مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

محــور العـدد  

"الشرق الأوسط الكبير"
يستهدف ضرب ممانعة حضارتنا للتذويب


مهدي مبروك لـ"أقلام": عندما تسترد الأمة المبادرة التاريخية تهدأ "فوبيا" الآخر


أجرى الحوار محمد الحمروني (*)

يثير الزميل محمد الحمروني في هذا الحوار قضايا شائكة ومعقدة، حضارية واجتماعية وسياسية، ويبحث قضايا الإصلاح والنهضة

الأستاذ مهدي مبروك

وعلاقتها بالداخل والخارج، معرجا على تجارب تاريخية قريبة وبعيدة، عارضا على منصة التشريح قضية "الشرق الأوسط الكبير" الأمريكي. وهو يطرح هذه الإشكاليات، بطريقة منهجية، على باحث مثابر ومتميز، هو الأستاذ مهدي مبروك، أستاذ علم الاجتماع بجامعة تونس الأولى (كلية 9 أبريل).

والأستاذ مبروك أكاديمي من النوع الجاد، وله عدة دراسات وبحوث في مجال اختصاصه، بعضها تحت الطبع. ولعله يمثل بجديته ومثابرته الجيل الجديد من الباحثين والأكاديميين التونسيين، الذين يجمعون بين الاهتملم العلمي والهموم الوطنية.. فهو متواضع بشكل لافت... كثير الإنصات، فإذا تحدث أجاد وأفاد.. وفي ما يلي نص الحوار:

* نعرف أن محاولات عديدة للإصلاح والتحديث فشلت في العالم العربي والإسلامي من محمد عبده وجمال الدين الأفغاني إلى ابن ابي الضياف وخير الدين.. إضافة إلى فشل الدولة القطرية الحديثة، التي جاءت بعد الاستقلال.. فشلت كلها في الإصلاح والتحديث فلماذا فشلت كل هذه المحاولات، وهي التي كانت نابعة من الداخل ومتناغمة مع الذات؟ وأمام فشل هذه المحاولات هل يمكن لمجتمعاتنا أن تستورد نظما جاهزة للحكم من الخارج؟

- الحكم المطلق على محاولات الإصلاح والتحديث بكونها فشلت فيه قطعية حادة، تغفل بعض المسائل، التي حدثت خلال أكثر من قرن. لذلك علينا قبل كل شيء أن ننسب الأحكام، ونحدد المفاهيم، التي نستعملها، ولو بصفة إجرائية ومؤقتة.

ربما ظلت أهداف الإصلاح الكبرى كالديمقراطية والعدل والحرية ومناهضة الاستبداد، كما طرحتها مفاهيم مدونة الإصلاح والنهضة آنذاك، والعدالة الاجتماعية والعلم والعقلانية والتقدم ووضع حد للتبعية، غير مدركة كليا، ولكن يبدو أننا تزحزحنا بعض الشيء عن مواقع التخلف التي كنا نملأها.

نسق الانتقال محبط ومخيب للآمال، ولكن مع ذلك نحن نتحرك. لا ينكر مختص أنه تحققت مسائل.. مكاسب.. في مجال التحديث الاجتماعي، خصوصا وضع المرأة، تعميم التعليم وانتشاره، والصحة العمومية بكل خدماتها ومرافقها إلخ.. كل هذه المكاسب لم تكن منة تمنحها الدول. كانت طورا استجابة لمطالب النخب والجماهير، وطورا تحت وطأة الخارج أنظمة وجمعيات ومنظمات غير حكومية.. صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات الحقوقية العالمية.. وطورا آخر كانت في شكل مقابل تبتز به الدولة مواطنيها لشراء الشرعية ولو بالتقسيط.

* ماهي أسباب الفشل إذا؟

- أسباب الفشل عديدة ومتداخلة، ولكن يمكن على سبيل الحصر أن نذكر البعض منها..

1- غياب الزمر الحاملة لمشروع النهضة والإصلاح. في الغرب كانت الزمر هي التي تحمل هذه المشاريع، وهي زمر مركبة تتألف من مفكرين ورجال أعمال وساسة وشرائح اجتماعية كبرى، على شاكلة طبقات أو غيرها.. فهل بالإمكان أن نستحضر النهضة دون استدعاء الفنانين ورجال السياسة والاقتصاد المتنورين والبرجوازية المتوثبة على بقايا الإقطاع؟.

كانت تلك الزمر تحمل المشاريع وتدافع عنها وتخوض صراعات، أحيانا، دموية لفرض المشاريع تلك.. هذا المشهد لم يحدث في الوطن العربي.. كانت النهضة إما تفكيرا خالصا من إبداع أفراد كالطهطاوي والأفغاني وعبده وغيرهم، أو تحديثا مسقطا تشرف عليه الدولة ورجالاتها، كما هو الحال مع تجربة محمد علي أو خير الدين.. محاولات الإصلاح هذه لم تسندها زمر، لذلك فشلت في خلق حراك اجتماعي شديد، يعيد فرز القوى الاجتماعية والسياسية.

2- كما إنه من الضروري ذكر سبب آخر هو السياق التاريخي، الذي رافق النهضة، وهو سياق شهد الهجمة الاستعمارية الشرسة على جل مناطق الوطن الوطن العربي، وما ستتبعها من نتائج خطيرة شملت جل الأصعدة.. في هذا السياق لم تكن هناك قوى سياسية واجتماعية تقدر على حمل المشروع والدفاع عنه وتجسيمه. سلبت مقومات السيادة فانكمشت المبادرة وتلاشت في ما بعد.

أغلب تيارات الإصلاح والنهضة العربية كانت ناجمة عن علاقة الصدمة مع الآخر (الغرب الأروبي على وجه التحديد)، وهو ما يجعلنا نقر بأنها لم تكن من الداخل الخالص. كانت نتيجة الاستفاقة على جموح الآخر وعنفوانه، إلى حد العنف، لذلك سميت النهضة، وكأنها في رمزيتها ترادف اليقظة.

الاستثناء الوحيد ربما كان الحركة الوهابية، وبعض حركات الإحياء الديني المبكر.. كانت محاولات الإصلاح هذه تصدر من ينبوع الإسلام والإحياء، وتمتد من إسلام عتيق أصيل، لم تربكه أحداث الآخر وجلبته.. كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب تصدر عن إسلام عتيق هادئ داخليا، رغم أنه غاضب عن (الأنا)، بفعل ابتعادها عن الأصل.. يكتشف الشيخ ابن تيمية والغزالي والأتراك، في حين يكتشف الطهطاوي باريس، ويكتشف الجبرتي بونابرت وغيره من الفرنجة. والفرق بائن بين التجربتين، وقد لعبت العوامل الجغرافية والسياسية المؤدية لانعزال الهوية العربية الدور الحاسم في تعميق خصوصية التجربة الوهابية.

3- السبب الثالث والذي لا يقل أهمية هو (غدر) الدولة الوطنية لطموحات النخب والجماهير، التي خاضت معارك التحرر الوطني، تحت لافتات متعددة، كان أهمها الحرية والديمقراطية والعدالة.. فعلا الآن وبعد نصف قرن على استقلال الدول العربية تواجهنا اللوحة قاتمة. لقد كانت تجربة بعض الأنظمة في المجال السياسي أبشع من تجارب الاستعمار، لذلك علينا أن نعيد قراءة وتأويل مفهوم (السيادة الوطنية). إنه لمن المفزع والغريب أن يشرع البعض (لعودة الاستعمار) كضرورة للتحرر من استبداد الأنظمة. ضاق الأفق السياسي، وانسدت الممكنات أمام بعض رموز النخب، على نحو حقيقي ومؤلم، وذلك ما يدفعهم للالتجاء إلى مثل هذه الأطروحات. وأعتقد أن الإدانة، رغم شرعيتها، غير قادرة وحدها على فهم غرابة تلك الدعاوى.

أما بالنسبة للجزء الثاني من سؤالكم، والخاص بإمكانية استيراد أنظمة جاهزة للحكم، فأقول إنه لم يعد بالإمكان تحصين محاولات الإصلاح من أثر الخارج أو الآخر فيها، وذلك لجملة من الأسباب أهمها ما صار عليه العالم. العولمة ليست خرافة، إنها حقيقة.. وهذه الحقيقة أعادت رسم الحدود، التي كانت تفصل بين الأمم والمجتمعات، ولذلك لابد أن نعترف بأن الحدود التي كانت تسيج الأنا في نقائه الخالص، هي بصدد الحراك المستمر، وهو الأمر نفسه، الذي حل بالآخر.

هناك اختراقات متبادلة تثير القلق والحيرة. كانت دار الإسلام ودار الحرب مجالين جغرافيين ورمزيين واضحين.. في حين أن الأمر الآن يكتنفه الكثير من الغموض واللايقين. الآخر يقطن بيتنا من خلال التلفاز تقنية وبرامج، والآخر يتلبسني واتلبسه من خلال الثياب والحلي، ناهيك عن أنماط الحلاقة والتطبيب وغيرها. لذلك لا أعتقد أنه لا يمكن أن نتحدث عن تحديث داخلي خالص إذا كان المقصود به الاعتماد على ثنائية نقية مطمئنة، قادرة على فرز الأنا والآخر، خصوصا في سياق تبعية مستفحلة، ذات أبعاد حضارية خطيرة.

لذلك لا بد من تجاوز الشعارات، التي توحي بالصفاء والنقاء، ولكنها ما إن تتاح لها الفرصة لتطبق حتى تبدأ في التعامل مع الواقع بما فيه (خارجه) بكل ذرائعية وبراغماتية. أعتقد أنه ما إن تسترد الأمة المبادرة التاريخية حتى تهدأ (فوبيا الآخر) أي فوبيا الخارج. إن الدارس للتجربة الإسلامية المبكرة حينما مثلت آنذاك مبادرة تاريخية عميقة وكبيرة، حتى كان الآخر على حجمه الحقيقي يتعامل معه كمعطى قابل للاستثمار والتوظيف.. إنه آخر قابل للتصرف فيه.. الخليفة عمر رضي الله عنه تعامل مع تجربة الدواوين في تنظيم أجهزة الدولة، دون إحالتها على خارج - آخر مخيف، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها وعمل بها.

أحيانا بنتابني هذا السؤال: لو بعث محمد (صلى الله عليه وسلم) نبيا ورسولا في بداية الألفية الثالثة، هل كان سيؤثم البرلمان والنقابة والأحزاب وغيرها؟ الأكيد أن الأمر يحتاج إلى قراءة أعمق. لذلك لا يمكن أن نتصور مرحليا، على الأقل، قيام مبادرة إصلاحية وتجربة نهضوية دون أن نتفاعل مع هذا الآخر.

* لا أحد يصدق، في الغالب الأعم على الأقل، بأن الولايات المتحدة الأمريكية تقدم مشروعها لـ"الشرق الأوسط الكبير" لسواد أعين المواطن العربي، والسؤال ما هي برأيكم الخلفيات الجيو‍‍‍‍‍‍-استراتيجية لهذا المشروع؟

- مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تعرضه الآن الولايات المتحدة الأمريكية فيه جملة من المقترحات السياسية تتعلق بالديمقراطية والانتخابات والتداول السلمي على السلطة وحقوق الإنسان واحترام الأقليات الخ.. ولكن فيه أيضا ضمنيا أو صراحة جملة من المقترحات الأخرى تتعلق بوضعية المرأة وبرامج التعليم وغيرها.. وإذا تغاضينا عن السياقات الزمنية التاريخية التي تندرج فيها، وكذلك الفاعل الذي يحركها ومقاصده، فإنه لا يمكن أن نتحفظ إلا على الجزء القليل فيها.

إن المطلع على كتابات المنظرين الأمريكيين، الذين يعملون باعتبارهم أيضا خبراء استراتيجيين لدى دوائر صنع القرار الأمريكية، يلاحظ أن المسألة تتعدى مجرد وصفة علاجية لأمراض الشرق المزمنة. إنها تصفية نهائية لحسابات عديدة. أمريكا تقدم نفسها على أنها الناطق الرسمي والتجسيد النقي للحضارة الغربية، التي عليها أن تخوض صراعها النهائي والحاسم مع الحضارات الأخرى، وعلى رأسها الحضارة العربية الإسلامية، لأنها الدائرة الحضارية الأكثر ممانعة وصدا. إنها ورغم الوهن الذي أصابها مازالت على قدر كبير من المقاومة، لذلك لابد من استهداف روح المقاومة فيها، من خلال (تذويب) نواتها الصلبة المكونة من الإسلام والعروبة.

"الشرق الأوسط الكبير" كتسمية، لا تخلو من هذه الخلفية.. لا تحيل التسمية ظاهريا لا إلى الوطن العربي ولا إلى العالم الإسلامي. استراتيجية التسمية قائمة على إعادة هندسة الجغرافيا، هندسة هي في الأصل رمزية. يتغير المرجع فتكون من تبعاته تغير الإحالات والتوجهات. ولكن تحافظ هذه التسمية بقدر كبير من الدهاء على (الشرق) بكل حمولته الاستشراقية، التي تعبق بمزيج من الغرائبية والجنسانية والسحرية والعجائبية. إنه مخيال يدعو باستمرار إلى الاستكشاف والمقارنة على نحو سرمدي.

* المساحة الجغراسياسية التي يغطيها المشروع تمتد من أفغانستان وباكستان إلى موريتانيا، مرورا بإيران وتركيا وإسرائيل، فكيف يمكن تقديم مشروع يمثل في الواقع وصفة واحدة لإصلاح كل هذه الدول، دون الأخذ في الاعتبار الاختلافات الهائلة بينها، والخصائص التاريخية والاجتماعية التي تميزها عن بعضها؟

- المشروع الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية يقتضي كما هو معلن أن يكون (خارطة طريق) نحو الحداثة والتحديث عموما، وهو غير معني بالتفاصيل الدقيقة، لأنها قد تغفل الخصائص التاريخية والاجتماعية للبلدان. ولكن كمشروع هو مطالب بتقديم خطوط مرجعية عريضة، يتحرك الإصلاح في أفقها. لذلك فإن النقد الحقيقي لا يتوجه للمشروع على أساس أنه أخفق في التنبه إلى تفاصيل البلدان الدقيقة؛ بل إن النقد الحقيقي يتوجه إلى المضامين والمقاصد وهي لا تدرك إلا في ظل السياقات التاريخية التي يرد فيها المشروع.

أنا أومن بالسياقات.. وأعتقد أنها قادرة على إنارة العديد من الزوايا في تناولنا للظواهر التاريخية والحضارية. فالسياق أحيانا يطغى على الحدث أو المبادرة، لأن المقاصد والخلفيات والمعاني هي التي تقود الحدث - الظاهرة. ما ينطق به المشروع، في براءة ماكرة، هو الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكن السياق يجعلنا نقر بأنه يتوجه نحو ترويض أكثر الدوائر الحضارية ممانعة وصدا.

أعود إلى سؤالك الآن فأقول إنه توجد فعلا قواسم مشتركة بين موريتانيا وباكستان وإيران وتركيا والسعودية وتونس إلخ.. خذ مثلا غياب الديمقراطية، وضمور المجتمع المدني، وافتقاد مبادئ وتقاليد التداول على السلطة، والقائمة تطول.. نقول هذا بكل مرارة: قد نتحول قريبا إلى الاستثناء التاريخي الوحيد إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التحولات الديمقراطية المهمة، التي هي بصدد التشكل في فضاءات حضارية مختلفة كإفريقيا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا. أخشي أن نتحول إلى محمية حضارية يعرض فيها آخر ما تبقى من (التوحش) الحضاري: الاستبداد والجهل وغيرها من الكائنات، التي بدأت في مناطق عديدة تنقرض.

* هل هناك شروط لابد أن تتوفر، سوسيولوجيا، في مجتمع ما كشرط لوجود الديمقراطية فيه؟ وبالنسبة لمجتمعاتنا هل هناك عوائق سوسيولوجية جوهرية تحول دون التحول إلى الديمقراطية والحرية؟

- حتى تتجذر التجربة الديمقراطية في المجتمعات العربية بإمكاننا، من وجهة نظر أكاديمية، أن نقترح جملة من الشروط أهمها تشكل فضاء عمومي يتبادل فيه الناس، نخبا ومختصين وعاديين، الآراء حول قضايا الديمقراطية ومفاهيمها وشروطها إلخ.. بما يتيح وجود نقاش حر.

أما الشرط الثاني فهو تحصين الديمقراطية ثقافيا من خلال تنشئة الناس، بمختلف أجيالهم وشرائحهم على قيمها وأركانها واستتباعاتها، حتى لا تنحصر التنشئة في الفضاء المدرسي والتربوي العام. إذ كيف نتصور تجربة ديمقراطية حقيقية، في حين أن الاستبداد والتعسف والاضطهاد وغياب التعددية قيم وممارسات هي أيضا عائلية وفي الشغل.. إلخ.

أما الشرط الثالث فهو تحصين الديمقراطية قانونيا أي من خلال ترسانة تشريعية موضوعية وعقلانية، حتى لا ترتهن إلى أمزجة الزعماء وإرادتهم. ولا اعتقد أن هناك عوائق سوسيولوجية تحول دون التحول الديمقراطي في الوطن العربي. ليست هناك عوائق جوهرية غير قابلة للتجاوز. ولكن من الاصوب أن نتحدث عن صعوبات أو عراقيل، فهذه الأخيرة ظرفية وقابلة للتدارك وذلك من طبائع العمران.

الدول الغربية: فرنسا وألمانيا مرت بأزمات الديمقراطية، وتطلب استقرار الديمقراطية فيها لتبدو لنا عريقة وذات تقاليد عقودا، إن لم نقل قرونا، شهدت الديمقراطية خلالها انتكاسات وتراجعات.. وتلك هي ديناميكية الديمقراطية.. أما إثارة عدم نضج المجتمعات العربية باعتبارها عائقا يمنع تجريب التحول الديمقراطي فهو حجة واهية، لأنه حكم معياري يفتقد لأدنى مقومات الصواب العلمي: مفهوم النضج العقلي للشعوب مفهوم ولد في وهم الانتروبولوجيا الاستعمارية لتبرير الغزو والاستعمار، بدعوى إنضاج تلك الشعوب عقليا. ثم إنه يصدر عادة عن أطراف غير مخولة لا علميا ولا أخلاقيا بإصدار الحكم، فهي من وجهة نظر شرعية سفيهة، خصوصا في غياب مؤشرات النضج وعلاماته، فمن أين لها أن تطلق هذه الأحكام؟ وعلى ما استندت؟ ونحن نعلم تدني البحث العلمي (النظري الميداني)، مما يجعل تلك الأحكام، انطباعات أو أوهام.

* يعتبر البعض أن إغفال المشروع للصراع العربي الاسرائيلي، نقيصة كبرى فيه، ويقولون إن لا إمكانية لأي إصلاح أو تطوير للبلدان العربية، ما لم يحل هذا الصراع، فهل صحيح أن الصراع العربي الاسرائيلي هو سبب كل الأمراض التي تعاني منها مجتمعاتنا من ديكتاتورية وقمع للحريات وجهل وتخلف شامل لكل مناحي الحياة؟

- أغفل مشروع الشرق الاوسط الكبير الصراع العربي الاسرائيلي عمدا ومكرا، لأنه معني أصلا بتقديم تصور كبير للإصلاح السياسي في ذلك الفضاء الجغرافي أولا، ولذلك هو لا يرى في التطرق للصراع العربي الإسرائيلي تطرقا مباشرا أي أثر، بل قد يكون له أثر عكسي، لأنه قد يحيل إلى ضمنيات الأهداف وما خفي من المقاصد.

يتصور الأمريكان أن (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، سيهيئ العوامل ويخلق مناخا ملائما لحل الصراع العربي الإسرائيلي، بل قد يكون الحل إحدى نتائجه الحتمية، خصوصا وقد باشرت الولايات المتحدة الأمريكية مشاريع خصوصية موضعية، تستهدف حل الصراع طبعا وفق منضورها الخاص ومصلحتها الذاتية.

أما في ما يخص الجزء الثاني من السؤال فلا اعتقد صراحة أن الصراع العربي الإسرائيلي من شأنه أن يعرقل التحول الديمقراطي في المجتمعلت العربية. لقد استفادت الأنظمة العربية وما زالت تستفيد من هذا الصراع.. لقد شكل لها رأس مال رمزي مهم استثمرته في التشريع للقمع والاستبداد.. وكلنا يتذكر التجارب المريرة، التي مرت بها بعض الدول المحسوبة على معاداة إسرائيل في مسائل الديمقراطية.. فباسم الصراع أجلت الديمقراطية وقمعت النخب وانتهكت ابسط حقوق الإنسان.

إنني اعتقد أن المواطن العربي إذا كان أكثر حرية وأمنا وديمقراطية كان أكثر وطنية. إن الأنظمة العربية غير الديمقراطية هي الأنظمة، التي تفرز أكثر من غيرها مظاهر اللاوطنية.. لم يعد بالإمكان، بعد الذي حدث في العراق، أن نفكر وفق منطق الأولويات: الوطنية لها الاولوية على الديمقراطية، التنمية لها الاولوية على الديمقراطية. علينا أن نستبدل ذلك بمنطق التلازم والتشارط، خصوصا حين ننزل الأمر في سياق تحرر حضاري ينهي التبعية.

* يرتكز الرافضون للمشروع الأمريكي على نظرية المؤامرة، التي تضع ألف نقطة استفهام على كل ما يصدر عن الآخر الأمريكي والغربي.. إلى أي مدى يمكن لهذا الطرح أن يكون مشروعا؟ وهل تبقى لنا إمكانية للتعامل مع هذا الآخر، إن استقرت في أذهاننا فكرة أو نظرية المؤامرة؟

- لست من أصحاب نظرية المؤامرة، لأنها إذا تحولت إلى "باراديغم" في التفكير أو رؤية للعالم، دلت على شخصية هلوسية فصامية. كما لست من أصحاب نظرية (النوايا الحسنة). لابد أن أكرر أهمية استحضار السياقية، لأنها تمنحنا، كما كنت قد ذكرت سابقا، آفاقا للتحليل رحبة وعميقة.

النهضة العربية منذ ما يزيد عن قرن طرحت مشاريع للإصلاح السياسي والاجتماعي، صدرت عن مشارب فكرية مختلفة، لذلك طرحت قضية الحكم والاستبداد وتعليم البنات والحرية الخ.. كما إن الحركات الاجتماعية، خلال حقبة الاستعمار وما بعده، خاضت نضالات عديدة لإدراك تلك القيم.. لذلك فإنه يجوز القول إنها مطالب تستجيب لحراك داخلي، لا يقطع مع الخارج كما ذكرت سابقا على شكل تاثر، انبهار، إعجاب، تقليد، حتى لا يفهم أن التأثير هو عمالة وخضوع وخيانة. هذه المطالب الداخلية فشلت في إدراك أهدافها.

تغافلت الولايات المتحدة الأمريكية عن مساندة هذه المطالب لأكثر من نصف قرن، بل إنها عملت على إجهاضها وإحباطها، وتحالفت مع الأنظمة الأكثر استبدادا في المنطقة لقمع تلك النخب والحركات، والآن ولسياقات شديدة الخصوصية تحاول أن تلتف على تلك المطالب، وتقدم نفسها على أنها هي صاحبة المشروع.

كيف نتعامل هل باسم الخوف من تهمة التحالف والتآمر معها نتخلى عن تلك المطالب، أو على الأقل تأجيلها؟ أم نكفر تلك المبادئ ذاتها، ونعتبرها بدعا وآثاما، لأنها صادرة عن عدو متآمر؟ أعتقد أنه من الواجب رفع الحرج، الذي لا تستفيد منه إلا الأنظمة، من خلال توطين النضال من أجل تلك المبادئ، والتمسك بها. والمراد بالتوطين هو التحرك بتلك المبادئ في حيز وطني خالص، يشدد على أهمية الكرامة والسيادة الوطنيتين، مع تفعيل جميع الأطراف الوطنية شرائح ونخب وشخصيات اعتبارية، بعيدا عن عقلية الاستئصال والإقصاء.

إذا التقت المصالح فلا يعني ذلك أن تتخلى النخب الوطنية عن مصالحها باسم تجنب الشبهات.. إن الذي يحصننا من الشبهة هو توطين النضال، وليس التخلى عن المصلحة ذاتها.

* يستشهد المدافعون عن المبادرة الأمريكية بنجاح الولايات المتحدة في تطوير وتحديث كل من ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، فيما يعرف بمشروع مارشال. هل يمكن إرجاع التطور الكبير والسريع لكليهما إلى الدعم الأمريكي فقط؟ وهل يمكن إعادة نفس التجربة مع العالم العربي الإسلامي؟

- الولايات المتحدة الأمريكية مولت مشاريع إعادة إعمار ألمانيا واليابان في سياق تاريخي شديد الخصوصية، حيث كانت تقتضي المصلحة الأمريكية انذالك أن تسترضي هذين الشعبين، حتى لا ينجذبا إلى وهج الماركسية، ممثلة آنذاك بالاتحاد السوفيتي وفلكه. كانت هذه الحركة سياسية اقتصادية بالدرجة الأولى، قائمة على (عقدة الذنب)، تبرز أكثر تجاه اليابان، بعد فظاعة القنبلة الذرية الملقاة على مدنها.

أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية أموالا طائلة لأنها كانت بصدد إعادة هندسة الفضاء الجغرافي والسياسي. أما السياق الحالي فهو مختلف، لأن أمريكا لأسباب عديدة غير قابلة لفكرة تعمير الوطن العربي، بل من مصلحتها أن يظل متخلفا تابعا اقتصاديا وسياسيا، لذلك فإنها لا تقبل إلا الاستثمار السياسي في شكله الأكثر بخسا (أقل كلفة)، تنصيب كارازايات وبعض القطع المتطورة من سلاح الجو.. ولا أتصور مطلقا أنه بالإمكان إعادة تلك التجارب، فالتاريخ لا يعيد نفسه، وإن أعاد نفسه ففي شكل مهزلة. ما يحدث في العراق فعلا مهزلة، والأمر نفسه ينسحب على أفغانستان. وهل تعتقد أن تحديث أفغانستان يقتضي نزع النقاب وإباحة أفلام الدعارة؟

* يستند المشروع الذي تعرضه الولايات المتحدة الأمريكية على تقارير التنمية البشرية 2000 و2002، وقد وجهت لهذه التقارير عدة انتقادات، والسؤال ألم تكن الإحصاءات وخاصة المقارنات التي جاءت في هذه التقارير تخل بمصداقيتها كبحث علمي؟ ثم ألا ترى أن هذه التقارير وظفت بطريقة تخدم أهداف آنية للولايات المتحدة الأمريكية؟

- إن خلاصة تقارير التنمية البشرية تفيد أننا لم نبلغ بما (يرضي) الغايات الإنسانية الكبرى: المعرفة، والحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية. وهي غايات تجمع عليها كافة الشرائع السماوية والتشريعات الوضعية المتنورة. ولا يمكن في اعتقادي أن "نكابر" ونظن أن التقرير قد أساء التشخيص فعلا، فهو تقرير يرصد، ويحاول أن يقدم مداخل ممكنة للأسباب والحلول.. وهو لا يكتفي بتحميل "النظم السياسية" المسؤولية وحدها، فهذا في اعتقادي تبسيط مخل بتعقد الظاهرة. إن التقرير مثلا يشير إلى أساليب التسلط المعتمدة في الأسرة العربية، وكيفية تحولها إلى كابح للسؤال المعرفي، ناهيك عن أساليب البيداغوجيا القهرية المستعملة في المدرسة، وضمور الفردانية المبدعة والمستقلة، لدى الفرد منذ طفولته المبكرة.

قد تكون هناك تعميمات في غير محلها، وذلك هو عيب "التقارير"، التي تتناول أقاليم حضارية واسعة، ولكن هذا التعميم هو من قبل البناء النموذجي.. تسقط للضرورة "الخصوصيات" المحلية.

لو نأخذ مثلا على ذلك استخدام الانتريات مثلا. التقرير يشير إلى نسبة استخدامه في الوطن العربي لا تتجاوز 16 بالمائة من السكان. هذا الرقم جد هزيل مقارنة ببعض الأرقام الحضارية الأخرى. قد تكون النسبة مرتفعة في الإمارات العربية أو الكويت، ولكن هل يتغير المشهد العام كثيرا. الأمر نفسه ينسحب على الميزانية المخصصة للبحث العلمي.

التقرير الاول والثاني يقترحان حلولا تجمع كلها على إطلاق الحريات والتعبير والتنظيم الخ.. النهوض بالبحث العلمي، الاهتمام بالتقسيم العادل للثروة و"العودة إلى صحيح الدين"، والاعتزاز بالثوابت. ولا أعتقد أن هذه الحلول مرفوضة..

على عكس ذلك يمكن قبول جلها، خصوصا وأن العديد من الخبراء، الذين أسهموا في هذه ال&#