مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

محــور العـدد  

"الشرق الأوسط الكبير"
 والهيمنة الاقتصادية الأمريكية - الصهيونية


 

بقلم توفيق المديني

تشكل جريمة اغتيال القائد المؤسس والزعيم الروحي لحركة حماس الشيخ أحمد ياسين من قبل الجيش الصهيوني، وبإشراف مباشر من جانب مجرم الحرب آرييل شارون صبيحة يوم 22 مارس الماضي، مظهرا جديدا من مظاهر مبادرة "الشرق الأوسط الكبير” التي تنطلق كسابقتها “الشرق أوسطية” من ضرورة تصفية الصراع العربي- الصهيوني، وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية، كأساس لإغلاق ملفات الجغرافيا السياسية المفتوحة وصراعاتها الموروثة من القرن العشرين، لتستبدل بها ملفات الجغرافيا الاقتصادية القائمة على أنماط التعاون والتكتل وتدعيم النزعة العالمية المفترض كونها روحا للقرن الحادي والعشرين. فمبادرة الرئيس بوش تستهدف بالدرجة الرئيسة تأمين حماية الأمن الأمريكي بالتلازم مع الأمن الصهيوني، و القضاء على ماتسميه الإدارة الأمريكية بؤر الإرهاب، الذي يدخل في سياق تحقيق الهيمنة الأمريكية وتلبية مطالب المجمع الصناعي العسكري، وضمان التفوق الصهيوني الحاسم على الدول العربية، ونزع عقيدة القومية العربية في الوطن العربي.

ويستند مشروع "الشرق الأوسط الكبير" في عدد من فقراته إلى تقريري التنمية الإنسانية العربية في العامين 2002 و2003، فضلا عن أن الإدارة الأمريكية تعتبره عملية انتقال من مرحلة الجغرافيا السياسية بكل صراعاتها إلى الجغرافيا الاقتصادية بكل ركائزها ومعطياتها ما يفرض ضرورة تصفية الصراع العربي- الصهيوني، وإشاعة روح ما يسمى السلام كما تفهمه الولايات المتحدة، باعتباره مفتاحا لمرحلة أعلى في الجغرافيا السياسية تستطيع من خلالها اغتنام الفرص السانحة دوليا وإقليميا لتحقيق المزيد من السيطرة الأمريكية وفرض الإرادة الصهيونية على النحو الذي يدفع العالم العربي في النهاية إلى التسليم لهما بمطالبهما في الاستقرار، ولكن من داخل فضاء التنمية التابعة وليس المستقلة، والتهادنية السياسية وليس الديمقراطية.

ومهما يكن من أمر مبادرة "الشرق الأوسط الكبير" الذي وضعته الإدارة الأميركية، فإن الرئيس الأمريكي جورج بوش يريد تحديث "الشرق الأوسط الكبير"على أساس تقارير التنمية الإنسانية التي أصدرتها المؤسسات الدولية عن العالم العربي. وهذه التقارير جرت كتابتها في العامين 2002 و2003 من جانب علماء المنطقة أنفسهم. وستكون المبادرة الأميركية في قلب المناقشات التي يجريها الثمانية الكبار في "سي أيلاند"، في ولاية "جورجيا"، الولايات المتحدة في حزيران المقبل، وسيطلب اعتمادها من قبل القمة.. وتشي الفترة القصيرة المتاحة للنظر في المشروع الأمريكي بقلة فرصة إدخال تعديلات جوهرية عليه من شركاء الولايات المتحدة في مجموعة الثماني، ناهيك بالدول والشعوب موضوع المشروع.ويعود الاستعجال، على ما يبدو، إلى استخفاف الإدارة الأميركية بجميع الأطراف المعنية. الأمر الذي يعد تعبيراً مجدداً عن عقلية التعالي التي تبديها الإدارة الأميركية الحالية تجاه بقية العالم، حيث أصبحت تتصرف وكأنها تستبد بمصائر الدول والشعوب في العالم أجمع.

إن مشروع" الشرق الأوسط الكبير" يعني عودة الولايات المتحدة إلى إستخدام السياسات الإستعمارية القديمة - الجديدة ذاتها، التي كانت مستعملة من قبل القوى الإستعمارية الأوروبية، والتي تتعارض مع مطامح وآمال شعوب المنطقة أنفسها. ولا يزال هذا المشروع يواجه التحديات، لأنه ظهر تحت نجم وشعار أميركي. وقد بادر كاتبو التقارير أنفسهم إلى نقد المقاربة الأميركية نقداً قاسياً، باعتبار أن الولايات المتحدة لا تتمتع بأي صدقية في المنطقة العربية، وتغطية مبادرتها بالتقارير، سوف يسيء إلى عمليات الإصلاح بالعالم العربي في المدى الطويل، ولا يعد ذلك بالنجاح.وأخيراً وليس آخراً لن ينجح مشروع "الشرق الأوسط الكبير"؛ ما لم يكن هناك حل عادل للقضية الفلسطينية، وما لم ترحل القوات الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط دون قيد أو شرط.

لا شك أن الإدارة الأميركية الراهنة تعمل على استغلال المشروع في دعم فرص الرئيس الأميركي الراهن في معركة الرئاسة المقبلة من ناحية أخرى. ويخص المشروع البلدان العربية إضافة إلى باكستان وأفغانستان وايران وتركيا وإسرائيل. والواضح أن المفهوم الأميركي للشرق الأوسط الكبير يضم الدول الإسلامية الأساسية التي تدمغها الإدارة الأميركية، في ظل تشدد "المحافظين الجدد"، باعتبارها منابع "الإرهاب" الذي شرعت تحاربه منذ أحداث أيلول (سبتمبر) 2001. إن مشروع "الشرق الأوسك الكبير" الذي تمتد حدوده من المغرب إلى باكستان يثير الرعب والفزع في دول المنطقة، لأنه يملي عليها الإصلاح من الخارج ومن طرف واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية. فطروحات هذا المشروع تقوم على تكريس الاقتصاد الحر والديمقراطية ومحاربة الفقر والحصول على حقوق المرأة إلى آخر ذلك من الشعارات التي ترفع ويتحقق عكسها تماماً على الأرض. وفي الواقع إنه مشروع الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعد اتمام الهيمنة السياسية و العسكرية من خلال المنظور الأمريكي. وفي عقل جورج بوش المتأثر بتحليلات المحافظين الجدد، فإن تحويل منطقة الشرق الأوسط عبر القضاء على "الدول المارقة" أصبحت ضرورة لضمان إستقرار المنطقة وأمن الولايات المتحدة الأمريكية بالتلازم مع الأمن الصهيوني.

أن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" يدخل في إطار الرؤية الأمريكية للعالم بعد أحداث 11 سبتمبر2001، التي لم تكن علامة مميزة للشرق الأوسط، بقدر ماكانت كذلك للولايات المتحدة الأمريكية. فالقوة الإمبراطورية العسكرية و السياسية تعطي للولايات المتحدة الأمريكية الوسائل الكافية "لإعادة" رسم خريطة الشرق الأوسط بدلالة أولوياتها: الحرب على الإرهاب. و ليست هذه المرة الأولى التي تبادر الولايات المتحدة الأمريكية إلى القيام بمثل هذا العمل. ففي عام 1978-1979، عقب توقيع إتفاقيات كامب ديفيد، وسقوط نظام الشاه في إيران، وإندلاع الثورة الإسلامية في إيران، والتدخل السوفياتي في أفغانستان لمؤزارة نظام بابرال كرمل، قادت كل هذه العوامل مجتمعة واشنطن إلى إرساء أسس أول مشروع "للشرق الأوسط الكبير" يمتد من مصر إلى افغانستان.

وكان أساس العقد الذي أبرمته الولايات المتحدة مع دول المنطقة مختلفا راديكاليا عن الآن، بما أنه يقوم على مساندة الأنظمة التسلطية مقابل ضمان أمن الكيان الصهيوني، و السيطرة على تدفق النفط. وكانت مصر التي خرجت من دائرة الصراع العربي الصهيوني، هي المستفيدة الكبيرة من هذه السياسة الأمريكية، حين حصلت على بضعة مليارات من الدولارات سنويا. وذلك لا يزال صحيحا دائما إلى اليوم. وقد مكن هذا الدعم المالي الخارجي القاهرة من تأخير الإصلاحات الاقتصادية العميقة.

ويزعم الرئيس بوش أن تلك المرحلة قد ولت. و لكن عقدين من المساندة العمياء تركا غالبية البلدان العربية تتخندق في جمودية قاتلة تدفع ثمنه الآن من تأخر تاريخي، ما انفكت المؤسسا ت الدولية التي وضعت تقرير "التنمية الإنسانية العربية" تركز على ضرورة أن ينبع الإصلاح في البلدان العربية من داخلها. هي الصيغة التي يتبناها تقرير "التنمية الإنسانية العربية" في طرح رؤى استراتيجية لإقامة التنمية الإنسانية في البلدان العربية. وتبين أي قراءة أمينة لتقرير "التنمية الإنسانية العربية" أنه لم يضع في حسبانه إلا مصلحة الوطن العربي، تأكيداً على أن الحرمان من حقوق الإنسان يهدد التنمية الإنسانية ومع التركيز على أن الاحتلال "الإسرائيلي "هو من أكثر معوقات التنمية الإنسانية استشراء في البلدان العربية. وليس أدل على نفاق واضعي المشروع في هذا الصدد من أن الإدارة الأميركية وهي تستند إلى تقرير "التنمية الإنسانية العربية" في محاولة التحلي بصدقية تفتقدها، تعمل على إهدار تقرير "التنمية الإنسانية العربية" الثالث، الذي كان مخططاً صدوره في الخريف المقبل، هذا في حين يركز هذا التقرير، على أحد المحاور الأساسية المدعاة للمشروع، ألا وهو توسيع نطاق الحرية وإقامة الحكم الصالح في البلدان العربية. قامت الإدارة الأميركية بخفض دعمها السنوي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن الحد الذي أقره الكونغرس الأميركي في موازنة العام المقبل بمبلغ كبير احتجاجاً على ما تضمنه تقرير "التنمية الإنسانية العربية" من انتقاد شديد لاحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية ولسلوك الإدارة الأميركية الحالية ذاتها في دعمه وفي غزو العراق واحتلاله. وتتجلى خسة موقف الإدارة الأميركية هذا في أن الخفض الذي أدخلته على مخصصات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعني عقاب أفقر الفقراء في البلدان النامية.

1- مشروع "الشرق الأوسط الكبير" مجال حيوي »لإسرائيل« كإمبريالية فرعية

يعرف مصطلح الشرق الأوسط تاريخياً بثلاث محددات رئيسية، أولاً : بما عرفت به المسألة الشرقية منذ القرن السابع عشر حيث أن الشرق الأوسط فرع منها من أنها نزاع شديد بين السلطة العثمانية التي استأثرت بالسلطة في الماضي، وعقدت النية على الاستئثار بها في المستقبل أيضاً مع جهلها وتخلفها من جهة. والأمة العربية التي تطلب المساواة باسم الحق والقانون والقوة من جهة أخرى، وثانياً، بانتقال المسألة الشرقية تدريجياً إلى قلب استراتيجيات الأمم الأوروبية الرأسمالية الصاعدة واهتمام أوروبا الاستعمارية بالنزاع العربي التركي، ودخولها فيه في أواخر القرن التاسع عشر، وفي مطلع القرن العشرين مداً لأطماعها الاستعمارية، وتحقيقاً لأمانيها المتناقضة، وقد شهدت البنى الاقتصادية والاجتماعية في المشرق العربي تبدلات حقيقية في القرن التاسع عشر، كانت بمنزلة الحد التاريخي الفاصل بين عصرين، القرون الوسطى والعصر الكولونيالي الحديث. وثالثاً الذي بدأ مع حملة نابليون على مصر في العام 1798، واكتمل مع التقسيم الإمبريالي بين الفرنسيين والانكليز للشرق العربي إلى مناطق للإنتداب والنفوذ عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، وتحقق مشروع الحركة الصهيونية العالمية إلى واقع قائم من خلال اقتطاع ارض فلسطين، وقيام الكيان الصهيوني على ارضها.

ولا شك أن قيام الكيان الصهيوني قد أحدث من منظور الجغرافيا السياسية قطيعتين على حد قول الدكتور جورج قرم في كتابه عن الشرق الأوسط: أولاً من مفهوم "المشرق" الذي كان يسمى المنطقة في الحقبة الكولونيالية، وثانياً مع مفهوم "العالم العربي" الذي فرض نفسه في المجال التداولي في الحقبة الاستقلالية، ومع أن المدى الجغرافي لمصطلح "الشرق الأوسط" يتخطى بكثير المنطقة الإقليمية للصراع العربي الصهيوني، فقد جرى تعميد الأزمة المفتوحة التي دشنها قيام الدولة العبرية باسم "أزمة الشرق الأوسط" حصراً.

إذا كان الشرق الأوسط يعتبر من أعرق بؤر الحضارة في العالم، وأعظم ممر للهجرات كما للفتوحات، فإن أكثر ما يميز تاريخه منذ أن ظهرت المسألة الشرقية إلى الوجود متزامنة مع المرحلة الرومانسية للاستعمار الأوروبي، ومع بداية فرض الهيمنة الإمبريالية الأميركية على العالم في أعقاب ثورة التحرر الوطني التي اجتاحت البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد أن أصبح الكيان الصهيوني أمراً واقعاً متجسداً في دولة عميلة، ركيزة للإمبريالية الأميركية بل قوة محلية أو إمبريالية فرعية، هو أن المشرق العربي (أو ما اصطلح على تسميته في المدارس الغربية باسم الشرق الأوسط) يمثل نظاماً سياسياً يحتوي على قسمات مشتركة لأنظمة الحكم المختلفة فيه ومخترقاً اختراقاً كاملاً من جانب القوى الإمبريالية الغربية، وعلى رأسها الإمبريالية الأميركية، وتابعاً لدول المراكز الرأسمالية الغربية في شكل الأعراض المرضية للمسألة الشرقية، كما شخصها لنا كارليون بروان على النحو التالي: حيث يتميز النظام السياسي المخترق بأربع خصائص:

 الأولى، وتتميز بأن القوة أو القوى الإمبريالية الخارجية لا تقوم بالحاقه بنظامها السياسي بالكامل ولكنها لا تتركه يفلت من قبضتها الخانقة ابداً.

 الثانية، وفيها يعيش النظام السياسي المخترق في مجابهة مستمرة متصلة (وربما يومية) مع القوة أو القوى الإمبريالية المهيمنة.

الثالثة، وفيها تختلط القضايا المحلية والقومية بعضها ببعض وبحيث لا يفهم النظام السياسي للمجتمع المخترق ( حتى على المستوى المحلي ) دون الرجوع إلى القوة أو القوى الإمبريالية الخارجية المهيمنة.

 الرابعة، وفيها يكون النظام السياسي المخترق عبارة عن لعبة سياسية تلعبها القوى الاجتماعية و الإقليمية والدولية في تحالفات متبدلة متغيرة.

ولقد تعزز الاختراق الإمبريالي الأميركي للمشرق العربي مع قيام الدولة الصهيونية، وولادة مولود جديد أصبح يسمى الأمن الصهيوني كلازمة للأمن الأميركي، وتزايد أخطار الكيان الصهيوني مع تنمية قواه التي تأتي ضمن اطار التحول النوعي في العلاقات الاستراتيجية بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي دوره في المخطط الأميركي في المنطقة العربية بشكل رئيس بعد إحتلال العراق، وضمن إطار حشد قوى الحركة الصهيونية العالمية التي افسحت لها اتفاقيات كامب ديفيد في المجال فرصة تاريخية مهمة جداً لتحقيق هدفها الرئيس الا وهو تثبيت قاعدة الكيان الصهيوني واستثمار مواقع وعلاقات وخبرات اليهود في العالم عامة لتمكينه عن طريق الانخراط والتغلغل أن يصبح جزءاً من المنطقة العربية أولاً، ثم على السيطرة على مقدراتها والتحكم في ثرواتها من خلال بناء "السوق الشرق الأوسطية" ثانياً.

وفي الحقيقة التاريخية فإن إقامة مشروع "الشرق الأوسط الكبير" تأتي ضمن ثوابت الاستراتيجية الأميركية التي تخوض معركة التغلغل والسيطرة على الوطن العربي بأساليب مختلفة، أولهما ضمان أمن وتفوق الكيان الصهيوني نوعياً بفضل المساعدات السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية التي قدمتها وتقدمها الحكومات الأميركية المتعاقبة، وثانيهما ضمان التدفق الحر لنفط الشرق الأوسط بأسعار معقولة، تأتي أيضاً ضمن الميثاق الوطني التاريخي لمطامع وتطلعات الحركة الصهيونية العالمية في الوطن العربي. وإذا كانت ثمة قيود على المطامع الإقليمية للحركة الصهيونية، فإن لا حدود لمطامعها الاقتصادية. فالتطلعات الاقتصادية الصهيونية إلى السيطرة على ثروات العالم العربي وخيراته ومصادره الطبيعية وطاقاته البشرية وتسخيرها في خدمة الأهداف الصهيونية، لم تكن وليدة الساعة، ولا وليد المسار الذي بدأ بزيارة السادات للقدس. فهذه التطلعات ولدت مع الحركة الصهيونية، بل قامت عليها، وهي ملازمة أيضاً لطبيعة الكيان الصهيوني الذي لا يستطيع البقاء إلا بتوفير الرقعة الاقتصادية الأوسع على حساب العالم العربي طبعاً.

ان بناء مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، برضى ودعم أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية، يمثل شحنات إضافية جديدة للكيان الصهيوني في زيادة تنمية قوته وقدراته، وقوام هذه السوق الشرق أوسطية هي توزيع النفوذ والهيمنة بين التكتلات الاقتصادية العملاقة (أميركا اليابان -، وأوروبا الغربية) ومع الاحتفاظ بالمركز الأول للولايات المتحدة الأميركية بحكم ما تستأثره من تفوق مطلق في القوة العسكرية والهيمنة السياسية و الاقتصادية على المنطقة العربية وبين الكيان الصهيوني الذي اصبح يحتل المركز الأول المتفوق على الصعيد الإقليمي، باعتباره كياناً قائماً على ازدواجية ما بين كونه أداة وقوة ضرب وتدخل سريع تعمل لحساب الإمبريالية الأميركية ذات المصلحة بالتحالف الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني، وبين كونه كياناً استيطانياً عنصرياً قائماً بذاته على أساس التوسع والعدوان، وتفتيت كيان الأمة العربية، وإثارة كل أشكال التناقضات الكامنة فيها، وخلق كيانات للطوائف والمجموعات الأثنية، وإعادة تشكيل خريطة الوطن العربي، " له أطماعه ونواياه الخاصة التي تتوخى في النهاية بناء قوة ذاتية قادرة، هو ذاته النموذج الذي يقوم عليه التخطيط الإسرائيلي الاقتصادي للعاجل والأجل.

إن الكيان الصهيوني يعتمد بشكل رئيس على الأموال والمعونات الاقتصادية الخارجية، والمساعدات الأميركية في الدرجة الأولى، التي تهدف من خلالها، تقوية أمن أميركا القومي، وتأكيد مكانتها كقوة عظمى قائدة للعالم خصوصاً في ظل ما يسمى "النظام الدولي الجديد" والوصول إلى أسواق الوطن العربي، ومصادر النفط الحيوية في منطقة الشرق الأوسط، وضمان وصوله إلى "العالم الحر"، وحماية أمن الكيان الصهيوني ومساعدتها له للحفاظ على تفوقه العسكري والتكنولوجي النوعي على باقي البلدان العربية، وتأمين رفاهيته الاقتصادية. لكن الكيان الصهيوني منذ النتائج الكارثية لحرب الخليج الثانية، واسقاطاتها المدمرة على مسار التسوية للصراع العربي الصهيوني، وإحتلال العراق، و التبشير الجديد لمشروع" الشرق الأوسط الكبير"أوسطية، كإحدى رهانات المستقبل للمنطقة، وإعادة تشكيل العقل العربي من خلال الكتب والندوات العلمية والصحافة والترويج السياسي، لكي تصبح هذه الفكرة الشرق أوسطية قوة مادية مؤثرة في الرأي العام، باعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات مستقبل هذه المنطقة، أن لم نقل هي المستقبل بذاته، بحسب ادعاء هؤلاء المروجين الجدد، هذا الكيان أصبح الآن يطمح إلى أن يحل محل مرحلة المساعدات من مليارات الدولارات الأميركية، التي يقوم دافعوا الضرائب الأميركيين بتحمل أعبائها، مرحلة جديدة يصبح فيها امتداداً للشركات المتعددة الجنسية، من خلال هذا الارتباط العضوي، لبناء اقتصاد قوي قادر على تحقيق النمو بالاعتماد على الذات، وذلك من أجل التغلب على العقبات والمشكلات الهيكلية التي تعتري الاقتصاد الصهيوني.

2-مشروع "الشرق –الأوسط الكبير" أو التصورات الأمريكية الصهيونية " لاقتصاد السلام"

قبل الحديث عن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" في مراحل تكوينه الأولى، علينا أن نحدد المفهوم الإقليمي للشرق أوسط باعتباره لازمة النظام السياسي الإقليمي لهذه المشروع، إذ أن فكرة السوق الشرق أوسطية كظاهرة سياسية تتطلب تحليلها في بعديها المكاني والزمني، وفي بعدها الدولي. ونبدأ بالتسميات أولاً يطلق الغرب الرأسمالي الاستعماري والإمبريالي على الوطن العربي اسم "العالم العربي" وذلك في نظرته التفكيكية، والابدالية، والاستملاكية، والاقتلاعية للعرب، على الرغم من معرفته بأن العرب يشكلون أمة واحدة، وشعباً واحداً يعيش على امتداد مساحة جغرافية واحدة، ويتكلم لغة عربية، ويعبد في غالبيته العظمى ديناً اسلامياً توحيدياً، وهويته هي الهوية العربية الإسلامية، أما المشرق العربي فيسميه عنده " الشرق الأوسط "، والتسمية أتت من دائرة المعارف الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، ويتألف من ثلاثة أجسام : جسم جغرافي يمتد على مساحة (7.200.000) كيلو متر مربع، وجسم بشري يشمل 240 مليون نسمة وجسم عرقي أو لغوي بالأحرى يتألف من ثلاث ارومات كبرى : سامية وأرية وافريقية بالاضافة إلى اقليات اثنية وقومية مثل الأكراد والأرمن.

وفي سياق الطرح القديم – الجديد لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" لا يبدو أن الإدارة الأمريكية قد حددت بشكل نهائي قائمة هذه المجموعة البشرية التي تمتد من" المغرب حتى باكستان". وهناك عدد من الدول يمكن أن يتم حسبانها بطريقة مؤكدة. فمن الغرب إلى الشرق تضم منطقة "الشرق الأوسط الكبير" البلدان التالية: المغرب- موريتانيا- الجزائر- تونس- ليبيا-مصر السودان –– لبنان سورية الأردن مناطق السلطة الفلسطينية- العراق البحرين الامارات العربية المتحدة اليمن عمان- قطر-الكويت السعودية- إيران. إلى جانب هذه القائمة من البلدان العربية يجب إضافة: تركيا الكيان الصهيوني-باكستان- أفغانستان.

ويرفض الأوروبيون إقحام أفغانستان وباكستان في هذه القائمة لأن هذين البلدين لا ينتميان إلى منطقة الشرق الأوسط وفق التعريف التقليدي الغربي. وإجمالا يبلغ التعداد السكاني "للشرق الأوسط الكبير" نحو 587 مليون نسمة، أي ما يعادل 9،4% من سكان العالم. وفضلا عن ذلك، عندما يتم التحدث عن "الشرق الأوسط الكبير" تثار أيضا مسألة جمهوريات آسيا الوسطى – أذريبجان-تركمانستان-أوزباكستان –كيرغيزستان- وكازاخستان نظرا لأهميتها الإستراتيجية على صعيد ثرواتها النفطية. بيد أن هذا الأمر يصبح حساسا لأنه يمدد مجال "الشرق الأوسط الكبير" إلى منطقة النفوذ المباشر لروسيا.

وإذا كان أكثر من 9% من سكان الكرة الأرضية يعيشون في منطقة "الشرق الأوسط الكبير"، إلا أنها لا تنتج بالكاد 4% من الثروة الإجمالية العالمية. وتتمثل البلدان ذات "الوزن الثقيل" بتركيا، والعربية السعودية، وإيران، ومصر، والكيان الصهيوني. فهذه البلدان الخمسة تنتج لوحدها أكثر من 60% من الناتج الداخلي الإجمالي لكل المنطقة. "فالشرق الأوسط الكبير" يتسم بضعف اندماجه في الاقتصاد العالمي، إذ أن هناك تسع بلدان فيه لا تنتمي إلى منظمة التجارة العالمية، وهي: الجزائر، أفغانستان، العربية السعودية، ليبيا، إيران، سوريا، اليمن، لبنان، والعراق. وحسب دراسة أعدها البنك الدولي في عام 2003، فإن هذه المنطقة تظل دون مستوى قدراتها التجارية. فالصادرات خارج الهيدروكاربور يمكن أن تتضاعف ثلاث مرات، أما الواردات فتتحدد بمستوى أقل مرتين من المستوى الذي هي عليه البلدان المشابهة.

ويظل الفقر المشكل الرئيس الذي تواجهه البلدان غير النفطية. فهناك 30% من سكان المغرب العربي والمشرق العربي يعيشون بأقل من دولارين في اليوم الواحد، حسب إحصاءات البنك الدولي. وهو معدل مرتفع بالقياس إلى منطقة مصنفة عالميا في صفوف المناطق ذات الدخول المتوسطة. وفيما يتعلق بنسبة السكان التي تعيش تحت خط الفقر، فإن النسبة تصل إلى 33% في اليمن، و23% في مصر، و19% في المغرب، و14% في الجزائر، و8% في تونس. وبصرف النظر عن الإدراك العام، الذي يقول أن البلدان العربية هي غنية بسبب الطفرة النفطية في نهاية القرن العشرين، إلا أن الناتج القومي الإجمالي كان بنحو 604 مليار دولار، أي ما يعادل الناتج الوطني الإجمالي لبلد مثل إسبانيا في المرحلة عينها، حسب تقرير "التنمية الإنسانية العربية".

إلى جانب بلدان الخليج، وبلدان أخرى منتجة للنفط (ليبيا، العراق، الجزائر)، توجد البلدان العربية الأخرى الزراعية، التي ازدادت فقرا، بسبب وضعها في كماشة بين نمو ديموغرافي متصاعد و نمو إقتصادي معاق بسبب نقص المنافسة، و ضعف النسيج الصناعي والتكنولوجي. وكانت النتيجة كارثية، إذ بلغ معدل البطالة في الكويت و الإمارات العربية المتحدة نحو 3%، وارتفع في المغرب والجزائر إلى أكثر من 35%، ووصل حاليا في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى 50%.

بالنسبة للبنك الدولي التحدي لا سابق له. وإذاإنطلقنا من قاعدة أن المعدل الوسطي للبطالة في الوطن العربي هو 15%، فإن ذلك يرتب عليه خلق 90 مليون فرصة عمل خلال العشرين سنة المقبلة، أي ما يعادل ضعف النسبة خلال المرحلة الممتدة من 1950 ولغاية 2000. ومن هذه النقطة يجب الإنطلاق لتخفيف عدم المساواة الإضافية التي ظهرت في عقد التسعينات عندما أصبح الشباب (خاصة حاملي الشهادات الجامعية) والنساء الضحايا الأوائل للبطالة.و في الوقت الحاضر، يوجد أكثر من 30% من النساء بدون عمل في الجزائر، و يزداد هذا الرقم تصاعديا في الأراضي العربية المحتلة. وإلى حد 90%، لا يوجد الشباب عملا أوليا في مصر، وإلى حد 60% في اليمن والإمارات العربية المتحدة، وإلى حد النصف منهم في الأردن والمغرب. وترافق مع ازدياد البطالة، سيادة الركود في المداخيل والأجور في الشرق الأوسط، إضافة إلى الإنهيارات التي شهدتها البلدان غير المنتجة للنفط.

 و في الوقت عينه، شهدت تحويلات العمال المهاجرين من العملة الصعبة إلى بلدانهم الأصلية إنخفاضا ملحوظا خلال العقدين الأخيرين.و تصل هذه التحويلات إلى 12% من الناتج الوطني الإجمالي في مصر، و من 6%إلى 7% في المغرب، وهذه النسبة قد تم تقسيمها إلى النصف في نهاية الألفية الثانية. إضافة إلى كل ذلك، فإن المساعدات المقدمة إلى البلدان العربية تم تخفيضها أيضا، إذ انتقلت من 8% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي مع بداية الثمانينات إلى 1،5% بعد عشرين سنة من ذلك الوقت.

وفي ظل عدم تناسب الطرائق القديمة لخلق فرص العمل، وضعف الصادرات غير النفطية ( التي بلغت 30 مليون دولار في عام 2000، مقابل 200 مليون دولار لشرق آسيا والأمر عينه لأمريكا اللاتينية)، فإن اقتصاديات البلدان العربية هي في أمس الحاجة إلى تمثل نمط جديد من التنمية، حسب تأكيدات البنك الدولي. و هذا يقتضي مزيدا من اللجوء إلى القطاع الخاص (الذي يمثل 30% من الناتج المحلي الإجمالي في الجزائر، ومن 40% إلى 50% في تونس وسوريا) للإقتصاديات المندمجة من الآن فصاعدا في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وكذلك إلى القطاعات ذات الأنشطة المتنوعة. و تؤكد المؤسسات المتعددة الأطراف على ضرورة و جود "الحاكمية" أو ما بات يعرف ب good governance، وهو المجال، الذي يضعه مشروع "الشرق الأوسط الكبير" في آخر سلم أولوياته..

وعلى الرغم من أن الأمة العربية واحدة من الأمم القديمة، وهي أقدم من مفهوم "الشرق الأوسط الكبير"، وتناضل في سبيل تحقيق تحررها، ووحدتها واستقلالها، وتقدمها، وتحترم حق غيرها من الشعوب في الوحدة، وتحترم حق غيرها من الأمم في الاحتفاظ بحريتها إلا أننا نجد في عصور الظلام والهزائم السياسية والعسكرية، وبعد توقيع اتفاق أوسلو، والاتفاق الصهيوني الأردني، والإحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق، تياراً عربياً قوياً قد نما في أوساط المثقفين المستسلمين العرب، وقد جعلته استسلاميته يعارض مفهوم الأمة العربية بمفهوم الشرق الأوسط ويسقط من حسابه القضية القومية العربية، ويعتبرها مجرد أوهام من الماضي، أو مجرد صراع يعود إلى مرحلة الحرب الباردة، ويحارب بشدة فكرة الأمة العربية، وقضية الوحدة العربية، بحجة أنها لم تتحقق إلا في حالات ومراحل محددة كانت شواذ في التاريخ العربي الإسلامي. وهذا التيار يبلور اطروحته الايديولوجية والاقتصادية على أساس أن مفهوم "الشرق الأوسط الكبير" كنقيض لوجود الأمة يتضمن كل مستلزمات التقدم، والازدهار الاقتصادي، والرفاهية لشعوب المنطقة، بل هو كل المستقبل.

ويعتبر أن النظام الإقليمي العربي الذي لعب دوراً مهماً، من الناحية السياسية على الأقل في مرحلة تصاعد الحركة القومية العربية، وحركة التحرر الوطني في المنطقة العربية خلال الخمسينات والستينات، في تدعيم »التكافؤ« العسكري والاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي، هو محاولة شاذة لانشاء نظام اقليمي لا أساس له في تاريخ المنطقة العربية. هذا التيار التبشيري على اختلاف دوافعه وغايته، يعتبر نصيراً قوياً للتطبيع مع العدو الصهيوني، والاندماج في النظام الشرق أوسطي، لأنه يرى في هذا، العودة إلى الوضع الطبيعي حسب منطلقه. ولذلك يقول مبشرو هذا التيار بأنه يجب التخلي عن كل الممارسات والأفكار المشوهة التي لم تكن تعبر تعبيراً صادقاً عن حقائق ورغبات الأغلبية العظمى من شعوب المنطقة، هذه الأغلبية العظمى لم تنتم يوماً لما كنا نسميه عروبة أو عرب، وكانت ضحية لكلمات فضفاضة من لغة عقيمة ومتخلفة، وفي مثل هذا التوجه الشرق أوسطي لا تختلف ايران عن" إسرائيل"، ولا تختلف "إسرائيل" عن أي دولة عربية، ولا تختلف أي دولة ناطقة بالعربية عن تركيا أو باكستان او الهند الكل يجمعهم توجه واحد واقليم واحد ومصلحة مشتركة.

وتنبع الفكرة الإيديولوجية الأعمق لهذا التيار التبشيري من محاولة طمس الهوية العربية - الإسلامية للمنطقة العربية، معتبراً اياها أنها مساحة جغرافية تعاني من محنة الهوية، وبلا هوية حضارية. ولذلك يندفع هذا التيار بقوة انطلاقاً من استغلاله أزمة الهوية أو عقدة الهوية في الوطن العربي التي يعانيها العرب الآن لتسويغ وجود الكيان الصهيوني على أرض العرب، وقبول التطبيع معه، باعتباره دولة موجودة في الإقليم الشرق أوسطي نفسه، على هذا القدر الرفيع من التقدم الصناعي والاجتماعي والسياسي، يتطلب والحال هذه من العرب أن يكونوا مستعدين للدخول في مرحلة من التحدي الحضاري معها. وهي مرحلة قد تكون أصعب من مرحلة التحدي العسكري للكيان الصهيوني التي انتهت، أو قاربت على الانتهاء، وبالتالي القبول بالهوية الجديدة "الشرق أوسطية" التي تتموقع فوق هويات شعوب المنطقة باعتبارها حاملة لواء الحضارة والتقدم والأمل في تغيير المجتمعات، وحل مشكلات النمو الاقتصادي والحريات الفردية والجماعية، والليبرالية السياسية، وبشائر الديمقراطية، والتطور الاقتصادي و الاجتماعي المتناسق، والتبعية الثقافية.

فالمدقق في هذا المشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي يروج له الرئيس جورج بوش والعديد من الدول العربية، وهذا التيار التبشيري من الذين لهم مصالح تجارية واقتصادية، ونفع ذاتي، ومصالح ضيقة، وقصر نظر سياسي، ومن المتذمرين من فساد أحوال مجتمعاتهم، ومن المنظرين »للتغريب« الثقافي ولمفهوم »الكونية يرى فيه سياسة تستهدف تحقيق السلام بين الكيان الصهيوني والدول العربية، بما يعني ذلك انهاء حالة الحرب والعداء، والاعتراف بشرعية الاحتلال الاستيطاني لفلسطين، والأمريكي للعراق، وإقامة علاقات سياسية واقتصادية وتجارية طبيعية معه، وإنهاء حالة المقاطعة الاقتصادية العربية له.

فالسلام والتطبيع شيئان متلازمان ويعنيان الانتقال من حالة الحرب والعداء والمقاطعة للكيان الصهيوني إلى عكس هذه الحالات جميعها، لكي يكتشف العرب في ظل التبشير بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" أنهم كانوا على خطأ طيلة المرحلة التاريخية السابقة، وكانوا يعيشون في ضلال، وليكتشفوا أيضاً بأن الكيان الصهيوني هو البوابة الحقيقية والمنفذ الوحيد المناسب للتصدير إلى أوروبا، تتنافس عليه دول المنطقة على كسب وده، حيث أصبحت "إسرائيل" القناة الوحيدة لتصدير التكنولوجيا إلى الدول العربية، وتلقين علمائها ومهندسيها وفلاحيها.

وكان شمعون بيرس قد كشف في كتابه »الشرق الأوسط الجديد1993 « عن هذه المغالطة الكبيرة التي يروج لها التيار التبشيري، حين يقول بأن "إسرائيل" حسب مفهومه: »دولة متقدمة في محيط متخلف من البلدان العربية التي ترحب بالدور الإسرائيلي القيادي على كافة الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية«. وهذه الرؤية لا تختلف في شيء عن المرتكزات الإيديولوجية لمؤسس الحركة الصهيونية العالمية ولدور الكيان الصهيوني الاقتصادي في الوطن العربي، وتلتقي الدراسات الأميركية و الصهيونية في مضمونها الاستراتيجي، مع رؤية ومساعي " الشرق أوسطية" الصهيونية التي لا تخفي مطامعها الاقتصادية، التي تعتبر اقامة العلاقات الاقتصادية تحت ستار تحويل الصحارى إلى جنات خضراء، وإشاعة السياحة والازدهار فيها، ورفع المستوى المعيشي والثقافي لشعوب المنطقة، بداية التغلغل والانخراط في المنطقة العربية عامة، وفي منطقة الشرق الأوسط بأسرها بخاصة. ولا يمكن أن نفصل الدور الاقتصادي الذي يريد الكيان الصهيوني ممارسته في الوطن العربي عن ثلاث محددات رئيسية تتحكم في أولهما: ارتباطه بالراسمالية اليهودية والصهيونية العالمية، وثانيهما : ارتباطه بالامبريالية العالمية مع المصالح والأطماع الصهيونية في قضية جوهرية في استغلال خيرات المنطقة العربية، وخلق وقائع اقتصادية كالتجارة والسياحة واستغلال الثروات والبيئة وغيرها، يمكن أن تشكل ضمان الأمن الصهيوني المستقبلي، وثالثهما: التطابق في المفهوم الأميركي والصهيوني للسوق الشرق أوسطية، والتخطيط للتغلغل الاقتصادي في الوطن العربي، والسيطرة على ثروات الأمة العربية، نظراً لارتباط الكيان الصهيوني بالرأسمالية العالمية، وبالعولمة الرأسمالية الجديدة في بعدها الكوني، وفي طموحه أن يصبح مركزاً للاستثمار في المنطقة. وفي حديثه عن الدور الاقتصادي الصهيوني في الوطن العربي، عبر أبا ابين، وزير الخارجية الصهيوني الأسبق، عن المطامع الصهيونية الحقيقية، مستمداً الثقة من نتائج حرب 1967، حين قال» أن أمل "إسرائيل" في أن تصبح الولايات المتحدة الصغرى، نحن لا نريد أن تكون لنا علاقات مع الشرق الأوسط على غرار العلاقات القائمة بين سوريا ولبنان، نحن نريدها علاقات الولايات المتحدة الأميركية مع بلدان أمريكا اللاتينية من حيث التعامل الاقتصادي مع ملاحظة الفوارق التاريخية والثقافية واللغوية، ونريد أيضاً المحافظة على طابعنا الغربي«.

ثم أن الكيان الصهيوني يعتبر نفسه جزءا لا يتجزأ من "الشرق الأوسط الكبير"، لهذا يريد أن يترجم مسار السلام الحالي إلى لغة الاقتصاد. ذلك أن السلام الحقيقي من وجهة نظره يتمثل في إقامة علاقات طبيعية مع دول المنطقة في جميع المجالات، وإقامة علاقات اقتصادية كاملة.

كما أن هذا السلام لن يكون مستقراً إلا متى انخرط الكيان الصهيوني في اقتصاديات دول المنطقة العربية عبر إقامة السوق الشرق أوسطية المشتركة، وتعاون اقتصادي اقليمي يعتمد على الخبرة والتكنولوجيا الصهيونية والأموال العربية والغربية، والثروات الطبيعية العربية. وفي معرض حديثه عن الاقتصاد الإقليمي يقول بيرس في كتابه، أنه ينطوي على خطوات تدريجية لإقامة جماعة تشبه كثيراً الجماعة الأوروبية، وهو يقيم بشكل متوازي بين واقع العداء التاريخي المكين، الذي استحكم بين الأمم الأوروبية، الذي استطال في بعض الحروب، قروناً، ونجم عنه حربين كونيتين، والصراع بين الأمة العربية و الكيان الصهيوني، لكي يبرهن بشكل منطقي ومغالط بأن هذا العداء التاريخي بين الأمم الأوروبية لم يجعل أية أمة أوروبية تنفي حق جارها في الوجود، مثلما لم يمنع من إقامة سوق أوروبية مشتركة كان رائدها رجل الدولة الفرنسي جان مونييه في الخمسينيات. لذلك يطرح بيرس خطته الاقتصادية لإقامة السوق الشرق أوسطية على غرار السوق الأوروبية المشتركة، بحيث أن السلام بعد حالة العداء لا يكمن في تجنب سفك الدماء فقط، بل ايضاً توفير المزيد من المنافع الاقتصادية، وهذا لن يتم إلا من خلال تحقيق أهداف الصهيونية السامية بانخراط الصهيونية في المنقطة والاندماج فيها حقاً وبإقامة » سوق شرق أوسطية مشتركة « تضم في المرحلة الأولى العلاقات السياسية، والضفة الغربية، قطاع غزة، ومصر، وفي مرحلة ثانية الأردن، ثم دولاً أخرى في مرحلة لاحقة. ويقول بيرس بان خطة بناء هذه السوق هي برنامج تعاون » يشبه هرماً ثلاثي الأضلاع تتضمن المرحلة الأولى مشاريع ثنائية أو متعددة القومية مثل إنشاء معهد أبحاث مشترك لإدارة الصحراء أو مصالح تعاونية لتحلية المياه وان التعاون المثمر بين "إسرائيل" ومصر في ميدان الزراعة هو مثال طيب على هذه المقارنة.. أما المرحلة الثانية فتتضمن كرنسورتيومات دولية تتولى تنفيذ المشاريع التي تتضمن استثمار رساميل هائلة باشراف البلدان ذات العلاقة في المنطقة، علاوة على أطراف أخرى ذات مصلحة بالأمر أيضاً، ومن الأمثلة على هذه المشاريع قناة البحر الأحمر البحر الميت مقرونة بتطوير التجارة الحرة والسياحة على امتدادها، وإنشاء ميناء مشترك إسرائيلي - أردني سعودي، وتطوير الطاقة الكهرمائية وتحلية المياه، وتطوير صناعات البحر الميت، جديد التخطيط أن قيام مشاريع الصحراء هذه يحقق، واحداً من أحلام بن غورين بتطوير النقب، وفتح آفاق جديدة لبلدان المنطقة وخلق مصلحة حقيقية في صيانة السلام«

3-- هل يتحقق السلام والاقتصاد في مشروع "الشرق الأوسط الكبير"؟

اعتقد الكثيرون أن مشروع شمعون بيريس الذي طرحه في كتابه الذي حمل اسم "الشرق الاوسط الجديد" قد طواه النسيان، بعد تعثر عملية التسوية، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الباسلة، لكن هاهو المشروع يعاد طرحه من جديد من خلال دعوات الإدارة الأمريكية إلى مبادرة "للشرق الاوسط الكبير"، التي طرحت في الفترة الاخيرة، بعد احتلال أمريكا للعراق، وبعد استسلام معظم الدول العربية للمخطط الأمريكي- الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية.

وبالطبع فإن الرئيس بوش مثل المجرم شارون ومثل وزير خارجية شمعون بيرس غلف مشروعه "الشرق الأوسط الكبير" لإخضاع المنطقة بالحديث عن "تعزيز الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والنمو القومي والازدهار الفردي". وكان المجرم شارون قد أشار إلى هذا الجانب حين تحدث أمام مؤتمر رجال الأعمال الإسرائيليين يوم 14/4/2002 قائلا: "إنه تحدث مع وزير الخارجية الأمريكي كولن باول عن مؤتمر يعقد تحت زعامة الولايات المتحدة و تشارك فيه إسرائيل و مصر، والسعودية والأردن والمغرب، ومندوبون فلسطينيون" وإنه "يقدر أن يعقد مثل هذا المؤتمر في وقت قريب لبحث التسويات السياسية في الشرق الأوسط، و يعكف على تطوير المنطقة".

قبل الحديث عن التأثيرات المباشرة للسلام على الاقتصاد الصهيوني، وعن أهداف السوق الشرق أوسطية المشتركة المقترح إقامتها من جانب بوش وشارون حاليا، وبيرس سابقا،،علينا أن ندرس ما هي الصيغ المطروحة للسوق الشرق الأوسطية هذه.

لقد أصبح جلياً وواضحاً أن الدعوة الصهيونية - الأمريكية لإقامة الشرق أوسطية، والنظام الإقليمي الشرق أوسطي والتي تجد من يؤيدها على الصعيد العربي، تنطلق من الأفكار الصهيونية ومن مصلحة الكيان الصهيوني وأطماعه الاقتصادية أولاً وأخيراً، وبمشاركة دولية تكون غطاءاً مناسباً للهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية كلها.

ذلك أن السوق الشرق أوسطية هي النقيض المباشر للسوق العربية المشتركة وتستهدف ربط الاقتصاديات العربية باقتصاد الكيان الصهيوني لكي تتحول" إسرائيل "إلى سنغافورة كما شرح شمعون بيرس بعد اتفاق أوسلو مباشرة. فالسوق الشرق أوسطية هي البديل للمشروع القومي الديمقراطي النهضوي، وتتطلب فيما تتطلب أولاً وأساساً القبول بالدور الصهيوني في الهيمنة والسيطرة في جميع المجالات، والتسليم بالدور الصهيوني في القيادة والريادة على كافة الأصعدة في المنطقة العربية، والقبول بالكيان الصهيوني كشريك للدول العربية، في حين أنه كان ولا يزال كياناً عدوانياً توسعياً استيطانياً يطمع إلى احتلال الأراضي والتوسع على حساب الأراضي العربية ويخطط دائما لاستغلال الثروات والقدرات والامكانات الاقتصادية العربية.

وهكذا، فإن مفهوم خارجي دخل حديثاً على الأدبيات الاقتصادية و السياسية العربية، ويخدم السياسة الصهيونية والأطماع التوسعية الصهيونية، ولا يحتوي على أي مضمون حضاري أو اجتماعي أو تاريخي لتقدم الأمة العربية، أو شعوب المنطقة، بل أنه يتناقض على طوال الخط مع المشروع القومي الديمقراطي النهضوي العربي، ومع السوق العربية والتكامل العربي، واستمرار المقاطعة العربية للكيان الصهيوني. وفضلاً عن ذلك فإن مفهوم السوق الشرق أوسطية يتعارض مع النظرية الاقتصادية والتي ترى بأن إقامة سوق شرق أوسطية سواء بصيغة الاتحاد الاقتصاد أو بصيغة السوق المشتركة، يتطلب تحديد مرحلية معينة حيث يصعب الفقر المراحل، والحال هذه، فان مرحلتي الاتحاد الاقتصادي والسوق المشتركة لما يسمى بالسوق الشرق أوسطية يتطلبان وجود المقومات الضرورية لقيامها، ومنها التماثل في النظم الاقتصادية و السياسية والاجتماعية. فالاقتصاد الصهيوني يعتمد على المعونات الأميركية بشقيها الاقتصاد والعسكري، باعتبار أن أمريكا هي أهم مصدر دعم اقتصادي وعسكري وسياسي للكيان الصهيوني في الحفاظ على بقائه ووجوده على أرض فلسطين العربية، والكيان الصهيوني يعاني من مشاكل اقتصادية وأزمات مالية، ولا يمكن التغلب عليها، لأن هذا يتطلب تغيير العقيدة الايديولوجية السياسية الصهيونية التي قام عليها، أو احداث تغييرات أساسية فيها.

ثم أن مشاكل" إسرائيل "الرئيسية اليوم يمكن وصفها على أنها ناتجة من، وجزء من، ارتفاع مستويات المعيشة، وتوفير الخدمات بالقدر الكافي، والانفاق بسخاء على مشاريع الاسكان ومشاريع الخدمات الاجتماعية بكل أنواعها، لاغراء يهود العالم على الهجرة إلى فلسطين، وانخفاض الانتاجية، ومحدودية المصادر الطبيعية، وارتفاع النفقات العسكرية، وكبر حجم العجز في الميزانية، وفي الميزان التجاري و الاعتماد المتناهي على المعونات الخارجية وبخاصة المعونات الأميركية الرسمية التي بلغت منذ قيام الدولة العبرية وحتى العام 1989 حوالي 46.0679 مليار دولار. أن "إسرائيل "اليوم تستهلك ضعفي ما تنتجه وتستورده من الخارج أكثر مما هي تصدر بحوالي 50 بالمئة، وتنفق حكومتها 3 أضعاف ما تقوم بتحصيله من ضرائب.

» -4-منقطة التجارة الحرة« وانخراط "إسرائيل "في المنطقة

وفي نطاق المقارنة بين حجم الاقتصاد الصهيوني مع اقتصاديات دول الطوق العربية، يورد عدد من أبرز علماء الاقتصاد العرب ستة مؤشرات عميقة الدلالة:

1 - أن حجم الاقتصاد الصهيوني بالمقارنة مع دول الطوق العربية، وكذلك المؤشرات الاقتصادية الأخرى ذات الدلالة (الدخل القومي، والدخل الفردي، والمديونية الخارجية، والاحتياطات النقدية الأجنبية، والودائع المصرفية والتركيب الاقتصاد القطاعي، والحالة التكنولوجية).

2 - يتمتع المجتمع المدني في الكيان الصهيوني بنسيج مؤسساتي وقانوني وإداري حكومي يفوق كثيراً ما تتمتع به كل المجتمعات العربية دون استثناء، والعلاقة بالتالي بين الكيان الصهيوني والعرب، مرشحة لأن تكون مشابهة لنسيج العلاقات بين دول الشمال ودول الجنوب.

3 - تتمتع المؤسسات الاقتصادية الصهيونية بمساندة حكومية تفوق في اهميتها ونتائجها ما تتمتع به المؤسسات الاقتصادية العربية من حكوماتها.

4 - تتمتع المؤسسات الاقتصادية العدو الصهيوني بمساندة ودعم المؤسسات الاقتصادية العالمية.

5 - تطور صناعة السلاح في الكيان الصهيوني بحث احتلت منذ عام 1977 المرتبة الثالثة بعد الصين والهند في حجم الانتاج الحربي بين الدول النامية، ودخلت في عداد 24 دولة في العالم بوسعها أن تصنع وتطور معظم احتياجاتها العسكرية، بل أنها أصبحت من أكبر مصدري السلاح بعد الدول الكبرى، ولقد أدى تطور الصناعة الحربية وما زال إلى تطور حاسم في هيكل الصناعة الصهيونية كلها، ومن خلال تطوير السلاح يمتلك الكيان الصهيوني قوة اقتصادية وسياسية اضافية في علاقاته الدولية.

6 - أن التعاون الاستراتيجي بين أمريكا و الكيان الصهيوني، وتوقيع اتفاقية التحالف الاستراتيجي بين الطرفين قد مكن الكيان الصهيوني من أن يعرف أسرار التكنولوجيا الأميركية المتقدمة، وأن يحصل على أحدث المعارف الفنية والتقنية الخاصة بصناعة الأسلحة المتقدمة كالطائرات والدبابات والصواريخ، بسبب تزايد قوة ونفوذ اللوبي الصهيوني، وبخاصة في خلق مراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة الأميركية وأجهزة ووسائل الاعلام.

ان الاقتصاديات العربية خاضعة لمنطق التكيف لمقتضيات العولمة الرأسمالية الجديدة، والتقسيم الامبريالي للعمل، وهذا ما يفسر لنا أن بعض جذور استمرار التخلف، والتبعية للمراكز الرأسمالية الغربية، وبالتالي انتشار الشكل الكمبرادوري للبرجوازية المحلية وللدولة القطرية سواء بسواء، باعتباره أصبح الشكل الرئيس لعملية الاندماج غير المتكافئ في مرحلة العولمة الرأسمالية الجديدة، حيث أن سيطرة مفهوم الدولة الكمبرادورية التي وظيفتها الأساسية ضمان هيمنة رأس المال الاحتكاري العالمي، والسمسرة مع الشركات المتعددة الجنسية، وبناء اقتصاد تصديري، يتناقض كلياً مع مفهوم الدولة الوطنية. وفضلاً عن كل ذلك، فالاقتصاديات العربية مجزأة إلى وحدات صغيرة وقاعدتها الانتاجية ضعيفة، واسواقها ضيقة، وتعتمد على استيراد السلع المصنعة، والمواد الغذائية من السوق الرأسمالية العالمية بقيمة 100 مليار دولار سنوياً، وهي قيمة تزيد حوالي مرتين عن نظيرتها لتركيا و الكيان الصهيوني وايران معاً، وعلى طاقة تصديرية بقيمة 112 مليار دولار أي بزيادة مرتين ونصف عن تركيا وايران و الكيان الصهيوني، وعلى حجم استثمارات محلية يصل إلى حوالي 100 مليار دولار، وهي قيمة منخفضة مقارنة مع حجم الاستثمارات العربية الخارجية التي تتجاوز 670 مليار دولار. كما تعاني الاقتصاديات العربية من مشكلة ترهل وتقهقر القطاع العام، وانخفاض انتاجيته، وعجز القطاع الخاص عن الاستثمار في مشاريع انتاجية تنافسية على الصعيدين المحلي والدولي، وارتفاع عجوزات الخزينة العامة، وتفاقم أعباء الدين الخارجي.

لهذه الأسباب كلها، ولغيرها كالاختلاف في مستويات التطور الاقتصادي، وفي مستوى الدخل القومي بين الدول العربية و الكيان الصهيوني، وانتفاء أهمية وجود مصالح اقتصادية مشتركة يتم بناؤها خلال مرحلة زمنية من التعاون الاقتصادي بين الدول الأطراف، بحيث تأتي إقامة السوق الشرق أوسطية كمطلب ضروري يستجيب لتطور الحاجات والمصالح الاقتصادية المشتركة.

ومع أن البرجوازية الكمبرادورية العربية تحاول الاستفادة من الكيان الصهيوني اقتصادياً كما تفكر بعض الدوائر العربية، والاستفادة منه في الوظيفة السياسية باعتبار أن الكيان الصهيوني قوة استيطانية معادية لكل تغيير قومي ديمقراطي ثوري، الا أن المشروع الامبريالي الأميركي الصهيوني ببعديه العدواني الامبريالي والالحاقي الاقتصاد لبناء سوق شرق أوسطية، يستهدف ضمان أداء المشروع الصهيوني لوظيفته في السيطرة على الموارد الذاتية والثروات الطبيعية العربية، اللتان تشكلان شرطاً أساساً لتحقيق الاستقلال الاقتصادي للكيان الصهيوني وتقليص اعتماده على الغير، أي على المعونات الخارجية.

ثم أن هيمنة النزعة الشمولية في عموم أقطار الوطن العربي بصرف النظر عن كون هذه الأقطار فيها مصادر القوة والثروة في المجتمع، وبلوغها مستوى معين من الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وقضائها على المعارضات الديمقراطية وقضائها على الأسس المادية وتكوينات المجتمع المدني الحديث كالنقابات المهنية والعمالية والطلابية، والأحزاب السياسية، ووسائل الاعلام ن ولجان حقوق الانسان، والتنظيمات الاجتماعية، وافساحها في المجال لعودة التنظيمات المتخلفة ما قبل الرأسمالية والقومية والمجتمع المدني، وفشل نظم الحكم العربية في الاندماج بصدقية في مجتمع التجربة الليبرالية الاصلاحية في ظل سيادة الاتجاه الكوني نحو توسيع الليبرالية الأميركية وتدخلها في الاقتصاد و السياسة والمجتمع، هذا الوضع كله يجعل من البرجوازية الكمبرادورية العربية حذرة في الانخراط في السوق الشرق أوسطية بالكامل، حتى وإن كان يوجد مقارنة بنيوية ووظيفية أحياناً بينها وبين المشروع الصهيوني، الذي يريد أن يلعب دور المركز الموضوعي والوسيط التجاري والمالي في سبيل غزو المنطقة من قبل رأس المال السائد عالمياً لاستثارة عناصر الاستجابة المنظورة والكامنة في رحم البرجوازيات العربية اقتصادياً واجتماعياً وإيديولوجيا.

في دراسة أعدتها الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية في جامعة الدولة العربية، استبعدت فيها "صيغتي السوق المشتركة"، والاتحاد الاقتصاد كمفهوم لما يسمى السوق الشرق أوسطية، لكن الدراسة توقعت أن تكون صيغة "التجارة الحرة" كشكل محتمل للتعبير عن مفهوم السوق الشرق أوسطية، وتستند فرص تطبيق مفهوم "التجارة الحرة" إلى المرتكزات التالية:

1 - لا يتطلب وجود المقومات التي تم ذكرها في بناء المراحل الأعلى. فمفهوم "منطقة التجارة الحرة" يقوم على حرية انتقال السلع دون حرية انتقال عناصر الانتاج "رأس المال" والعمل على استبعاد الاقامة والتملك للافراد وهو عنصر حيوي لبعض دول الإقليم وبخاصة الكيان الصهيوني، الذي بنى وجوده على قاعدة عنصرية استيطانية أساسها النقاء اليهودي لاستيعاب يهود العالم.

2 - تقوم "منطقة التجارة الحرة" على أساس الميزة النسبية والتباين في القواعد الانتاجية واختلاف مستويات الدخل، فالذي يحكمها هو قانون التطور اللامتكافئ بحيث يتحدى مدى استفادة الدولة من هذه المنطقة بمدى تطورها الاقتصادي.

3 - لا يتعارض مفهوم "منطقة التجارة الحرة" مع مقتضيات التعاون الإقليمي، فقد تقام مشاريع مشتركة في مجالات معينة مثل النقل والمياه والاستثمار والسياحة إلى جانب تحرير انتقال السلع.-

4 - يتوافق مفهوم "منطقة التجارة الحرة" مع التوجه العالمي لتحرير التجارة الدولية والاتجاه نحو عالمية التجارة الحرة (الغات).

وهكذا فان "منطقة التجارة الحرة" هي الصيغة الأكثر احتمالاً واستجابة لمفهوم السوق الشرق أوسطية المطروحة من قبل بيرس، ويمكن أن يتم تنفيذ هذه الصيغة على عدة مراحل:

أولا: دمج الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الصهيوني بأساليب جديدة لا تقوم على الاحتلال المباشر أو من خلال فرض الوقائع السياسية، ويصبح بناء الاقتصاد الفلسطيني كما نص عليه الاتفاق الصهيوني الفلسطيني، جزء ملحقا بالاقتصاد الصهيوني، بادماج وتحويل الاقتصاد الفلسطيني إلى اقتصاد خدماتي يعيش عل فرص العمل في الاقتصاد الصهيوني، وما يمكن أن قدم له من خدمات في مجالات التجارة والنقل والمواصلات.

ثانيا: توسيع "منطقة التجارة الحرة" لتشمل الأردن وفلسطين والكيان الصهيوني كمرحلة ثانية في المفهوم الأميركي الصهيوني للسوق الشرق أوسطية، وسيرتبط مدى التقدم في تحقيق هذه المرحلة بعدة عوامل، أهمها : انهاء المقاطعة الاقتصادية العربية للكيان الصهيوني، واذا استمرت الجامعة العربية في ربط موقفها بربط الغاء المقاطعة بزوال أسبابها، فانه لا يحتمل تطبيق هذه المرحلة إلا بعد الوصول إلى التسوية النهائية الصهيونية الفلسطينية، وتحقيق الانسحاب الصهيوني الكامل من الأراضي المحتلة.

ثالثا: وتتمثل بتوسيع "منطقة التجارة الحرة" الشرق أوسطية لتشمل بلدان أخرى، وذلك بهدف توسيع نطاق السوق المحلية للاقتصاديات الثلاثة المشاركة في "منطقة التجارة الحرة" من الكيان الصهيوني وفلسطين، والأردن، وسيحقق الكيان الصهيوني نمواً كبيراً في نتاجه الصناعي مع اتساع سوق "منطقة التجارة الحرة"، وستحقق الصادرات الصناعية الصهيونية زيادة نمو مرتفعة إلى الدول العربية خاصة »آلات ومعدات النقل ومنتجات الماس وأجهزة الاتصالات والصناعات الالكترونية« مستفيدة من تطور قاعدتها الانتاجية وقربها من الأسواق العربية.

ان مشروع "الشرق الأوسط الكبير" كما يراد له الرئيس بوش، وصهيونياً كما ذكر بيرس تفصيلاً في كتابه، يعتمد على أربعة عوامل أساسية هي كما يلي: الاستقرار السياسي، الاقتصاديات والأمن القومي، والديمقراطية، وهذه ليست عوامل نظام اقليمي أو سوق شرق أوسطية، بل هي تمثل إطاراً صهيونياً واسعاً للهيمنة والسيطرة، يخطط له الكيان الصهيوني لاقامته، ولكي يصبح مركزاً لاستقطاب استثمارات الشركات المتعددة الجنسية ذات التقنية العالية جداً، حيث يتمتع الكيان الصهيوني بوجود يد عاملة ماهرة، ومراكز أبحاث متطورة. وبفضل هذه الاستثمارات الدولية في مجال التكنولوجيا لاحتواء المنطقة العربية عبر عملية الدمج بين التكنولوجيا الصهيونية المتطورة والمال العربي. واليد العاملة العربية الرخيصة، يخطط الكيان الصهيوني كي يصبح مركزاً مالياً في المنطقة عبر تأسيس مصرف شرق أوسطي للتنمية كحل لمشكلة تأمين رؤوس الأموال اللازمة لتمويل المشاريع المشتركة في فئتين من المشاريع:

الأولى مشاريع البنية التحتية الإقليمية، وذلك عن طريق منح القروض للخدمات المحلية، والثانية المشاريع التجارية المشتركة بين الكيان الصهيوني والدول العربية. ثم أن الكيان الصهيوني بتوجهه إلى تطوير الصناعة، وتطوير الصناعات المتقدمة ذات التقنية العالية خصوصاً الصناعات الالكترونية والكهربائية والمعدنية، وتحوله إلى مركز للصناعات المتقدمة، وفي القيام بدور المركز المالي في المنطقة مع تدفق الاستثمارات، ستنفتح أمامه سوقاً كبيرة سعتها 200 مليار دولار، وهذا ما يحلم به.

أخيراً أن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" هو دعوة صهيونية- أمريكية قديمة جديدة تستهدف ربط الاقتصاد العربي بعجلة التطور الصهيوني، حيث أن الاندماج في النسيج الاقتصادي و الاجتماعي للأمة العربية لتمزيقها من الداخل وتفتيتها، بعد أن عجز عن تحقيق ذلك بواسطة الحروب رغم تفوقه العسكري، ورغم الوظيفة الرئيسية التي كانت مناطة به في خدمة النظام الإمبريالي العالمي الا وهي دور رأس جسر عسكري، وقاعدة استراتيجية متقدمة للغرب بزعامة الولايات المتحدة الأميركية.

إن مواجهة مؤامرة السوق الشرق أوسطية يتطلب من الشعب العربي أفراداً واحزاباً وجماعات ومنظمات، التمسك بالمشروع القومي الديمقراطي النهضوي، وبالسوق العربية المشتركة، وبالتكامل الاقتصادي العربي واستمرار المقاطعة العربية للكيان الصهيوني، ومقاومة سياسة التطبيع، وخلق وضع عربي نضالي مناهض للهيمنة الإمبريالية الأميركية والصهيونية.


© Aqlamonline 2004