مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

أي أمن تحتاجه تونس؟


 بقلم عبد اللطيف الهرماسي (*)

تكمن المفارقة التونسية في النموّ المشهود به لقدرات الجهاز الأمني من جهة، وتنامي الجريمة التي لا تتعرّض للعقاب من جهة ثانية

موضوع الأمن مسألة حساسة ليس فقط في بلد مثل تونس، وإنما كذلك بالنسبة لسائر المجتمعات والأنظمة. وإذا كنا قررنا التطرق إلى إحدى نقاط هذا الملف. فإحساسنا القوي، بل اقتناعنا بأن معالجة القضية الأمنية اتسمت منذ عدّة سنوات بخلل ما انفكت آثاره تتفاقم، وانزلاق نحو إيلاء أهمية متعاظمة وغير مبررة لضمان أمن النظام السياسي، مؤديا إلى ما يسميه علماء الاجتماع "الآثار المنحرفة"، أي إلى نتائج غير مقصورة وغير محسوبة، تتمثل في تراجع فعلي للجهود المخصصة لضمان أمن المواطنين أو الأفراد، وهذا في وقت يشهد تنامي ظاهرة الانحراف والجريمة، ويتطلب بذل جهود مضاعفة لمكافحتها.

لنبدأ إذن بطرح السؤال: هل إن تونس بلد آمن؟ تساؤل قد يثير استغراب البعض، ممّن يقارن أوضاعنا الداخليّة بأقطار مجاورة أو بعيدة، عرفت في الماضي القريب، أو تعرف إلى اليوم موجات، وأحيانا حالات هيكلية من العنف السياسي أو الاجتماعي، الذي يجد تعبيرا عنه في الحروب الأهلية أو الإرهاب أو الجريمة المنظمة وأعمال العصابات، التي تزرع الموت، أو بكل بساطة ممن يعتقدون في عموم فاعلية الجهاز الأمني التونسي، ويُصدّقون بسرعة أحد "الكليشيهات" المستهلكة للخطاب الرسمي: تونس واحة أمن وسلام.

وحتى لا نرتكب ما نعيبه على هذا الخطاب، نبادر بالقول إن تونس سلمت إلى حدّ الآن، وعلى العموم، من الصراعات والتصفيات الدموية والجريمة المنظمة والإرهاب، وإن الاستثناءات النادرة والمحدودة في حجمها ومداها تؤكد هذا. ولكن شتان بين الإقرار بهذه الحقيقة وما يروج له عن تونس كواحة يستتب فيها الأمن. فمثل هذا القول لا يمكن أن يكتسب مصداقية إلا من خلال شعور الأهالي بالاطمئنان على سلامتهم الجسدية وكرامتهم وأرزاقهم ومقدرات عيشهم، وأن بوسعهم أن يعيشوا حياتهم الخاصّة والعمومية ويمارسوا حقوقهم الطبيعية، وأنشطتهم الاجتماعية، دون التعرض إلى الاعتداء أو التهديد.

من المهم أن نشير في هذا المستوى إلى الصيغة المركّبة لمفهوم الأمن. فهذا المصطلح يغطي عدّة مجالات، كالأمن الاقتصادي والأمن السياسي والأمن الاجتماعي. وكالأمن العام والشخصي، وكالأمن الداخلي والخارجي. وهذه المصطلحات الفرعية لا تخلو بدورها من تعدد واختلاط في الدلالة. على أن ما يهمنا منها هو طبيعة العلاقة، التي تسود في ربوعنا بين ثنائي الأمن بمدلوله السياسي، وما يعرف عندنا بالأمن العام، أي الحالة التي تتيح الحفاظ على الكرامة الشخصيّة، وعلى سلامة الأجساد والأعراض والأموال، وهي حالة تتوق إليها الأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع، وتمثل في الأصل إحدى أهم وظائف الدولة. ومن أجل إدراك أفضل للعلاقة بين هذين البعدين من الأمن، يستحسن الانطلاق من مقارنة التجارب التاريخية ونماذج الثقافة السياسية.

فبالنسبة للأمن بمفهومه السياسي يبرز تضارب بين رؤية الأنظمة والنخب تبعا لاختلاف نموذج التنشئة السياسية والتوجهات الأيديولوجية، ذلك أن الأنظمة والنخب ذات الميول الاحتكارية أو الاستبدادية أو الكليانية، مدفوعة إلى إنتاج وترويج مفهوم للأمن، يتطابق مع هذه النزعات والاستعدادات المترسخة في ثقافتها ومسلكيتها السياسية، بحيث يقاس الأمن لديها بقدرتها على إسكات المختلفين معها، أو المعارضين لها، في تصوّر المشروع المجتمعي، وكيفية إدارة الشأن العام، وتنظيم الحياة السياسية، وعلاقة المجتمع بالدولة، وفي تعيين الحقوق والواجبات. كما تحكّم في تقويم الأوضاع الأمنيّة مدى نجاحها في مراقبة ومحاصرة التعبيرات، التي تتعارض مع مصالحها الفئوية، وميولها الاحتكارية، مع السعي في نفس الوقت لإقناع الآخرين، وربما إقناع نفسها بأنّها لا تفعل سوى الدفاع عن المصلحة العامة والنظام العام.

يختلف هذا التصوّر للأمن السياسي عن ذلك الذي بلورته ودافعت عنه النخب الفكرية الليبرالية الغربية منذ القرن السابع عشر، بناء على مفهوم الحقّ الطبيعي، والذي انتهى بأن فرض نفسه وأصبح المبدأ المنظم للمجتمعات الديمقراطيّة. ففي هذه المجتمعات والأنظمة تأسست الشرعية على توافق مختلف مكونات المجتمع المدني والفاعلين السياسيين، على نموذج المجتمع المرغوب فيه، كما انبنت وترسخت عبر الصراعات والتراجعات ومراكمة التجارب واستخلاص العبر، ثقافة سياسية قوامها التقيّد الصارم بمرجعيّة السيادة الشعبيّة، وقدسيّة الحريات الفرديّة، وكذلك قدسيّة علاقة المواطنة، فيما تخوله من حقوق، وتفرضه من واجبات، تتأسس كلها على اعتبار الوطن للجميع، وأنه لا امتياز لطبقة أو حزب أو شخص، مهما ارتفع موقعه أو علا صيتُه، بالإضافة إلى مشاركة الجميع في التداول في الشأن العام، على أساس ممارسة كافّة الحريات المدنيّة والسياسيّة التي تُتيح هذه المشاركة، بلا إقصاء ولا تحديدات ولا شروط سياسيّة أو عقائديّة.

هذا الإطار السياسي القائم على احترام مختلف الأطراف المشاركة في الانتماء للوطن، للعقد المؤسس للاجتماع المدني والسياسي، وللقواعد الضابطة للتنافس والتداول على الحكم، هو الأرضيّة التي يتأسس عليها مناخ من الأمن والسلم المدنيّ، والتعايش بين مختلف القوى الاجتماعية والتيارات الإيديولوجية، والتي تعبّر فيها الخصوصيات الثقافية والدينية والفكرية عن نفسها بحريّة. في هذه الحالة تكون القوانين المنظمة لمختلف أوجه النشاط الاجتماعي، والنشاط السياسي من ضمنها، موقع قبول أو على الأقل محل امتثال طوعي، لأنها صادرة عن هيئات تمثّل الإرادة العامّة بصورة فعليّة، كما يمكن تعديل هذه القوانين وتطويرها أو تغييرها على أساس القاعدة ذاتها. وفي هذا الإطار أيضا يمكن لجهاز الأمن أن يشتغل في نطاق احترام القانون، وأن يمارس صلاحياته في السهر على حماية الأفراد والجماعات والهيئات والمؤسسات القائمة، ومنع التجاوزات، وإيقاف المخالفين والمجرمين، وإحالتهم على العدالة، كما تمارس المؤسسة القضائيّة دورها في تطبيق القوانين، وتتمتّع بالاستقلالية والنزاهة، التي تجعل المواطنين مطمئنين إلى تجردها وعدالتها وإنصافها، كما يكون بوسع الرأي العام ووسائل الإعلام المعبّرة عنه أن يتابع نشاط هذه الأجهزة، وأن يتخذ موقفا من الإخلالات أو الخروقات، التي قد تحصل في أداء مهامها.

أين نحن من توفير أسباب وعناصر هذا النوع من الأمن؟ والاعتقالات التي شملت آلاف الأفراد منذ بداية التسعينات، لأسباب تتعلّق في الغالب بممارسة الحقّ الشرعي في الانتماء الفكري والسياسي، والتعبير عنه، وممارسته المنظمة، وعمليات التعذيب التي اشتكى منها المئات من المنتمين إلى تنظيمات "غير معترف بها"، خاصّة من الإسلاميين والماركسيين، والأحكام الثقيلة التي سلطت عليهم، والظروف غير الإنسانية المحيطة بمعاملتهم في السجون، والمعاملة السيّئة، التي تعرضت لها عائلاتهم، وأبرزها حرمانها من مصدر الرزق، أو الحصول على مساعدات إنسانية، وإخضاع الأغلبيّة الساحقة ممن قضوا أحكام السجن إلى المراقبة الإداريّة والأمنية، بالتردد يوميا على مصالح الأمن، وأحيانا عدّة مرات في اليوم الواحد...

كل هذه الممارسات هل بوسعها ضمان الأمن والاطمئنان للهيئة الاجتماعية، أم إنها تزرع الرعب والنقمة؟ أيّ أمن يمكن الحديث عنه، ونحن نعلم أن الناس مضطرون لالتزام الحذر في أحاديثهم وحتى دردشاتهم، بسبب الانتشار الكثيف لأعوان الأمن في الأماكن العامّة، والمراقبة المسلطة على الاتصالات الهاتفيّة، والمراسلات البريدية، والاتصال بالانترنت؟ وكيف يجوز الحديث عن "أمن" والجميع يعرف أن مصالح خفيّة تتدخّل لمنع من تعتبرهم السلطة السياسيّة في عداد خصومها، أو "المشوشين عليها"، بل منع أبنائهم أيضا من الانتماء للوظيف العمومي؟ وأي "أمن" هذا الذي يقود إلى الاضطهاد الديني، وتسخير أجهزة الأمن لملاحقة النساء والبنات المرتديات الحجاب، وإجبارهنّ على نزعه، بالإضافة إلى منعهن من الدخول إلى الإدارات والمؤسسات العموميّة للعمل أو الدراسة أو قضاء الحاجة؟ وما هو هذا المفهوم الغريب للأمـن، الذي يخضع كل المؤسسـات ومجالات النشاط البـشري في تـونس إلى المراقبة الصريحة أو الخفيّة، بما في ذلك أنشـطة العـبادة والدراسة والنـدوات الفكرية والثقافيّة؟

ليس في الأمر أمن وطمأنينة، بل ريبة وشكوك وخوف وتخويف، والأدهى من ذلك أنّ هذه الأشكال، التي يصعب حصرها من التضييق أو الاعتداء على ممارسة الحقوق المدنية والسياسيّة المشروعة، والتي تجنّد لها أجهزة أمنيّة متنوعة، وطاقات بشريّة ضخمة، وموارد ماليّة كبرى، مقتطعة على حساب أولويات أخرى، تحصل بصورة موازية لتنامي ظاهرة الانحراف والجريمة، التي تعرّض لها الأشخاص والأملاك، من قبل العصابات الصغيرة التي تحترف السرقة والنشل، والعناصر المنحرفة التي لا تتردّد في العدوان على الناس، وبخاصّة النساء والفتيات اللائي تعتبرهن فريسة سهلة.

لقد تكاثرت حالات الاعتداء وتنوعت وتطورت بشكل مخيف، خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في المدن الكبرى وفي مقدمتها العاصمة، سواء في ذلك نشل الحقائب وانتزاع القلائد الذهبيّة من أعناق النساء والفتيات من قبل شبان يصولون ويجولون على دراجاتهم الناريّة، من حي إلى حيّ، مروّعين النساء دون خشية ولا رادع في الغالب، أو أعمال السطو على المنازل والسيارات ومحلات التجارة والخدمات وحتى المدارس ورياض الأطفال. أو عمليات السطو في الحافلات والمترو من قبل عناصر محترفة، تجعل السلاح الأبيض وسيلة لإسكات ضحاياها، أو تحويل وجهة فتيات وإخضاعهنّ لأعمال اغتصاب فردية أو جماعيّة، أو الاعتداء بالفاحشة على أطفال صغار، وهي جرائم قد تنتهي بقتل الضحيّة، والتخلّص منها بطرق وحشيّة، كما حصل في الفترة الأخيرة للتلميذتين في حيّ خالد بن الوليد.

لا شكّ أن القضاء المبرم على الجريمة أمر متعذّر ومطلب مثالي، وأن كلّ مجتمع ينتج معدلا ما من الجريمة. وعليه فالمسألة تدور حول نسبة وطبيعة الأعمال الإجرامية، وإمكانيّة محاصرتها وخفضها إلى الحدّ الذي تصبح فيه محتملة. وبالنسبة لتونس لا نعتقد أن ثمة مصداقيّة لما يمكن أن يوجد من إحصاءات حول الجريمة. والأسباب لذلك عديدة، منها خوف نسبة لا يمكن تحديدها من الأشخاص أو العائلات من "العار" الذي يلحقها في حالة البلاغ عن حالات الاعتداء الجنسي، ومنها بالخصوص يأس متزايد نُعاينه لدى الناس من إمكانيّة تدخل عناصر الأمن لملاحقة ووقف المعتدين، أو من جدوى هذا التدخل في حالة الإبلاغ. ويتعلّق الأمر هنا خاصّة بجرائم السرقة والنشل، فعندما تسأل شخصا في هذه الحالة عن نتيجة مساعيه لدى مركز الأمن يقول لك أحيانا كانت الإجابة "ثمّاش روح؟"، وبعابرة أخرى: إن لم يكن هناك قتل أو إصابة خطيرة فما الداعي للتعب والمشقّة! وفي حالات كثيرة أخرى يتم تسجيل الشكوى... وينتهي الأمر. ولا تعجب بعد ذلك أن تتكرر أعمال الاعتداء في نفس المكان وعلى نفس الشخص أو العائلة أو المنزل.

ليس غرضنا من إبراز هذا المظهر الثاني من انعدام الأمن تبسيط قضيّة معقدة كقضيّة الانحراف والجريمة. ولا شكّ أن لها أسبابها الاجتماعية، وأبرزها تيار النزوح وما يرتبط به من اجتثاث اجتماعي وفقر وهامشيّة، يغذيها الانقطاع المبكّر عن المدرسة، والذي يصبح بدوره عاملا إضافيّا يسهّل الاختلاط بالأوساط المنحرفة واتباع قدوتها السيئة. هذا بالإضافة إلى عوامل اجتماعية أخرى كالزيجات الفاشلة والنزاعات الزوجيّة وحالات الطلاق، والتي تمثل عاملا سلبيّا يحرم الأطفال من الإحاطة، ويجعلهم عناصر ناقمة ولا اجتماعيّة. ومن الأسباب المرتبطة بالتنشئة الاجتماعيّة كذلك أزمة القيم التي يعيشها مجتمعنا التونسي، وبالخصوص فئة المراهقين والشباب. وبصدد هذه النقطة أيضا لا نروم تبسيط مسألة معقدة ولكننا لا نخالنا مخطئين إذا اعتبرنا من أسباب الفوضى الأخلاقيّة، إلى جانب العوامل المذكورة أعلاه، تراجع القيم الدينية في تكوين النشء، وعجز التربية المدنيّة عن تعويضها.

لقد كانت الأخلاق التقليدية سواء منها الدينيّة أو العرفيّة كقيم الشهامة والرجولة والحشمة تشكل في السابق رادعا قويّا دون نموّ الانحراف والجريمة. وكان من المفروض في ضوء التفكك المتزايد للمجتمع التقليدي وثقافته. أن يتزايد دور التربية الدينية أو المدنيّة في توجيه الأجيال ليلعب دور البديل الوظيفي للأعراف القديمة، في الحفاظ على مستوى مقبول من التماسك الاجتماعي. ولكن يبدو أن المجتمع التونسي بصدد الخسارة على كلّ هذه الأصعدة. فمن ناحية لا يودّ التوجّه الحكومي الاعتماد كثيرا على الأخلاق الدينية بسبب تخوفات غير مبررة من مضاعفات سياسيّة محتملة، إذ إنّ التديّن والأخلاق الدينيّة لا ينتجان بالضرورة معارضة سياسيّة دينيّة متطرّفة. ومن ناحية ثانية فقد تراجع الاهتمام الرسمي بزرع الفضائل المدنيّة عمّا شهدته المرحلة البورقيبيّة، فصارت التربية المدنيّة شأنا مدرسيا بحتا أو تكاد، بدل أن تكون مهمّة الجميع، ومهمة كافّة مؤسسات الدولة، كما أصبحت برامجها في التسعينات أقرب إلى الشعارات الأيديولوجية، التي تُحشى بها أدمغة أطفال ومراهقين، غير قادرين على هضمها، خاصّة وهي مقطوعة عن الواقع المعيش، وبذلك فقد هذا المسلك الأخير دوره في توجيه السلوك، وغرس المثل العليا.

إذن تمثّل المشكلات الاجتماعيّة والأزمة الأخلاقيّة في تونس حقلا ملائما لنموّ الانحراف والجريمة، ويشكّل التقدّم في معالجتها شرطا لا بدّ منه للنجاح في محاصرة الجريمة وإضعاف الاستعدادات لارتكابها. ومع ذلك فإن ثمة عاملا آخر بوسعه أن يساعدها أو يعرقلها حسب الحالات. ونقصد به مستوى وطريقة توظيف إمكانيات المؤسستين الأمنيّة والعدليّة في مكافحة هذه الآفات. لقد أثبتت الدراسات التي أجريت في بعض البلدان الغربية في نطاق علم اجتماع الجريمة وجود علاقة بين ظاهرة إحالة عديد المخالفات والجرائم إلى الأدراج من قبل المحاكم بسبب قلّة الإطار البشري، وبين ارتفاع معدّل الجريمة. وبعابرة أوضح فإن "سكوت" تلك المحاكم وعدم مقاضاتها للمنحرفين يجعلهم يتوقعون الإفلات من العقاب، ويشجهم ذلك على ارتكاب المزيد. ولا شكّ أن الحالة تطرح على مستوى مراكز الأمن وتكاثر الشاكايات التي لا تتم متابعتها بكامل الحرص والحزم، ممّا يخلق الشعور لدى المنحرفين بأن مصالح الأمن غافلة عنهم، أو منصرفة إلى مشاغل أخرى، وأن احتمال محاسبتهم على ما تقترفه أيديهم ضعيف.

تكمن المفارقة التونسية في النموّ المشهود به لقدرات الجهاز الأمني من جهة، وتنامي الجريمة التي لا تتعرّض للعقاب من جهة ثانية. وهو وضع شاذ، ويقتضي معالجة سريعة وحاسمة باستخدام الإمكانيات الكبيرة المتوفرة لضمان أمن المواطنين وزرع اللاأمن في صفوف المنحرفين والمجرمين. ومن المتعيّن أن تتمّ هذه المعالجة سواء على مستوى عمل الأجهزة الأمنيّة أو على مستوى المعالجة القضائيّة، التي تتطلّب توخي الصرامة في تطبيق القانون بالنسبة للجرائم الخطيرة كالاغتصاب والقتل العمد والاعتداء بالسلاح الأبيض، وخاصّة في حالة الاغتصاب المصحوب بالقتل، ومن ذلك عدم التردد في إنزال عقوبة الإعدام بالسفاحين وتنفيذها فيهم حتى تكون رادعا وعبرة.

إن وجود جهاز أمن قويّ أمر واقع، فلا أقل من أن يكون حاضرا حيث يتعيّن حضوره، وأن يوظّف لحماية أمن المواطنين، أما النظام العام وأمن الدولة فينبغي أن يستند في المقام الأوّل إلى إرساء علاقة سليمة بالمجتمع المدني، والتعاطي مع الأطراف السياسية المعارضة، وصولا إلى إقرار تفاهم أو ميثاق وطني يحدّد بطريقة الحوار والإقناع جملة من الخيارات والثوابت المجتمعيّة، ويضع قواعد للعبة السياسيّة مقبولة وملزمة للجميع. وإذا ما تحقق ذلك فإنّ الظروف ستصبح مهيأة لا فقط  للتطوّر السياسي السلمي، واحترام القانون، والتوقي من الإرهاب، وزعزعة الاستقرار، وإنّما كذلك لمعالجة الأسباب العميقة للانحراف والجريمة.


(*) أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بتونس
 

© Aqlamonline 2004