|
بقلم نور
الدين العويديدي
تكشفت
الكثير من الحقائق، منذ ظهور صور الأسرى والمعتقلين العراقيين، من النساء
والرجال، وهم يعذبون على أيدي جنود الاحتلال الأمريكي والبريطاني ومحققيه. وكشفت
التحقيقات والتسريبات والتقارير الصحافية الجادة أن التعذيب والإذلال وجرائم
امتهان الكرامة الإنسانية جرائم منظمة وواسعة الانتشار في السجون في العراق،
وأنها ليست مجرد تجاوزات، بل سياسة رسمية، متخذة من أعلى الهرم في المؤسسة
العسكرية والاستخبارية الأمريكية والبريطانية.
فوزير
الدفاع الأمريكي ومستشارة الأمن القومي ونائب وزير الدفاع وكبار القادة
والمسؤولين العسكريين والسياسيين، كانوا يعلمون مسبقا بما يجري في سجون العراق
عامة، وسجن أبي غريب خاصة. وقد تبين أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد قد وقع بنفسه
على قرارات تسمح بالتعذيب. كما ثبت أن الجنرال ريكاردو شانشيز قائد القوات
الأمريكية في العراق كان حاضرا بنفسه في سجن أبي غريب، في وقت كانت فيه أعمال
التعذيب تجري على قدم وساق.
كما تبين
أيضا أن أوامر عليا من وزارة الدفاع الأمريكية قد قضت بنقل مدير سجن غوانتنامو
السابق إلى العراق، للإشراف على سجن أبي غريب، ولنقل أشكال التعذيب وامتهان
الكرامة الإنسانية، التي مورست في معتقل غوانتنامو، واعتبرت ناجحة، وتستحق أن يتم
تعميمها ونقلها إلى العراق، باعتبارها تحقق الغرض المطلوب.
وتكشّف أيضا
أن عمليات التعذيب بالغة البشاعة، والجرائم ضد الإنسانية، التي مورست في
غوانتنامو قد صورت في أقراص "سي دي" وأشرطة "فيديو"، واتخذت مرجعا ودليلا لأعمال
التعذيب في العراق. وأن الأوامر العليا كانت تصل للمحققين والجنود بأن يمارسوا ما
يحلو لهم مع المعتقلين العراقيين، والمهم تحقيق الهدف المطلوب، وهو انتزاع أكثر
ما يمكن من معلومات عن المقاومة.
كيف نشرت صور
التعذيب؟
لم يعد
النقاش منحصرا، في العديد من الأوساط الأكاديمية وأوساط المحللين الكبار، في ما
إذا كان التعذيب أمرا معزولا أم سياسة منهجية منظمة، فشهادات كثيرة، ومعلومات
مؤكدة ،صارت تجعل الجميع يعلمون علم اليقين، أن ما حصل كان سياسة مقررة، وعملا
منظما، وليس معزولا، مهما ادعى المسؤولون السياسيون والعسكريون الأمريكان غير ذلك.
بل وصل
النقاش لدى البعض إلى حد طرح التساؤلات بشأن دوافع القيادة الأمريكية لنشر صور
التعذيب، والأهداف المنشودة منها. في حين ذهب البعض الآخر إلى تأصيل جرائم
الأمريكان في السجون العراقية في سجل طويل من الجرائم في التاريخ الأمريكي القريب
والبعيد، وفي الأجواء العنصرية السائدة في أوساط اليمين الأمريكي المتصهين،
وثقافة غرور القوة، الطامحة لتغيير وجه العالم، وتغيير ثقافته وأنظمته الفكرية
والسياسية والاجتماعية، بدء من منطقتنا العربية والإسلامية.
إذ يذهب بعض
المحللين إلى الجزم بأن الصور لم تتسرب للإعلام عن طريق الخطإ، أو بسبب اجتهاد
مجندين بسطاء، تحركت ضمائرهم لهول ما رأوا، وإنما نشرت الصور بقرار رسمي، بحسب
نصائح علماء نفس، باعتبار نشرها جزء من أساليب الحرب النفسية الموجهة للشعوب. وقد
قال مسؤولون كبار منهم رامسفيلد، إن ثمة صور أخرى أشد بشاعة، موجودة لدى وزارة
الدفاع الأمريكية، وذلك لتأكيد الأثر النفسي للصور. ويرى هؤلاء المحللون أن الهدف
من وراء ذلك تدمير معنويات الشعب العراقي خاصة والعربي عامة، وإقناع العراقيين
والعرب بعدم جدوى المقاومة، وأن ما ينتظر المقاومين هو ما حصل لنظرائهم، الذين
سبقوهم للسجون، وأن ما خفي كان أعظم.
ويورد هؤلاء
أدلة كثيرة من التاريخ العسكري الأمريكي القريب والبعيد بشأن أعمال الإذلال
المتعمدة للأمم والشعوب. مثل قصف المدينتين اليابانيتين هيروشيما وناكازاكي، في
الحرب العالمية الثانية، إذ تم قصف المدينتين من دون ضرورة عسكرية. وأن الهدف كان
إذلال اليابانيين، ودفعهم للاستسلام لمنطق القوة دفعا. وكذلك الحال في مدينة
"درسن" الألمانية، التي دمرت بالطائرات بشكل كامل، رغم استسلام الألمان. والهدف
هو الإذلال وكسر الروح القومية.
فراسمو
استراتيجيات التدمير النفسي للشعوب ينطلقون من أن من لم تنفع معه القوة، ينفع معه
المزيد من القوة، وأن إظهار آثار تلك القوة، من شأنه أن يحقق حالة الصدمة
والإذعان والرضوخ للقوة. ويذهب المفكر الفلسطيني منير شفيق إلى أن هذه
الاستراتيجية ستفشل في المنطقة العربية والإسلامية، وأن راسميها سيكتشفون، بعد
فشلها، أنهم كانوا على خطئ، بالنظر لكونهم قاسوا شعوب المنطقة، رغم اختلافها
ثقافيا وعقائديا وتاريخيا عنهم بكثير، على شعوبهم، بل على أنفسهم، لأنهم كانوا
سيرضخون لتلك لقوة، التي تسلط على العراقيين، لو سلطت عليهم هم.
أما في
منطقتنا فقد أثبتت التجربة الفلسطينية، طيلة خمسين عاما وزيادة، والتجربة
العراقية اليوم، أن الإمعان في استخدام القوة، لا يؤدي بالضرورة إلى الإذعان
للقائمين عليها، والاستسلام لمنطق القوة، بل يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى نتيجة
عكسية، إذ يقود إلى تغذية المقاومة، وهذا ما يحصل الآن في العراق، إذ لم يؤد نشر
صور التعذيب في السجون العراقة، على بشاعتها وانحطاط القائمين عليها، إلى تراجع
المقاومة، بل إلى تزايدها.
ثقافة قتل وإجرام
في المقابل
يذهب محللون آخرون إلى تأصيل جرائم التعذيب في الثقافة الأمريكية. وهي ثقافة
تختزن الكثير من العنف والإجرام، ويقع اليوم إحياؤها بقوة مع المحافظين الجدد،
الذين يطمحون، بكثير من السذاجة والجهل والتبسيط، إلى تغيير وجه الأرض، وتبديل
ثقافة العالم، وأمركة البشرية. ويكفي التذكير بأن الولايات المتحدة قائمة اليوم
على بقايا شعوب وحضارة أبيدا إبادة شبه كاملة. ويذكر الفيلسوف الفرنسي روجيه
غارودي ومؤرخون كثر أن نحو 70 مليون من الهنود الحمر قد أبيدوا في القارة
الأمريكية، على امتداد فترة محدودة، وأن أساليب غير أخلاقية كثيرة استخدمت في
إبادة جنس بأكمله.
في حين يذكر
المؤرخ الأمريكي السوري الأصل منير العكش أن العاصمة الأمريكية واشنطن مقامة على
مقبرة جماعية للهنود الحمر. ويقول إن الشعوب الهندية المتعددة كان تعدادها يزيد
على الـ112 مليون نسمة، قبل مجيء الإنسان الغربي الأبيض إليها، ولم يبق منها حسب
تعداد العام 1900 سوى ربع مليون شخص فقط.
ومن خلال
شهادة العكش يتبين أن التعذيب وامتهان الكرامة البشرية، والانتشاء بالقتل، ليس
جديدا على الثقافة العسكرية الأمريكية، إذ يقول في كتابه "شهادة"، الذي بناه على
وثائق عديدة، كثير منها من مكتبة الكونغرس الأمريكي ما يلي: "مع تأسيس الجيش
الأمريكي أصبح السلخ والتمثيل بالجثث تقليداً مؤسساتياً رسمياً. حصل هذا عند
استعراض الجنود أمام وليام هاريسون بعد انتصار 1811 الشهير على الهنود. وفي 27
آذار (مارس) 1814 كما يروي دايفيد ستانارد احتفل الرئيس جاكسون بانتصاره على هنود
الكريك، وتولى جنوده التمثيل بجثث الضحايا من الأطفال والنساء والرجال، فقطعوا
أنوفهم لإحصاء عددهم، وسلخوا جلودهم لدبغها واستخدامها في صناعة أعنة مجدولة
للخيول». (أنظر مقال محمد صادق الحسيني في جريدة الحياة اللندنية بهذا الصدد).
ويضيف العكش
أيضا: «بعد مذبحة ساندكريك التي ذهب ضحيتها أكثر من 800 هندي أعزل، اضطر الكونغرس
إلى إجراء تحقيق في الفظاعات، التي ارتكبها الجنود وقائدهم جون شيفنغنتون. ويعتبر
شيفنغنتون اليوم من أعظم أبطال التاريخ الأمريكي، وهناك الآن أكثر من مدينة وموقع
تاريخي تخليداً لذكره ولشعاره الشهير: "اقتلوا الهنود واسلخوا جلودهم. لا تتركوا
صغيراً ولا كبيراً. فالقمل لا يفقص إلا من بيوض القمل".
محترفو إجرام
وبالعودة
إلى موضوع تعذيب العراقيين، فإن المطلعين على ملفات منظمات حقوق الإنسان العراقية
والدولية، بشأن سجل الجيش الأمريكي في عموم العراق، ونظيره البريطاني في مناطق
الجنوب، وأنا واحد منهم، أتيح لي، أتيح لي خلال زيارتي للعراق، في مطلع العام
الجاري، مشاهدة قوائم طويلة من أسماء المعتقلين لدى منظمات حقوقية كثيرة..
المطلعون على تلك الملفات يعرفون جيدا أن ما حصل ويحصل في سجون الاحتلال، منذ
أكثر من عام، أشنع بكثير مما أظهرته الصور، التي ملأت شاشات العالم.
ومن الجدير
بالذكر أن ما كشفت عنه الصور، التي نشرت للمحققين الأمريكيين نساء ورجالا، خلف
أكوام اللحم العراقية العارية، مكدسة بعضها فوق بعض، في امتهان فاضح للكرامة
الإنسانية، أو بجوار عراقي يعذب، وأسلاك الكهرباء مربوطة إلى يديه، وعلى رأسه كيس
بلاستيكي، ويرتدي ثيابا تذكر بزي عصابات اليمين الأمريكي المتطرف الإرهابية، أو
صورة مجندين يرفعون شارة النصر والرضا، بالقرب من جثة عراقي قتل تحت التعذيب،
يثبت درجة التوحش، التي يتميز بها الجنود الأمريكان.
فما حصل لم
يكن أمرا "اضطر" إليه الجنود والمحققون لانتزاع الاعترافات من المعتقلين. فربما
يصح ذلك لو كان المحققون لا يعلمون بتصويرهم. لكن ما كشفته الصور يؤكد أن ما حصل
عادة متبعة مع المعتقلين العراقيين، منذ فترة طويلة، كان الجنود يمارسونها
والابتسامات العريضة تملأ وجوههم، وهم يشعرون بالكثير من الزهو والفخار.
فسحنات
الوجوه، والعلامات التي تشي بها حركات الأيدي، والإشارات الصادرة عنها، وكيفيات
الوقوف، التي يتخذها الجنود والمحققون الأمريكان، بالقرب من ضحاياهم، وهم يعلمون
أنهم أمام كاميرا تصورهم، تكشف عن أنهم كانوا يتعاملون مع تعذيب المعتقلين
العراقيين بكل اطمئنان. وقد أغراهم ذلك الاطمئنان بأن يعمدوا إلى أخذ صور يخلدون
بها "بطولاتهم" ضد "الإرهابيين" العراقيين.
ومن بديهيات
الأمور أنه لا يسع المحقق أو الجندي، الذي يشعر بأنه مخطئ إلا أن يتكتم على خطئه،
فالنفس البشرية، التي تستبشع التعذيب وامتهان الكرامة، تميل إلى التستر على
أخطائها وجرائمها، إن كانت نفسا سوية. أما من يحرص على توثيق جريمته، ويفخر بها
فيصورها، ويقف والابتسامة والشعور بالرضى يملآنه، وهو إلى جانب ضحيته، فلا شك أنه
قد تعود على ما يفعل، حتى بات عنده أمرا طبيعيا لا يجلب أي وخز ضمير. بل ربما كان
يصور ما يفعل حتى يعرضه على رؤسائه طلبا للترقية والحوافز. وهذا يكذب القول إن ما
حصل كان تجاوزات محدودة، لا تجيزها السلطات العليا.
فالجندي أو
المحقق الخائف، الذي يخشى من أن يطلع قادته على "أخطائه" مع المعتقلين، لا يعمد،
بكل تأكيد، إلى تصوير ما يفعل من أخطاء. فهو يعلم أنه يوفر بذلك دليلا لا يكذب ضد
نفسه. لكن الجندي المطمئن إلى تأييد قادته، يفعل ذلك، ويخلد بآلات التصوير أو
بغيرها "بطولاته" ضد سجناء عزل، لا يملكون من حيلة يدافعون بها عن أنفسهم. وفي
الواقع فقد حظي أولئك الجنود بثناء قادتهم، على تلك الجرائم، لأن المهم تمكنهم من
انتزاع أكثر ما يمكن من معلومات من المعتقلين، وليس ثمة شيء آخر مهما بعد ذلك.
وعلى الذين
استفزتهم صور التعذيب أن يدركوا أن ما يحدث في زنزانات التعذيب، وخلف الجدران
والأبواب الموصدة، في سجن أبي غريب الرهيب وغيره من المعتقلات، التي تضم عشرات
الآلاف من العراقيين، ليس شيئا غريبا. فالجيوش التي تقصف المدنيين بالحمم من
الطائرات والمدافع في العراق وأفغانستان، ليس غريبا عنها أن تتورط في أعمال
التعذيب. فذلك رغم بشاعته يظل أهون من أعمال القتل الواسعة، التي لا تفرق فيها
القنابل وطلقات المدافع بين الرجل والمرأة، والصغير والكبير، والمقاوم وغير
المقاوم.
تبريرات أسوأ من
الجرائم
بعض
المحللين والسياسيين الأمريكيين والبريطانيين، الذين هالهم الرفض الدولي الواسع
لجرائم التعذيب في السجون العراقية، يحاولون إيجاد الأعذار والتبريرات لتصرفات
الجنود والمحققين الأمريكيين والبريطانيين. فتارة يبررون ذلك بأن الجنود لا
يعرفون ما تمليه عليهم الاتفاقيات الدولية بشأن كيفية معاملة الأسرى، وتارة
يتعللون بالأجواء النفسية، التي يعيشها الجنود هناك، مشيرين إلى أن أجواء الحرب
والخوف وأعمال القتل، التي يتعرض لها زملاؤهم تولد بشكل طبيعي لديهم مثل تلك
التصرفات الخاطئة. في حين يذهب آخرون إلى أن المسؤولين عن التعذيب ليسوا من
الجيوش الرسمية، وإنما من المرتزقة، الذين لم يتلقوا ما يكفي من تدريب على احترام
حقوق الإنسان.
لكن هذه
التبريرات، من قبيل العذر الأقبح من الذنب.
- فالجنود
الذين دخلوا بلادا غير بلادهم، بحجة تحرير شعبها من حكومته الظالمة، يفترض فيهم
أن يتعلموا، وهم المحررون، الحد الأدنى من الاحترام واللياقة في التعامل مع
الشعب، الذي جاؤوا لتحريره. ولعل احترام الذات البشرية وكرامتها لا يحتاج إلى
تعليم، فالنفس الإنسانية العادية لا تفعل ما يفعله جنود الاحتلال بالمعتقلين، لأن
الطبيعي أن لا يفعل ذلك إنسان بإنسان.
- أما القول
بأن المسؤولين عن التعذيب مرتزقة، فإن ذلك عذرا لا يقل قبحا عن الذنب ذاته، فهم
مرتزقة يعملون تحت سلطة جيوش الاحتلال، وفي معسكرات تابعة لها، ودخلوا العراق
بعقود مع الجيوش النظامية، وهي المسؤولة عن كل شيء يجري في البلاد المحتلة. ثم إن
هذين التبريرين يجعلان الجرم يتجاوز الجنود البسطاء إلى قادتهم ومسؤوليهم، لأن
القادة هم المسؤولون عن تلك العقود، وهم الذين وقعوها وأمروا بها، وهنا تكون
المشكلة أكبر، والطامة أعظم.
- أما
الحديث عن أن أجواء الحرب تصنع مثل تلك التصرفات الخاطئة، تلقائيا، فإن ما يلاحظ
أن العالم لا يسمع هذا الحديث حين يكون الضحية أمريكيا. فالقوات الأمريكية هاجمت
مدينة الفلوجة وقتلت المئات من المدنيين فيها، وجرحت الآلاف من أبنائها، وهدمت
دورهم فوق رؤوسهم، بحجة معاقبة أشخاص مثلوا بجنديين، فلم لم يثر هؤلاء القول بأن
التمثيل كان هو أيضا من ثمار أجواء الحرب، خاصة وأن من قاموا بالتمثيل ليسوا
جنودا نظاميين، وهم أيضا لا يملكون الطائرات والدبابات والمدافع، التي تخفف عنهم
من مشاعر القهر، التي يعانون منها، بالنيل من عدوهم. ولا شك أن شعور المقهورين
بالقهر أمام الآلة الحربية الضخمة، يجعلهم يردون الفعل بشكل أعمى وغير مبرر. وإذا
كان هذا غير جائز للعراقيين، فتعذيب المعتقلين غير جائز أيضا، ولا يقبل التبرير
مطلقا.
إن تبرير
جرائم من قبيل ما يحصل في السجون والمعتقلات العراقية لا يمكن أن يصدر إلا من
أناس عنصريين، لا يجدون غضاضة، أصلا، في التنكيل بالعراقيين وامتهان كرامتهم،
لأنهم من عنصر أدنى.
أما الأسوأ
من ذلك، لأنه الأشد خطورة، والأكثر ورودا على لسان المسؤولين والسياسيين، فهو
التقليل من حجم الجريمة، بحجة أن من يقوم بها أشخاص معزولون، قبل التحقيق في ذلك
والتأكد منه، وإقناع العالم بأن ما يقال عن أن التعذيب سلوكا معزولا وليس سياسة
رسمية، حقيقة واقعة، وليس مجرد وسيلة للتستر على الجريمة، حتى يستمر مسلسل
التعذيب، على أمل ربح رهان حرب غير مشروعة، ولا تملك من الأخلاق شيئا، منذ أن
انطلقت وحتى اليوم.
وأخيرا فإن
سلوك الجيش الأمريكي المخزي في العراق منذ أن دخله وحتى يرحل منه، غير مأسوف
عليه، لا يؤهل واشنطن لتعليم العرب والمسلمين الديمقراطية، فضلا عن أن تندب نفسها
لتغيير ثقافتهم وعقائدهم، ونظرتهم للكون والإنسان والحياة. والأولى بها أن تعلم
جنودها المرضى، الحد الأدنى من السلوك البشري القويم.
|