مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

محــور العـدد  

"الشرق الأوسط الكبير"
 والهيمنة الاقتصادية الأمريكية - الصهيونية


 

بقلم توفيق المديني

تشكل جريمة اغتيال القائد المؤسس والزعيم الروحي لحركة حماس الشيخ أحمد ياسين من قبل الجيش الصهيوني، وبإشراف مباشر من جانب مجرم الحرب آرييل شارون صبيحة يوم 22 مارس الماضي، مظهرا جديدا من مظاهر مبادرة "الشرق الأوسط الكبير” التي تنطلق كسابقتها “الشرق أوسطية” من ضرورة تصفية الصراع العربي- الصهيوني، وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية، كأساس لإغلاق ملفات الجغرافيا السياسية المفتوحة وصراعاتها الموروثة من القرن العشرين، لتستبدل بها ملفات الجغرافيا الاقتصادية القائمة على أنماط التعاون والتكتل وتدعيم النزعة العالمية المفترض كونها روحا للقرن الحادي والعشرين. فمبادرة الرئيس بوش تستهدف بالدرجة الرئيسة تأمين حماية الأمن الأمريكي بالتلازم مع الأمن الصهيوني، و القضاء على ماتسميه الإدارة الأمريكية بؤر الإرهاب، الذي يدخل في سياق تحقيق الهيمنة الأمريكية وتلبية مطالب المجمع الصناعي العسكري، وضمان التفوق الصهيوني الحاسم على الدول العربية، ونزع عقيدة القومية العربية في الوطن العربي.

ويستند مشروع "الشرق الأوسط الكبير" في عدد من فقراته إلى تقريري التنمية الإنسانية العربية في العامين 2002 و2003، فضلا عن أن الإدارة الأمريكية تعتبره عملية انتقال من مرحلة الجغرافيا السياسية بكل صراعاتها إلى الجغرافيا الاقتصادية بكل ركائزها ومعطياتها ما يفرض ضرورة تصفية الصراع العربي- الصهيوني، وإشاعة روح ما يسمى السلام كما تفهمه الولايات المتحدة، باعتباره مفتاحا لمرحلة أعلى في الجغرافيا السياسية تستطيع من خلالها اغتنام الفرص السانحة دوليا وإقليميا لتحقيق المزيد من السيطرة الأمريكية وفرض الإرادة الصهيونية على النحو الذي يدفع العالم العربي في النهاية إلى التسليم لهما بمطالبهما في الاستقرار، ولكن من داخل فضاء التنمية التابعة وليس المستقلة، والتهادنية السياسية وليس الديمقراطية.

ومهما يكن من أمر مبادرة "الشرق الأوسط الكبير" الذي وضعته الإدارة الأميركية، فإن الرئيس الأمريكي جورج بوش يريد تحديث "الشرق الأوسط الكبير"على أساس تقارير التنمية الإنسانية التي أصدرتها المؤسسات الدولية عن العالم العربي. وهذه التقارير جرت كتابتها في العامين 2002 و2003 من جانب علماء المنطقة أنفسهم. وستكون المبادرة الأميركية في قلب المناقشات التي يجريها الثمانية الكبار في "سي أيلاند"، في ولاية "جورجيا"، الولايات المتحدة في حزيران المقبل، وسيطلب اعتمادها من قبل القمة.. وتشي الفترة القصيرة المتاحة للنظر في المشروع الأمريكي بقلة فرصة إدخال تعديلات جوهرية عليه من شركاء الولايات المتحدة في مجموعة الثماني، ناهيك بالدول والشعوب موضوع المشروع.ويعود الاستعجال، على ما يبدو، إلى استخفاف الإدارة الأميركية بجميع الأطراف المعنية. الأمر الذي يعد تعبيراً مجدداً عن عقلية التعالي التي تبديها الإدارة الأميركية الحالية تجاه بقية العالم، حيث أصبحت تتصرف وكأنها تستبد بمصائر الدول والشعوب في العالم أجمع.

إن مشروع" الشرق الأوسط الكبير" يعني عودة الولايات المتحدة إلى إستخدام السياسات الإستعمارية القديمة - الجديدة ذاتها، التي كانت مستعملة من قبل القوى الإستعمارية الأوروبية، والتي تتعارض مع مطامح وآمال شعوب المنطقة أنفسها. ولا يزال هذا المشروع يواجه التحديات، لأنه ظهر تحت نجم وشعار أميركي. وقد بادر كاتبو التقارير أنفسهم إلى نقد المقاربة الأميركية نقداً قاسياً، باعتبار أن الولايات المتحدة لا تتمتع بأي صدقية في المنطقة العربية، وتغطية مبادرتها بالتقارير، سوف يسيء إلى عمليات الإصلاح بالعالم العربي في المدى الطويل، ولا يعد ذلك بالنجاح.وأخيراً وليس آخراً لن ينجح مشروع "الشرق الأوسط الكبير"؛ ما لم يكن هناك حل عادل للقضية الفلسطينية، وما لم ترحل القوات الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط دون قيد أو شرط.

لا شك أن الإدارة الأميركية الراهنة تعمل على استغلال المشروع في دعم فرص الرئيس الأميركي الراهن في معركة الرئاسة المقبلة من ناحية أخرى. ويخص المشروع البلدان العربية إضافة إلى باكستان وأفغانستان وايران وتركيا وإسرائيل. والواضح أن المفهوم الأميركي للشرق الأوسط الكبير يضم الدول الإسلامية الأساسية التي تدمغها الإدارة الأميركية، في ظل تشدد "المحافظين الجدد"، باعتبارها منابع "الإرهاب" الذي شرعت تحاربه منذ أحداث أيلول (سبتمبر) 2001. إن مشروع "الشرق الأوسك الكبير" الذي تمتد حدوده من المغرب إلى باكستان يثير الرعب والفزع في دول المنطقة، لأنه يملي عليها الإصلاح من الخارج ومن طرف واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية. فطروحات هذا المشروع تقوم على تكريس الاقتصاد الحر والديمقراطية ومحاربة الفقر والحصول على حقوق المرأة إلى آخر ذلك من الشعارات التي ترفع ويتحقق عكسها تماماً على الأرض. وفي الواقع إنه مشروع الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعد اتمام الهيمنة السياسية و العسكرية من خلال المنظور الأمريكي. وفي عقل جورج بوش المتأثر بتحليلات المحافظين الجدد، فإن تحويل منطقة الشرق الأوسط عبر القضاء على "الدول المارقة" أصبحت ضرورة لضمان إستقرار المنطقة وأمن الولايات المتحدة الأمريكية بالتلازم مع الأمن الصهيوني.

أن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" يدخل في إطار الرؤية الأمريكية للعالم بعد أحداث 11 سبتمبر2001، التي لم تكن علامة مميزة للشرق الأوسط، بقدر ماكانت كذلك للولايات المتحدة الأمريكية. فالقوة الإمبراطورية العسكرية و السياسية تعطي للولايات المتحدة الأمريكية الوسائل الكافية "لإعادة" رسم خريطة الشرق الأوسط بدلالة أولوياتها: الحرب على الإرهاب. و ليست هذه المرة الأولى التي تبادر الولايات المتحدة الأمريكية إلى القيام بمثل هذا العمل. ففي عام 1978-1979، عقب توقيع إتفاقيات كامب ديفيد، وسقوط نظام الشاه في إيران، وإندلاع الثورة الإسلامية في إيران، والتدخل السوفياتي في أفغانستان لمؤزارة نظام بابرال كرمل، قادت كل هذه العوامل مجتمعة واشنطن إلى إرساء أسس أول مشروع "للشرق الأوسط الكبير" يمتد من مصر إلى افغانستان.

وكان أساس العقد الذي أبرمته الولايات المتحدة مع دول المنطقة مختلفا راديكاليا عن الآن، بما أنه يقوم على مساندة الأنظمة التسلطية مقابل ضمان أمن الكيان الصهيوني، و السيطرة على تدفق النفط. وكانت مصر التي خرجت من دائرة الصراع العربي الصهيوني، هي المستفيدة الكبيرة من هذه السياسة الأمريكية، حين حصلت على بضعة مليارات من الدولارات سنويا. وذلك لا يزال صحيحا دائما إلى اليوم. وقد مكن هذا الدعم المالي الخارجي القاهرة من تأخير الإصلاحات الاقتصادية العميقة.

ويزعم الرئيس بوش أن تلك المرحلة قد ولت. و لكن عقدين من المساندة العمياء تركا غالبية البلدان العربية تتخندق في جمودية قاتلة تدفع ثمنه الآن من تأخر تاريخي، ما انفكت المؤسسا ت الدولية التي وضعت تقرير "التنمية الإنسانية العربية" تركز على ضرورة أن ينبع الإصلاح في البلدان العربية من داخلها. هي الصيغة التي يتبناها تقرير "التنمية الإنسانية العربية" في طرح رؤى استراتيجية لإقامة التنمية الإنسانية في البلدان العربية. وتبين أي قراءة أمينة لتقرير "التنمية الإنسانية العربية" أنه لم يضع في حسبانه إلا مصلحة الوطن العربي، تأكيداً على أن الحرمان من حقوق الإنسان يهدد التنمية الإنسانية ومع التركيز على أن الاحتلال "الإسرائيلي "هو من أكثر معوقات التنمية الإنسانية استشراء في البلدان العربية. وليس أدل على نفاق واضعي المشروع في هذا الصدد من أن الإدارة الأميركية وهي تستند إلى تقرير "التنمية الإنسانية العربية" في محاولة التحلي بصدقية تفتقدها، تعمل على إهدار تقرير "التنمية الإنسانية العربية" الثالث، الذي كان مخططاً صدوره في الخريف المقبل، هذا في حين يركز هذا التقرير، على أحد المحاور الأساسية المدعاة للمشروع، ألا وهو توسيع نطاق الحرية وإقامة الحكم الصالح في البلدان العربية. قامت الإدارة الأميركية بخفض دعمها السنوي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن الحد الذي أقره الكونغرس الأميركي في موازنة العام المقبل بمبلغ كبير احتجاجاً على ما تضمنه تقرير "التنمية الإنسانية العربية" من انتقاد شديد لاحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية ولسلوك الإدارة الأميركية الحالية ذاتها في دعمه وفي غزو العراق واحتلاله. وتتجلى خسة موقف الإدارة الأميركية هذا في أن الخفض الذي أدخلته على مخصصات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعني عقاب أفقر الفقراء في البلدان النامية.

1- مشروع "الشرق الأوسط الكبير" مجال حيوي »لإسرائيل« كإمبريالية فرعية

يعرف مصطلح الشرق الأوسط تاريخياً بثلاث محددات رئيسية، أولاً : بما عرفت به المسألة الشرقية منذ القرن السابع عشر حيث أن الشرق الأوسط فرع منها من أنها نزاع شديد بين السلطة العثمانية التي استأثرت بالسلطة في الماضي، وعقدت النية على الاستئثار بها في المستقبل أيضاً مع جهلها وتخلفها من جهة. والأمة العربية التي تطلب المساواة باسم الحق والقانون والقوة من جهة أخرى، وثانياً، بانتقال المسألة الشرقية تدريجياً إلى قلب استراتيجيات الأمم الأوروبية الرأسمالية الصاعدة واهتمام أوروبا الاستعمارية بالنزاع العربي التركي، ودخولها فيه في أواخر القرن التاسع عشر، وفي مطلع القرن العشرين مداً لأطماعها الاستعمارية، وتحقيقاً لأمانيها المتناقضة، وقد شهدت البنى الاقتصادية والاجتماعية في المشرق العربي تبدلات حقيقية في القرن التاسع عشر، كانت بمنزلة الحد التاريخي الفاصل بين عصرين، القرون الوسطى والعصر الكولونيالي الحديث. وثالثاً الذي بدأ مع حملة نابليون على مصر في العام 1798، واكتمل مع التقسيم الإمبريالي بين الفرنسيين والانكليز للشرق العربي إلى مناطق للإنتداب والنفوذ عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، وتحقق مشروع الحركة الصهيونية العالمية إلى واقع قائم من خلال اقتطاع ارض فلسطين، وقيام الكيان الصهيوني على ارضها.

ولا شك أن قيام الكيان الصهيوني قد أحدث من منظور الجغرافيا السياسية قطيعتين على حد قول الدكتور جورج قرم في كتابه عن الشرق الأوسط: أولاً من مفهوم "المشرق" الذي كان يسمى المنطقة في الحقبة الكولونيالية، وثانياً مع مفهوم "العالم العربي" الذي فرض نفسه في المجال التداولي في الحقبة الاستقلالية، ومع أن المدى الجغرافي لمصطلح "الشرق الأوسط" يتخطى بكثير المنطقة الإقليمية للصراع العربي الصهيوني، فقد جرى تعميد الأزمة المفتوحة التي دشنها قيام الدولة العبرية باسم "أزمة الشرق الأوسط" حصراً.

إذا كان الشرق الأوسط يعتبر من أعرق بؤر الحضارة في العالم، وأعظم ممر للهجرات كما للفتوحات، فإن أكثر ما يميز تاريخه منذ أن ظهرت المسألة الشرقية إلى الوجود متزامنة مع المرحلة الرومانسية للاستعمار الأوروبي، ومع بداية فرض الهيمنة الإمبريالية الأميركية على العالم في أعقاب ثورة التحرر الوطني التي اجتاحت البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد أن أصبح الكيان الصهيوني أمراً واقعاً متجسداً في دولة عميلة، ركيزة للإمبريالية الأميركية بل قوة محلية أو إمبريالية فرعية، هو أن المشرق العربي (أو ما اصطلح على تسميته في المدارس الغربية باسم الشرق الأوسط) يمثل نظاماً سياسياً يحتوي على قسمات مشتركة لأنظمة الحكم المختلفة فيه ومخترقاً اختراقاً كاملاً من جانب القوى الإمبريالية الغربية، وعلى رأسها الإمبريالية الأميركية، وتابعاً لدول المراكز الرأسمالية الغربية في شكل الأعراض المرضية للمسألة الشرقية، كما شخصها لنا كارليون بروان على النحو التالي: حيث يتميز النظام السياسي المخترق بأربع خصائص:

 الأولى، وتتميز بأن القوة أو القوى الإمبريالية الخارجية لا تقوم بالحاقه بنظامها السياسي بالكامل ولكنها لا تتركه يفلت من قبضتها الخانقة ابداً.

 الثانية، وفيها يعيش النظام السياسي المخترق في مجابهة مستمرة متصلة (وربما يومية) مع القوة أو القوى الإمبريالية المهيمنة.

الثالثة، وفيها تختلط القضايا المحلية والقومية بعضها ببعض وبحيث لا يفهم النظام السياسي للمجتمع المخترق ( حتى على المستوى المحلي ) دون الرجوع إلى القوة أو القوى الإمبريالية الخارجية المهيمنة.

 الرابعة، وفيها يكون النظام السياسي المخترق عبارة عن لعبة سياسية تلعبها القوى الاجتماعية و الإقليمية والدولية في تحالفات متبدلة متغيرة.

ولقد تعزز الاختراق الإمبريالي الأميركي للمشرق العربي مع قيام الدولة الصهيونية، وولادة مولود جديد أصبح يسمى الأمن الصهيوني كلازمة للأمن الأميركي، وتزايد أخطار الكيان الصهيوني مع تنمية قواه التي تأتي ضمن اطار التحول النوعي في العلاقات الاستراتيجية بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي دوره في المخطط الأميركي في المنطقة العربية بشكل رئيس بعد إحتلال العراق، وضمن إطار حشد قوى الحركة الصهيونية العالمية التي افسحت لها اتفاقيات كامب ديفيد في المجال فرصة تاريخية مهمة جداً لتحقيق هدفها الرئيس الا وهو تثبيت قاعدة الكيان الصهيوني واستثمار مواقع وعلاقات وخبرات اليهود في العالم عامة لتمكينه عن طريق الانخراط والتغلغل أن يصبح جزءاً من المنطقة العربية أولاً، ثم على السيطرة على مقدراتها والتحكم في ثرواتها من خلال بناء "السوق الشرق الأوسطية" ثانياً.

وفي الحقيقة التاريخية فإن إقامة مشروع "الشرق الأوسط الكبير" تأتي ضمن ثوابت الاستراتيجية الأميركية التي تخوض معركة التغلغل والسيطرة على الوطن العربي بأساليب مختلفة، أولهما ضمان أمن وتفوق الكيان الصهيوني نوعياً بفضل المساعدات السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية التي قدمتها وتقدمها الحكومات الأميركية المتعاقبة، وثانيهما ضمان التدفق الحر لنفط الشرق الأوسط بأسعار معقولة، تأتي أيضاً ضمن الميثاق الوطني التاريخي لمطامع وتطلعات الحركة الصهيونية العالمية في الوطن العربي. وإذا كانت ثمة قيود على المطامع الإقليمية للحركة الصهيونية، فإن لا حدود لمطامعها الاقتصادية. فالتطلعات الاقتصادية الصهيونية إلى السيطرة على ثروات العالم العربي وخيراته ومصادره الطبيعية وطاقاته البشرية وتسخيرها في خدمة الأهداف الصهيونية، لم تكن وليدة الساعة، ولا وليد المسار الذي بدأ بزيارة السادات للقدس. فهذه التطلعات ولدت مع الحركة الصهيونية، بل قامت عليها، وهي ملازمة أيضاً لطبيعة الكيان الصهيوني الذي لا يستطيع البقاء إلا بتوفير الرقعة الاقتصادية الأوسع على حساب العالم العربي طبعاً.

ان بناء مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، برضى ودعم أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية، يمثل شحنات إضافية جديدة للكيان الصهيوني في زيادة تنمية قوته وقدراته، وقوام هذه السوق الشرق أوسطية هي توزيع النفوذ والهيمنة بين التكتلات الاقتصادية العملاقة (أميركا اليابان -، وأوروبا الغربية) ومع الاحتفاظ بالمركز الأول للولايات المتحدة الأميركية بحكم ما تستأثره من تفوق مطلق في القوة العسكرية والهيمنة السياسية و الاقتصادية على المنطقة العربية وبين الكيان الصهيوني الذي اصبح يحتل المركز الأول المتفوق على الصعيد الإقليمي، باعتباره كياناً قائماً على ازدواجية ما بين كونه أداة وقوة ضرب وتدخل سريع تعمل لحساب الإمبريالية الأميركية ذات المصلحة بالتحالف الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني، وبين كونه كياناً استيطانياً عنصرياً قائماً بذاته على أساس التوسع والعدوان، وتفتيت كيان الأمة العربية، وإثارة كل أشكال التناقضات الكامنة فيها، وخلق كيانات للطوائف والمجموعات الأثنية، وإعادة تشكيل خريطة الوطن العربي، " له أطماعه ونواياه الخاصة التي تتوخى في النهاية بناء قوة ذاتية قادرة، هو ذاته النموذج الذي يقوم عليه التخطيط الإسرائيلي الاقتصادي للعاجل والأجل.

إن الكيان الصهيوني يعتمد بشكل رئيس على الأموال والمعونات الاقتصادية الخارجية، والمساعدات الأميركية في الدرجة الأولى، التي تهدف من خلالها، تقوية أمن أميركا القومي، وتأكيد مكانتها كقوة عظمى قائدة للعالم خصوصاً في ظل ما يسمى "النظام الدولي الجديد" والوصول إلى أسواق الوطن العربي، ومصادر النفط الحيوية في منطقة الشرق الأوسط، وضمان وصوله إلى "العالم الحر"، وحماية أمن الكيان الصهيوني ومساعدتها له للحفاظ على تفوقه العسكري والتكنولوجي النوعي على باقي البلدان العربية، وتأمين رفاهيته الاقتصادية. لكن الكيان الصهيوني منذ النتائج الكارثية لحرب الخليج الثانية، واسقاطاتها المدمرة على مسار التسوية للصراع العربي الصهيوني، وإحتلال العراق، و التبشير الجديد لمشروع" الشرق الأوسط الكبير"أوسطية، كإحدى رهانات المستقبل للمنطقة، وإعادة تشكيل العقل العربي من خلال الكتب والندوات العلمية والصحافة والترويج السياسي، لكي تصبح هذه الفكرة الشرق أوسطية قوة مادية مؤثرة في الرأي العام، باعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات مستقبل هذه المنطقة، أن لم نقل هي المستقبل بذاته، بحسب ادعاء هؤلاء المروجين الجدد، هذا الكيان أصبح الآن يطمح إلى أن يحل محل مرحلة المساعدات من مليارات الدولارات الأميركية، التي يقوم دافعوا الضرائب الأميركيين بتحمل أعبائها، مرحلة جديدة يصبح فيها امتداداً للشركات المتعددة الجنسية، من خلال هذا الارتباط العضوي، لبناء اقتصاد قوي قادر على تحقيق النمو بالاعتماد على الذات، وذلك من أجل التغلب على العقبات والمشكلات الهيكلية التي تعتري الاقتصاد الصهيوني.

2-مشروع "الشرق –الأوسط الكبير" أو التصورات الأمريكية الصهيونية " لاقتصاد السلام"

قبل الحديث عن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" في مراحل تكوينه الأولى، علينا أن نحدد المفهوم الإقليمي للشرق أوسط باعتباره لازمة النظام السياسي الإقليمي لهذه المشروع، إذ أن فكرة السوق الشرق أوسطية كظاهرة سياسية تتطلب تحليلها في بعديها المكاني والزمني، وفي بعدها الدولي. ونبدأ بالتسميات أولاً يطلق الغرب الرأسمالي الاستعماري والإمبريالي على الوطن العربي اسم "العالم العربي" وذلك في نظرته التفكيكية، والابدالية، والاستملاكية، والاقتلاعية للعرب، على الرغم من معرفته بأن العرب يشكلون أمة واحدة، وشعباً واحداً يعيش على امتداد مساحة جغرافية واحدة، ويتكلم لغة عربية، ويعبد في غالبيته العظمى ديناً اسلامياً توحيدياً، وهويته هي الهوية العربية الإسلامية، أما المشرق العربي فيسميه عنده " الشرق الأوسط "، والتسمية أتت من دائرة المعارف الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، ويتألف من ثلاثة أجسام : جسم جغرافي يمتد على مساحة (7.200.000) كيلو متر مربع، وجسم بشري يشمل 240 مليون نسمة وجسم عرقي أو لغوي بالأحرى يتألف من ثلاث ارومات كبرى : سامية وأرية وافريقية بالاضافة إلى اقليات اثنية وقومية مثل الأكراد والأرمن.

وفي سياق الطرح القديم – الجديد لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" لا يبدو أن الإدارة الأمريكية قد حددت بشكل نهائي قائمة هذه المجموعة البشرية التي تمتد من" المغرب حتى باكستان". وهناك عدد من الدول يمكن أن يتم حسبانها بطريقة مؤكدة. فمن الغرب إلى الشرق تضم منطقة "الشرق الأوسط الكبير" البلدان التالية: المغرب- موريتانيا- الجزائر- تونس- ليبيا-مصر السودان –– لبنان سورية الأردن مناطق السلطة الفلسطينية- العراق البحرين الامارات العربية المتحدة اليمن عمان- قطر-الكويت السعودية- إيران. إلى جانب هذه القائمة من البلدان العربية يجب إضافة: تركيا الكيان الصهيوني-باكستان- أفغانستان.

ويرفض الأوروبيون إقحام أفغانستان وباكستان في هذه القائمة لأن هذين البلدين لا ينتميان إلى منطقة الشرق الأوسط وفق التعريف التقليدي الغربي. وإجمالا يبلغ التعداد السكاني "للشرق الأوسط الكبير" نحو 587 مليون نسمة، أي ما يعادل 9،4% من سكان العالم. وفضلا عن ذلك، عندما يتم التحدث عن "الشرق الأوسط الكبير" تثار أيضا مسألة جمهوريات آسيا الوسطى – أذريبجان-تركمانستان-أوزباكستان –كيرغيزستان- وكازاخستان نظرا لأهميتها الإستراتيجية على صعيد ثرواتها النفطية. بيد أن هذا الأمر يصبح حساسا لأنه يمدد مجال "الشرق الأوسط الكبير" إلى منطقة النفوذ المباشر لروسيا.

وإذا كان أكثر من 9% من سكان الكرة الأرضية يعيشون في منطقة "الشرق الأوسط الكبير"، إلا أنها لا تنتج بالكاد 4% من الثروة الإجمالية العالمية. وتتمثل البلدان ذات "الوزن الثقيل" بتركيا، والعربية السعودية، وإيران، ومصر، والكيان الصهيوني. فهذه البلدان الخمسة تنتج لوحدها أكثر من 60% من الناتج الداخلي الإجمالي لكل المنطقة. "فالشرق الأوسط الكبير" يتسم بضعف اندماجه في الاقتصاد العالمي، إذ أن هناك تسع بلدان فيه لا تنتمي إلى منظمة التجارة العالمية، وهي: الجزائر، أفغانستان، العربية السعودية، ليبيا، إيران، سوريا، اليمن، لبنان، والعراق. وحسب دراسة أعدها البنك الدولي في عام 2003، فإن هذه المنطقة تظل دون مستوى قدراتها التجارية. فالصادرات خارج الهيدروكاربور يمكن أن تتضاعف ثلاث مرات، أما الواردات فتتحدد بمستوى أقل مرتين من المستوى الذي هي عليه البلدان المشابهة.

ويظل الفقر المشكل الرئيس الذي تواجهه البلدان غير النفطية. فهناك 30% من سكان المغرب العربي والمشرق العربي يعيشون بأقل من دولارين في اليوم الواحد، حسب إحصاءات البنك الدولي. وهو معدل مرتفع بالقياس إلى منطقة مصنفة عالميا في صفوف المناطق ذات الدخول المتوسطة. وفيما يتعلق بنسبة السكان التي تعيش تحت خط الفقر، فإن النسبة تصل إلى 33% في اليمن، و23% في مصر، و19% في المغرب، و14% في الجزائر، و8% في تونس. وبصرف النظر عن الإدراك العام، الذي يقول أن البلدان العربية هي غنية بسبب الطفرة النفطية في نهاية القرن العشرين، إلا أن الناتج القومي الإجمالي كان بنحو 604 مليار دولار، أي ما يعادل الناتج الوطني الإجمالي لبلد مثل إسبانيا في المرحلة عينها، حسب تقرير "التنمية الإنسانية العربية".

إلى جانب بلدان الخليج، وبلدان أخرى منتجة للنفط (ليبيا، العراق، الجزائر)، توجد البلدان العربية الأخرى الزراعية، التي ازدادت فقرا، بسبب وضعها في كماشة بين نمو ديموغرافي متصاعد و نمو إقتصادي معاق بسبب نقص المنافسة، و ضعف النسيج الصناعي والتكنولوجي. وكانت النتيجة كارثية، إذ بلغ معدل البطالة في الكويت و الإمارات العربية المتحدة نحو 3%، وارتفع في المغرب والجزائر إلى أكثر من 35%، ووصل حاليا في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى 50%.

بالنسبة للبنك الدولي التحدي لا سابق له. وإذاإنطلقنا من قاعدة أن المعدل الوسطي للبطالة في الوطن العربي هو 15%، فإن ذلك يرتب عليه خلق 90 مليون فرصة عمل خلال العشرين سنة المقبلة، أي ما يعادل ضعف النسبة خلال المرحلة الممتدة من 1950 ولغاية 2000. ومن هذه النقطة يجب الإنطلاق لتخفيف عدم المساواة الإضافية التي ظهرت في عقد التسعينات عندما أصبح الشباب (خاصة حاملي الشهادات الجامعي