الأدباء والشعراء في العالم كل بريقهم
السابق، ويتحولون إلى رموز شريرة، وتسقط إيديولوجيته الثورية التي ألهبت حماس
أجيال متعاقبة من الشباب، ويصبح بين عشية وضحاها وكأنه مجرد خرافة أو حكاية قادمة
من زمن سحيق...
إن
الأمر مذهل حقا. وإننا لنزداد ذهولا عندما نرى أن بعض الدول، التي كانت تابعة
للاتحاد السوفيتي أو منضوية تحت حلف فرصوفيا، انضمت اليوم وبكل اعتزاز إلى الحلف
الأطلسي، الذي كانت تعتبره بالأمس القريب عدوها الاستراتيجي. ولاشك أن هذا الذهول
ناتج عن كوننا كنا على امتداد عدة عقود من الزمن ضحية دعاية وتضليل قويين من قبل
النظام السوفيتي وأتباعه. وبما أن الواقع هو الواقع فإننا عندما نتأمل اليوم ما
حدث يمكن أن نستنتج عدة حقائق لعل أهمها:
1-
أن المكاسب المادية مهما عظمت لا يمكن أن تعوض الحرية والكرامة، ولا أن تطمس
البعد الروحي للإنسان.
2-
أن الاعتماد على القمع والإرهاب لا يمكن أن يؤسس مجتمعا متماسكا ومتضامنا إلا في
الظاهر.
3-
أن القوة العسكرية مهما عظمت لا يمكن أن تحقق أي نصر إذا كان القائمون عليها
يفتقرون إلى مساندة حقيقية وحرة من قبل الشعوب.
الواقع الجديد بعد
انهيار الاتحاد السوفيتي
بعد
الانهيار المفاجئ للاتحاد السوفيتي والفوضى العامة، التي تبعت هذا الانهيار ساد
الأوساط الغربية تخوف كبير من إمكانية تسرب بعض الأسلحة والمواد النووية إلى جهات
معادية وغير معروفة. وكان لهذا الخوف ما يبرره، خاصة بعد صدور عدة تقارير صحفية
واستخباراتية تتحدث عن وجود مثل هذا التسرب.
وهذا
الأمر الخطير الذي كان وما زال يؤرق المسؤولين الغربيين بعد انهيار النظام
السوفيتي، دفع بهؤلاء إلى الإسراع بالتدخل ومد يد العون للدول الجديدة الخارجة من
هذا النظام، وخاصة تلك التي ظهرت فيها صراعات عرقية ومذهبية، مثل أرمينيا
وأذربايدجان وجورجيا والفدرالية الروسية وبعض الدول الأخرى.
ومن
أكثر تداعيات انهيار النظام السوفيتي خطورة هي تلك الصراعات العنيفة، والمواجهات
المسلحة على خلفيات عرقية ودينية، التي ظهرت في منطقة البلقان، وأدت إلى تفكك
جمهورية يوغسلافيا، والتي أفزعت أوروبا بكاملها. وقد تدخلت قوات الحلف الأطلسي
لوقف المجازر التي كان يقوم بها الصرب ضد المسلمين في البوسنة ثم في كوسوفو.
وفي
هذا الوضع الجديد تمكنت الولايات المتحدة ومنظمة الحلف الأطلسي من التدخل بحرية
وبشيء من الاطمئنان في مناطق مختلفة من العالم بتعلات مختلفة. ففي حرب الخليج
الثانية وقع التدخل باسم الدفاع عن الشرعية الدولية. وفي باناما وقع التدخل باسم
الحرب على المخدرات. وفي تيمور الشرقية وقع التدخل باسم الدفاع عن حقوق الإنسان
وحق تقرير المصير. وفي البوسنة وكوسوفو وقع التدخل باسم حماية حقوق الإنسان
والحفاظ على الأمن في أوروبا.. وأصبح مجلس الأمن أداة طيعة بين يدي الولايات
المتحدة تلجأ إليه في كل مرة لاستصدار قرار
"
أممي"
يضفي على كل أعمالها
"شرعية"
شكلية.
وبقي
العالم يعيش على امتداد عشرية كاملة حالة من الفوضى والانتظار تحت غطاء نظام
عالمي جديد غير واضح وغير مفهوم، وقع اختزاله في شعار العولمة، تقوده الولايات
المتحدة الأمريكية، التي أصبحت سيدة العالم، تفعل ما تريد، ولا يجرأ على معارضتها
أحد.
لكن
المشكلة الأساسية التي كانت مطروحة على الولايات المتحدة والحلف الأطلسي طوال هذه
الفترة تتمثل في ضبط استراتيجية جديدة، تحدد العدو الجديد، بعد أن سقط العدو
القديم، وسقطت معه تباعا الاستراتيجية القديمة. وإذا كانت النظرة ضبابية في
البداية لفجائية الانقلاب الذي حصل في العالم، ولتزاحم الأحداث والأزمات، التي
تلته، فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 في مدينة نيويورك يبدو وأنها قد
حسمت الموقف:
إن العدو الجديد للولايات المتحدة الأمريكية هو
"الإرهاب
الدولي".
ورغم إجماع كل دول العالم على ضرورة الوقوف في وجه هذا العدو فإنه لم يقع الاتفاق
حتى الآن على تحديد معنى الإرهاب، ولا على تعيين من هم الإرهابيون.
وفي هذا الوضع العالمي الذي يكتنفه الغموض والتردد وتتهدده الكثير من المخاطر
انطلقت الولايات المتحدة الأمريكية في تنفيذ استراتيجيتها الجديدة بكل عنجهية
وغرور. ففي البداية استعملت الضغط والابتزاز لجر كل دول العالم وراءها في حربها
على أفغانستان، وذلك لإضفاء شرعية صورية على هذه الحرب. وفي الأخير تركت منظمة
الأمم المتحدة جانبا، ورمت بكل القوانين الدولية عرض الحائط، وقامت بغزو العراق
وتدميره، بتعلات ما فتئت تتبدل وتتضارب. وبعد تصاعد ضربات المقاومة الشعبية ضدها،
وعجزها عن إحلال الأمن بالبلاد، هاهي الآن تسعى إلى إقحام منظمة الأمم المتحدة في
الموضوع، وإلقاء المسؤولية على عاتق عملائها من العراقيين. ولا أحد يستطيع أن
يتنبأ اليوم بما سيؤول إليه الوضع في المستقبل، ولا بتداعيات هذا الوضع على
المستوى الإقليمي والدولي.
استراتيجية الحرب
على الإرهاب بين الخداع والحقيقة
إذا
كان العالم قد عاش تحت كابوس الخوف من إمكانية اندلاع حرب نووية لا تبقي ولا تذر،
في ظل استراتيجية توازن الرعب بين الشرق والغرب، أيام الحرب الباردة، فهل زال هذا
الكابوس في ظل الاستراتيجية الجديدة أم أنه ازداد حدة عما كان عليه من قبل؟
إن
استراتيجية توازن الرعب كانت تعتمد في تنفيذها على هيئات مختصة تتكفل بإقامة حوار
دائم بين الفرقاء وبضبط آليات للمراقبة المتبادلة، وهي مدروسة بشكل يجعل احتمال
المفاجأة بالهجوم من أحد الطرفين قريب من الصفر.
أما
استراتيجية الحرب على الإرهاب فيقع ضبطها وتنفيذها من جانب الدول وحدها، باعتبار
أن العدو غير مرئي وغير معلوم. ولذلك تبقى المفاجأة بالهجوم هي السمة الأساسية
لهذا العدو. وفي أحسن الحالات يقوم العدو لأسباب تكتيكية بالتحذير من الهجوم
الوشيك ولكن بدون تحديد المكان والزمان بطبيعة الحال. وهذا ما يجعل الناس في كل
أنحاء العالم في حالة قلق وتوجس دائمين، ويحرمهم من الإحساس بالراحة والاطمئنان.
ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى الحفاظ على هذا الشعور بالخوف لدى كل
الناس، حتى يتسنى لها تبرير مواصلة
"الحرب
على الإرهاب"،
والسيطرة على العالم.
ونحن إذا كنا جادين في السعي إلى ضمان الأمن والسلم في العالم فإنه يتحتم علينا
أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي:
هل الإرهاب هو عدو حتمي مفروض على العالم ولا يمكن التخلص منه، أم إنه يكون نتيجة
حتمية لسياسات بعض الدول ويمكن أن يزول بتغيير هذه السياسات؟
وللإجابة عن هذا السؤال علينا أن نتذكر ما آلت إليه بعض
"التجارب
الإرهابية"
السابقة. فحركات المقاومة المسلحة ضد الاستعمار كانت توصف كلها بالإرهاب من قبل
الدول الاستعمارية وحلفائها، ولكنها لما تمكنت من تحقيق النصر على المستعمر اعترف
العالم كله وحتى المستعمر نفسه بأنها ليست كذلك، وحرص الجميع على إقامة شراكة
معها لتحقيق السلم والأمن في العالم.
فهل
الإرهابي يفقد صفته تلك عندما ينتصر!؟ وهناك سؤال ثان يجب طرحه:
هل إن مواجهة الإرهاب بإرهاب أشد ستفضي إلى استتباب الأمن في العالم؟
إن
المتابع لما حصل من تفجيرات إرهابية فظيعة وموزعة في أنحاء مختلفة من العالم بعد
تفجيرات نيويورك سنة 2001 يدرك جيدا أن الطريق الذي جرت فيه الولايات المتحدة
بقية دول العالم وراءها هو في الحقيقة نفق مظلم ومليء بالأهوال، ولا يمكن أن يؤدي
إلى تحقيق الأمن والسلام لأي شعب في العالم.
وإن
مواصلة السير في هذا الطريق لا يمكن أن يؤدي إلا إلى المزيد من الدمار والخراب
والمآسي. وللخروج من هذا النفق ليس أمامنا من سبيل سوى اعتماد الحكمة عند ضبط
استراتيجية دولية تسعى إلى ضمان الأمن والحرية والسلام لكل الشعوب في المستقبل.
والحكمة تقتضي التعقل والتواضع، والابتعاد عن التعصب، والتخلي عن مشاعر الاستعلاء
والاستكبار.
إن
من أ |