|
بقلم أحمد قعلول
يقوم هذا المقال
بتقديم فكرة عن نظريات السلطة من حيث مفهومها وآليات تطبيقها ضمن المنظومة
السياسية الأمريكية بالخصوص، والغربية عموما، وذلك بغرض الكشف عن آليات ممارسة ما
يسمى باللعبة الديمقراطية داخل الولايات المتحدة، ومن ثم تقديم فكرة عن نوعية
الديمقراطية، التي تسعى القيادة الحالية لواشنطن إلى تطبيقها على العالم العربي
والإسلامي، أو ما تصفه بمنطقة الشرق الأوسط الكبير.
ويتناول الجزء الأول
من المقال تعريفا ما يوصف باللعبة الديمقراطية من حيث شروطها والقوانين التي
تحكمها. ثم يمر المقال إلى تقديم تناول مفهومي للسلطة من خلال مستويات تطبيقها
شارحا التحولات، التي طرأت على هذا المفهوم كي تصل به إلى مستوى يقوم أساسا على
آلية التحكم في وعي موضوع فعلها، من أجل ضمان اندراجه الطوعي في الأجندة الخاصة
للجهات المهيمنة.
ومن ثم يعود المقال
إلى موضوع البدء "الديمقراطية الأمريكية" كي يحاول الوصول إلى الكشف عن نوعية
المشروع الأمريكي في المنطقة، لينتهي إلى طرح تساؤلات بشأن حظوظ نجاح هذا المشروع
في المنطقة ومعوقاته.
يدور نقاش خلال
الفترة الأخيرة حول المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير، وهو مشروع يبشر بعدد
من الموعودات، التي تحتاج من أجل تحقيقها إلى إنجاز عدد من التحولات في منطقة
العالم الإسلامي أكان ذلك على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي. ويمكن
تلخيص تلك التغييرات والتحولات في ثمرتها السياسية المرجوة، والتي يصفها
الأمريكيون بإلحاق المنطقة بمنظومة العالم الديمقراطي.
وقد لقي هذا المشروع
نقاشا واسعا على المستوى الرسمي من الجانب العربي والأوربي ومن جانب عدد من النخب
العربية. وقد كانت المخاوف، التي عبر عنها النظام المصري متعلقة أساسا بالتهديد
الاستراتيجي للأنظمة العربية، بما إن الديمقراطية ستأتي بالأصولية. وقد شارك
الأوربيون الأنظمة العربية نفس الاحتجاجات. وفي المقابل تعتبر بعض النخب العربية
أن المشروع الأمريكي يريد تصدير ديمقراطية غير حقيقة للعالم العربي والإسلامي.
يثير المشروع
الأمريكي عددا من المشاكل، أحدها متعلق بطريقة التعامل مع مصطلح الديمقراطية، إذ
له شحنة خاصة في العالم العربي والإسلامي. وقد اكتسب هذا المصطلح شحنته بسبب
افتقار هذه المنطقة إلى العدالة والحرية، وبسبب تحكم الاستبداد فيها، مما جعل من
الديمقراطية حلما شحنت فيه كل المطالب السياسية، وعلقت عليه كل الآمال. وقد جعل
هذا من استعمال مصطلح الديمقراطية إسقاطا لكل هذه الآمال، بينما لا يقع ذلك لدى
المستعمل الغربي، الذي يستعمل المصطلح ضمن حدوده المعاشة، وليس ذلك بسبب ذكائه،
ولكن وببساطة لأنه يعيش التجربة، وهذا يجعل من الأهمية بمكان تقديم فكرة عن
التجربة الديمقراطية من أجل نزع عدد من الأوهام والأحلام المجنحة لدى عدد من
النخب العربية.
ثاني هذه المشاكل هو
كون المعضلة الأساسية في رأيي بالنسبة للمشروع الأمريكي ليس كونه يهدد بوصول من
تصفهم بعض الأنظمة العربية والنخب العلمانية بالأصوليون، أو بكون المشروع سيصدر
نسخة مزيفة للديمقراطية. إن المشكل في رأيي يكمن في صميم اللعبة الديمقراطية
الأمريكية وليس في الديمقراطية عموما، ذلك أن التطبيقات التي يستعملها الأمريكيون
للديمقراطية مختلفة عن تلك التطبيقات التي يستعملها الأوربيون. وهذه الاختلافات
غير منحصرة بين الأمريكيين والأوربيين. بل أن للديمقراطية تطبيقات متعددة داخل
أوروبا ذاتها. فالديمقراطية الفرنسية مثلا مختلفة عن الدمقراطية البريطانية، مما
يسمح لنا بالحديث عن تطبيقات مختلفة للديمقراطية، بحسب البلد، وبحسب الأعراف،
وبحسب القوانين، التي يتواضع عليها اللاعبون المشاركون في العملية الديمقراطية.
على أن هذه
الاختلافات لا تنفي السمة الغالبة على الممارسة السياسية في الأنظمة الديمقراطية،
ألا وهي الإدارة السلمية لعملية الصراع حول السلطة. مع العلم بأن وصفها بـ"سلمية"
لا يلغي إمكانية الإكراه أو التلاعب، ولكن ضمن قوانين مشتركة ومضبوطة سلفا بين
الأطراف المشاركة في اللعبة.
1- في وصف الديمقراطية:
هناك الكثير من
الأعمال والبحوث، التي قام بها باحثون أمريكيون وغربيون في العموم من أجل نقد
التجربة الديمقراطية، وخاصة من خلال نموذجها الأمريكي.
ويبقى من المهم للرأي العام العربي أن يطلع على مثل هذه الأعمال كي يتعرف على
حقيقة موعودات الديمقراطية، وذلك ليس من أجل التخلي عن المطلب، الذي يبقى مشروعا
ومطلوبا، خاصة في ظل القهر، الذي تمارسه الدولة في صيغتها العربية، وخاصة إذا ما
كانت الدولة هي السقف المطلوب بلوغه وإنجازه من خلال النضال السياسي أو عملية
التغيير السياسي. وسنكتفي في هذا المقال بمحاولة سريعة للكشف عن بعض تفاصيل
المشهد الديمقراطي الأمريكي، وذلك من أجل كشف آلياته، والركائز التي يقوم عليها.
يستعمل
الأنغلوسكسونيون كلمة "لعبة" عند الحديث عن الممارسة السياسية، وهم يميزون بين
اللعبة الوسخة واللعبة النظيفة
>
والمهم في استعمال هذه الكلمة "لعبة" هو الدلالات التي توحي بها: فاللعبة عادة ما
تكون بين طرفين على الأقل. ويفترض في هذين الطرفين التساوي بمعنى تساوي الحظوظ.
وللعبة عادة مجموعة من القوانين المتواضع عليها، والتي تقبل بها الأطراف
المشاركة. واللعبة تفترض مسبقا ربح طرف وخسارة الآخر، على أن بعض المنظرين في علم
السياسة يتحدث عن لعبة ليس فيها أطراف خاسرة، وهي ما يسميه بعضهم "a
win case scenario".
كما إن للعبة جائزة
يفوز بها أحد اللاعبين، أو يفوز بنصيب الأسد فيها. فاللعبة هنا هي الديمقراطية،
والجائزة هي السلطة، واللاعبون هم الأحزاب السياسية، والقانون المعروف والأبرز
لهذه هو الاحتكام للرأي العام.
على أن لهذه اللعبة
في الولايات المتحدة قوانين أعقد، واستراتيجيات في إدارتها من أجل الحصول على
الجائزة أي السلطة. ومن أجل شرح هذه الآليات والاستراتيجيات فإنه من المهم تقديم
نظرة على مفهوم السلطة وطرق ممارستها، بما أن اللعبة الديمقراطية لا تخرج في
عموماها عن ممارسة السلطة نفسها، أكان ذلك من أجل الجلوس على كرسيها، أو من أجل
الحفاظ عليه.
2- في مفهوم السلطة:
يعتبر أكثر
الباحثين في الفكر السياسي أن السلطة هي أكثر الأشياء تأثيرا في حياتنا اليومية
.
وقد اعتنت
العديد من المدارس الفكرية بمحاولة تحديد مفهوم "السلطة"
power/pouvoir
ولكن ورغم هذه الأهمية فإنه يصعب الحصول على تعريف وتحديد يجمع عليه لهذا
المصطلح. ومع ذلك فإنه يمكن الاكتفاء بتعريف السلطة على أساس أنها مفهوم يتناول
علاقة ثنائية بين طرفين أفرادا أو مجموعات. وتتمثل هذه العلاقة في قدرة الطرف
الأول على التأثير على الطرف الثاني، فهي علاقة سببية في أساسها. كما إنها علاقة
خطية، بحسب أكثر التحاليل السياسية.
فالسلطة وبحسب أغلب
المحللين السياسيين هي إذا تلك العلاقة الخطية بين فاعل ومفعول به. كما إن هذه
العلاقة إكراهية لا تقوم على التوافق، وهي أنانية، تخدم مصالح الطرف الفاعل على
حساب مصالح المفعول به. ويمكن أن نجد تلخيصا لكل هذه الأوصاف في التعريف الذي
قدمه ماكس فيبر للسللطة، إذ اعتبرها الفرصة، التي تتوفر في إطار سياق "العلاقات
الاجتماعية، والتي تمكن جهة ما من إنجاز إرادتها برغم المقاومة، وبدون اعتبار
الأسس التي تقوم عليها تلك الفرصة".
يتبين من التعريف
الفيبري للسلطة أن الإكراه هو من أهم سماتها. وبما الدولة الحديثة هي في اعتبار
أغلب الباحثين الاجتماعيين والسياسيين أعلى مستوى تتجمع فيه السلطة، فقد وقع
تعريفها بما هي الجهة التي لها شرعية ممارسة الإكراه. على أن التناول الفيبري
للسلطة لا يتعلق بالدولة فقط، وذلك أن الدولة تملتك مشروعية ممارسة الإكراه،
بينما يعتبر فيبر أن السلطة تمارس الإكراه بغض النظر عن الأسس، التي تقوم عليها
الممارسة. وهذا يعني أنه ليس هناك حاجة عند ممارسة السلطة أن يكون العمل مشروعا
أو مقبولا.
والحقيقة أن التعريف
الفيبري للسلطة هو تعريف وصفي من جهة. كما إنه تعريف اعتباري يراعي القيم السائدة
في المرحلة التاريخية، التي عاش خلالها فيبر، كما يعبر عن القيم التي يبشر بها
ماكس فيبر نفسه. وقد وقع الاحتفاظ بالتعريف الفيبري في عمومه، ولكن تغير الأجواء
الثقافية لمرحلة ما بعد الحربين جعل من هذا التعريف قاصرا عن التعبير عن القيم
الجديدة، التي يريد العالم الغربي أن ينظم نفسه في إطارها ولذلك فقد وقع إضافة
العديد من التفاصيل والتطويرات عليه بفعل تطور العلوم الإنسانية، وبالذات
التطورات النوعية التي عرفها علم النفس مع المدرسة الفرويدية، والاستعمالات التي
عرفتها هذه المدرسة في مجموعة من العلوم الإنسانية الأخرى، إما بصفتها أداة
تفسيرية أو أداة اختبارية أكان ذلك في إطار علم الاجتماع، أو في علم التاريخ أو
علم السياسية، بل وحتى في إطار العلوم الحربية. وتتمثل الإضافة التي قدمتها
المدرسة الفرويدية في عملية تفكيكها للوعي البشري، وفي ضبطها لمتغيرين رئيسيين
متحكمان، بحسب هذه النظرية، في سلوك الأفراد.
فالمعلوم أن المدرسة
الفرويدية تقسم النفسية البشرية إلى مستويين: مستوى الوعي أو الشعور ومستوى
اللاوعي أو اللاشعور. وهي تعتبر أن الشعور يتمثل في حالة سطحية تخفي العمق
الحقيقي المفسر لشخصية وسلوك الأفراد، والمتمثل في اللاشعور. وتعتبر هذه المدرسة
أن اللاشعور ذاته محكوم بغريزتين بدائيتين أو حيوانيتين وهما دافع الرغبة في
اللذة وكابح الخوف من الألم. وترى هذه المدرسة أنه من الممكن التحكم في السلوك
البشري إذا ما وقع مخاطبة اللاشعور مباشرة، من خلال إثارة هذه الغرائز البدائية،
باعتبار أن مثيرات اللاشعور أقوى من مثيرات الشعور أو الوعي بحسب هذه المدرسة،
وهذا يجعل عملية التحكم تمر دون انتباه من موضوع التأثير. ومعلوم أن هذه الأساليب
في مخاطبة اللاشعور منتشرة خاصة في عالم الإشهار من مثل عمليات الإشهار، التي
تستعمل جسد الأنثى أو الذكر من أجل تسويق بضاعاتها، إذ ما هي علاقة سيارة من أي
نوع بالمرأة التي تروج صورتها إلى جانب تلك السيارة أو السيجارة؟، وما هي علاقة
الذكر نصف العاري بالعطر الذي تضعه المرأة إلا الإيهام بأن استعمال تلك البضاعة
هو طريق إلى التمتع باللذة الجنسية؟.
والحقيقية أن
النظرية الفرويدية لا تكتسي قيمتها من جانبها النظري، فقط بل تكمن خطورتها في
الاستعمالات التي وسع تطبيقها إليها، إذ بينما وضع فرويد نظريته في إطار علم
النفس المرضي، ومن أجل تفسير عدد من الحالات المرضية، فإن نظريته قد وقع أخذها في
الولايات المتحدة واستعمالها من عدد من المؤسسات، ضمن أغراضها السياسية أو
التجارية أو العسكرية إلى غير ذلك من الاستعمالات الممكنة.
وبفضل هذه النظرية
بالذات وبفضل استعمالها في عدد من العلوم والمجالات المعرفية الأخرى، تحولت
المعرفة في مجال علوم الإنسان إلى أداة للسيطرة والتحكم، بحيث وقع تحويل الإنسان
كفرد أو كمجموعة إلى موضوع مخبري، يقع عليه تجريب عدد من النظريات العلمية. وبهذا
فقد قيمته الإنسانية كي يتحول إلى شيء صالح للتداول والمبادلة. وانظر في هذا
الشأن الصراع الدائر بين الدول والمؤسسات المالية الكبرى على ما يسمونه بالأسواق،
إذ السوق هنا هو مجموعات بشرية لا ترى فيها جهات الإنتاج إلا أفواها صالحة لتبادل
تجارتها، وبالتالي صالحة للتأثير عليها، من أجل إقناعها باختيار منتوجها. والأمر
ذاته صالح عند الحديث عن السوق بالمعنى السياسي.
ونظرا لمثل هذه
التطورات في مجال المعرفة فإن استعمال مؤسسات إنتاج من مراكز البحوث والإحصاء
والمخابر إلى غير ذلك قد شاع في الولايات المتحدة بالخصوص، وذلك أن عددا من
المؤسسات المالية الكبرى، إضافة إلى مؤسسات الدولة، مثل البنتاغون ووزارة
الخارجية والرئاسة والمخابرات المركزية بل وحتى الأحزاب وعدد من الشخصيات
السياسية الأمريكية أصبح لكل منها مراكز بحث خاصة ومخابر ومكتبات، بالإضافة إلى
استثمارها للبحوث التي تقوم بها الجامعات الأمريكية المتعاونة. كل هذا مكّن هذه
المؤسسات من ثروة معرفية كبرى ومتنوعة، فتحت لها الباب واسعا لاستعمال تقنيات
ناجعة وخطيرة لممارسة سلطة التأثير والتوجيه والتحكم في الأفراد والمجموعات.
وقد كان لهذا تأثيرا
كبيرا على آليات ممارسة السلطة وعلى مفهومها، وذلك أن المفهوم الفيبري يفترض حالة
صراع واعية علنية، ويتوقع عملية التغلب في تلك العملية. ولذلك فإنه لا يستبعد
الإكراه. إلا أن الباحثين السياسيين وخاصة الذين استعملوا النظرية الفرويدية
وطبقوها في مجال ممارسة اللعبة السياسية أرادو الغوص إلى مراحل أعمق في ممارسة
السلطة. أي إلى المرحلة التي تسبق مرحلة وجود صراع بائن للأنظار
،
وذلك من أجل اكتشاف آليات ممارسة السلطة في الحالات التي لا يلاحظ فيها صراع حول
مصالح
.
على أن هناك من ذهب
إلى القول بأن السلطة تمارس لا فقط في حالات غياب الصراع بل كذلك في حالات يقوم
فيها طرف ما بأعمال تجعل عملية الصراع غير ممكنة، وذلك من خلال إقناع موضوع الفعل
أن من مصلحته أو أن مصلحته تكمن في الاستجابة لمطالب، أو الاندراج ضمن أجندة،
الطرف الفاعل، أو من خلال إقناعه بأن احتجاجه على فقدان مصالح معينة، وبالتالي
دخوله في صراع في مجال معين يهدد مصالح أهم
.
ونظرا لأهمية هذه النظيرة الأخيرة فإنني سأحاول تقديم شرح لبعض تفاصيلها.
صاحب هذه النظرية هو
"ستيفن لوكس". وتقوم نظريته في السلطة على أساس نقد لما يسميه النظرة الأحادية
الأبعاد للسلطة، وهي التي تعتبر أن ممارسة السلطة تتم فقط في الحالات التي يلاحظ
فيها صراع مكشوف حول عدد من المصالح الحيوية، وكذلك نقده للنظرة الثنائية الأبعاد
للسلطة، وهي النظرة التي ترى أن عدم وجود صراع علني لا يلغي وجود صراع مكشوف،
والتنازع حول المصالح. ومقابل هذين النظريتين قدم لوكس نظرية يعتبرها أكثر شمولا
وشرحا لحقيقة ممارسة السلطة.
فهو يعتبر أن ممارسة
السلطة لا تتم فقط في الحالات التي يكون فيها الصراع واضحا للعيان، وحيث تكون
عملية اتخاذ القرار عملية واعية، بل هو يعتبر أن أهم طرق ممارسة السلطة تكون من
خلال التحكم في وعي الطرف المنازع، ودفعه إلى عدم الاحتجاج وعدم الانتباه إلى
الخطر الذي يتهدد مصالحه، وذلك أن ممارسة السلطة تتم فعلا من خلال نجاح طرف فاعل
في دفع ثان مفعول به إلى فعل شيء، ما كان ليفعله لولا الطرف الفاعل له. ويضيف
لوكس أن ممارسة السلطة تتم خاصة من "خلال التأثير عليه، ومن خلال تشكيل وعيه،
وضبط حاجياته، بالفعل أليست ممارسة مطلقة للسلطة عندما تجعل الآخر أو الآخرين
يحملون أو يتبنون الرغبات التي تريدهم أن يحملوها، أي أن تضمن إذعانهم من خلال
التحكم في أفكارهم ورغباتهم"
يكتسي تعريف لوكس
للسلطة أهميته من كونه يكشف عن الآليات المعقدة، التي أصبحت المؤسسات تستعملها،
وخاصة في الولايات المتحدة، من أجل تحقيق مصالحها، ومن أجل إزاحة الأطراف
المنازعة، دون أن يثير ذلك أي حالة احتجاج. بل العكس تصبح الجهة المفعول بها في
خدمة جهات التأثير وهي تعتقد أنها بذلك تخدم مصالحها الخاصة، الأمر الذي دفع
العديد من الباحثين إلى طرح عدد من التساؤلات حول مفهوم المصلحة، وحول ما يمكن
تسميته بالمصلحة الحقيقة والمصلحة المتوهمة. وذلك أن الأمر، وبفعل القدرة على
التأثير والتحكم، قد اختلط ولم يعد من الممكن في إطار عملية الصراع تحديد معنى
موضوعيا للمصلحة، خاصة في وضع ليس فيه أي توازن للقوة بين مؤسسات تمتلك المعرفة
وأداوات استعمالها، وبين مجموعات غير منظمة وغير معبأة حول قضايا معينة تمكنها من
التبني الواعي لمصالح خاصة بها، دون تأثير خارجي، مهما كان نوع تلك المصالح
حقيقية أو متوهمة.
3- السلطة واللعبة الديمقراطية:
يتبين من خلال ما
سبق شرحه في ما يتعلق بمفهوم السلطة الثلاثي الأبعاد، والذي يقوم أساسا على أحكام
استعمال أساليب أدوات التحكم
Manipulation
في وعي الجهات المفعول بها، أن اللعبة السياسية تقوم على نظرة دونية للآخر بما
أنها تحوله إلى شيء صالح للاختبار والتجريب ثم التنفيذ. وقد نشأت عن هذه الفكرة
ما يسمى بنظريات الديمقراطية القائمة على نخب محترفة للسياسة، واعية بآليات
اللعبة وبحدودها.
وهذا قائم على تقسيم قيمي للمجتمع بين طبقة قليلة العدد، توصف بكونها نخبة ذكية،
وبين المجتمع الذي تتعامل معه هذه النخب على أساس أنه قطعان من الكائنات البدائية
المحكومة بغرائز الرغبة والخوف، والتي يجب لجمها عن الحقائق التي تعرفها النخب،
وذلك أنها إذا ما انتبهت يوما إلى حقيقة الأمر، فإن مصالح تلك النخب ستصبح مهددة.
كما إن اللعبة ستتحول عن آلياتها السلمية إلى أدواتها العنيفة الجاهزة دوما
للاستعمال.
وقد دفع هذا بالعديد
من المحللين إلى طرح تساؤلات حول جدية القول بالديمقراطية في الولايات المتحدة
خاصة في ظل مثل هذه المعطيات. فأي معنى لديمقراطية يتم فيها تحديد النتائج مسبقا،
من خلال مناورات تقوم بها الأطراف اللاعبة، من أجل التحكم في وعي الجماهير، ومن
أجل التأثير عليها، بحيث ترى العالم بالشكل الذي تريده لها النخب المتنفذة، وخاصة
الجهات المسيطرة على وسائل الإعلام. لا شك أن هذا الأمر يطرح الكثير من الأسئلة
على جدية القول بالديمقراطية إن لم يفرغ الكلمة من أي معنى، حتى من معنى التداول
السلمي على السلطة، وذلك أن العنف لا يكون بالضرورة دمويا، فأي شيء أعنف من تشييء
الفرد والمجموعة وتحويلهم إلى قطعان.
ولعله من المهم هنا
العودة إلى الإضافة المهمة التي قدمتها حنا أرنت في هذا المجال، وبخصوص هذا
الموضوع بالذات في كتابها القيم "عن العنف". والمجال لا يسمح لنا بالإطالة في مثل
هذا الشرح، وتكفينا للغرض استعادة السؤال الذي قدمته أرنت في كتابها عندما تساءلت
قائلة: هل سيؤدي زوال العنف في علاقته بالدولة إلى الحكم بانهاء السلطة؟
،
ثم اعتبرت أن أرقى شكل من أشكال العنف يتمثل في الممارسة البيروقراطية التي تقنن
القهر والإكراه، دون أن تترك أي مجال للمسائلة. إذ يبدو أن الأمر لا يعدو أن يكون
سوى عملية عقلنة للعنف، بحيث يصبح من الممكن الترويج له تحت أسماء مختلفة وبلباس
سلمي ورقيق لا يترك أثرا للدماء.
وفي الختام: لا يخفي
الأمريكيون أن اللعبة السياسية تقوم لديهم على مراكز النفوذ وعلى حلقات التأثير
أو اللوبيات، التي منها العرقي ومنها المالي ومنها الديني، وأن من قوانين اللعبة
استعمال وسائل التأثير والتحكم في الرأي العام، الذي من المفروض أن يكون الجهة
التي تقوم باتخاذ قرارات واعية في ما يخص القضايا الكبرى، التي تهم مصالحه
الوطنية. بينما يبدو أن أكثر تلك القضايا إنما يتخذ فيها قرار بتأثير من أجواء
ومحفزات مصطنعة. بل إن طرح القضايا نفسها لا يكون إلا عندما يكون الوقت مناسبا،
أو إذا ما وقع خلل في علاقة الأطراف المشاركة في اللعبة. ويمكن معرفة خطورة مثل
هذه الاختلافات عندما نقرأ أحداث الإعلان عن الصور المشينة لتعذيب الأسرى في
العراق، وذلك أن جميع المؤشرات تدل على أن مثل هذه الصور كانت موجودة منذ فترة من
الزمن، وأن أكثر من جهة كانت على علم بوجودها، مما يعني أن خروجها تعبير عن صراع
حقيقي داخل المؤسسة وفي صفوف النخبة. وأسباب الصراع عديدة، منها ما يعود إلى
الانتخابات الرئاسية القادمة، ومنها ما يعود إلى الصراع المحتدم بين لوبي وزارة
الخارجية ولوبي البنتاغون، الذي يترأسه رامسفيلد نفسه.
ولا شك أن تصاعد
التناقض في المصالح هو الذي ساهم في تسهيل إخراج تلك الصور. ويبدو أن ثمن هذا
الصراع هو المطالبة بإسقاط رأس وزير الدفاع رامسفيلد، أو على الأقل إضعاف موقعه،
بحيث يقع ضمان التخلص منه عندما يحمى وطيس المعركة الانتخابية. بينما نلاحظ وفي
ساحة انتخابية أخرى أي بريطانيا أن الشق المعارض في حزب العمال وحتى المحافضين لم
يتعاملوا بنفس الطريقة مع نفس القضية. فهم لم يسارعوا إلى مهاجمة سياسة توني بلير
في العراق، واستعمال موضوع تعذيب الأسرى، أكان من خلال ما شاع من أخبار عن ضلوع
الجنود البريطانيين في مثل هذه الأعمال، أو من خلال شراكة حكومة بلير مع
الأمريكان، وذلك كما يقول عدد من المحللين السياسيين البريطانيين، إن أعضاء حزب
العمال المعارضين لبلير لا يمتلكون بديلا له، بحيث إنهم يخشون إن هاجموه أن
يتسببوا في سقوطه، وبالتالي سقوط ورقتهم القوية في الانتخابات. بينما يرى
المحافظون أن استعمال ورقة الحرب الآن سابق لأوانه، نظرا لبعد موعد الانتخابات
فخيروا تأجيل المعركة.
بيّن من خلال هذا
المثال أن ما يطرح من قضايا عادة ما يحمل في طياته أجندة خفية، القصد منها التحكم
والتلاعب بالرأي العام، من أجل تحقيق أهداف غير معلنة في حينها. هناك العديد من
الشواهد الأخرى التي تبين أن عملية الصراع السياسي ليست في كل الأحوال عملية دفاع
عن مصالح حقيقية، وأن ما يسمى بالمصلحة الحزبية كما المصلحة المالية عادة ما
تتدخل وبفعالية في كثير من الحالات كي تكون سببا في إثارة قضية أو حتى في اصطناع
فضيحة. كما إنها تكون سببا في إخفائها وتجاهلها بينما يفترض منطق المصلحة العامة
إثارتها وطرحها على الرأي العام.
4- الديمقراطية الأمريكية في العالم العربي:
والآن وإذا ما أردنا الانتقال إلى موضوع اهتمامنا الرئيسي أي المشروع الأمريكي
للشرق الأوسط الكبير، وسعي أمريكا لإلحاق دول العالم الإسلامي بركب الديمقراطية.
ماذا يمكن يمكن أن تفعله أمريكا؟ وأي صورة للديمقراطية ستسعى لتحقيقها؟ وأي شعب
ستطبق عليه هذه اللعبة؟
السؤال هنا هو هل
الديمقراطية عموما، وخاصة إذا كانت على الطريقة الأمريكية مناسبة كأداة إصلاحية
للعالم العربي؟ فإذا كان هذا هو شأن الديمقراطية فلماذا تناضل شعوبنا من أجل تبني
أنظمتها لها؟ أليس ذلك تحول من السيء إلى الأسوأ؟
إن أهم سمة من سماة
الاستبداد في العالم العربي هو احتكاره بالعنف لمجال الحركة في المجال العام
والخاص. وإن النقد الموجه للمنظومة السياسية الداخلية لللعبة الديمقراطية
الأمريكية لا يسمح بمقارنتها بحالة التردي، التي تعرفها الدول العربية المستبدة
وذلك أن التطور العلمي وإن وفّر الأدوات الناجعة للهيمنة والسيطرة والتحكم، فإن
تلك الوفرة ليست محتكرة لطرف وحيد في الساحة، بل هي متوفرة لمجال واسع من النخب
السياسية والأطراف الفاعلة، بحيث يبقى المجال مفتوحا لإدارة الصراع، التي تضمن
حدا معتبرا من الدفاع عن حقوق الشعب الأمريكي، برغم أنانية النخب، وأنانية
اللوبيات ذات المصالح الضيقة، وأنانية الدوائر المالية المهيمنة.
كما إن النقد الذي
يوجه للديمقراطية يحاسبها على أساس السقف الذي يجب أن تبلغه، لا على أساس القاع
الذي يمكن أن تتردى إليه، كما هو الحال في العالم العربي. ولذلك فإن نقد اللعبة
الأمريكية ليس نفي لوجودها. كما إنه ليس إلغاء لقيمة أسسها المركزية أي الإدارة
السلمية للصراع، وضمن قوانين متواضع عليها. كما إن موضوع النقد هنا لا يجب أن
يتجه بالضرورة إلى المنظومة الديمقراطية، التي هي وإلى حد الآن من أنسب آليات
إدارة الصراع والتداول على السلطة. كما إن المشكل في الولايات المتحدة ليس متعلق
بأنانية النخب بل وتعاليها، ولكنه يكمن كذلك في المستوى الثقافي للشعوب، وفي مدى
وعيها بمصالحها وبهويتها.
والملاحظ في هذا
السياق أن الشعب الأمريكي كثير الأعراق ومختلط الثقافات. كما إنه كثير العدد.
ولكن في مساحة جغرافية شاسعة جدا، ثم هو شعب لا يمتلك تاريخا مشتركا، ولا حضارة
عريقة. فهو يفتقد إلى الكثير من الأسس التي تجعله يفكر في نفسه بصفته هوية واحدة،
ومن هنا سهل السيطرة عليه، واللعب على وعيه، الذي يفتقد إلى عمق التاريخ والحضارة.
وهذا الأمر غير موجود في أوربا مثلا، ولذلك فإنه يصعب إعمال أدوات الديمقراطية
الأمريكية إلا في حدود ضيقت، ضمن المنظومة الاجتماعية الأوربية، وذلك أن الشعوب
القديمة والعريقة عادة ما تكون الهيمنة عليها عسيرة، ويعود هذا لامتلاكها مخزونا
ثقافيا عميقا يجعلها مستوى ذكائها الاجتماعي أرقى من الشعوب الحديثة، التي تفتقد
إلى مثل ذلك التاريخ. ولذلك فإنه أمكن تسويق اللعبة الأمريكية إلى كندا وأستراليا
(وانظر قوة اللوبي الصهيوني في كل هذه الدول). فماذا عن العالم الإسلامي؟
إن الوضع في العالم
العربي الإسلامي وكما يقول ذلك تقرير راند
،
يطرح عددا من التحديات الاجتماعية والسياسية وخاصة الثقافية لماذا؟ يعتبر تقرير
راند أن المشكل في العالم الإسلامي هو عجزه عن الالتحاق بالحداثة، وعن دخول
السوق، وهذا صحيح من وجهة النظر الأمريكية. ولكن يمكن القول من الجهة الأخرى إن
التحدي راجع إلى كون العالم العربي والإسلامي استعصى عن التحديث، وعن دخول السوق
الأمريكية والغربية عموما.
على أن التحدي الذي
تعرضه الشعوب الإسلامية أكثر تعقيدا من التاريخ، الذي تنتمي إليه. فالتاريخ يحتوي
عناصر قوة لا شك، كما يحتوي منظومات سلوكية عريقة وثقيلة، تجعل عملية التغير نحو
السلب أو الإيجاب صعبة، وهي منظومات دفاعية في كل الأحوال تنفع كما تضر بحسب
المقام، ولكنها لا شك نافعة للمجتمعات، التي تتحصن بها في حال وجود خطر خارجي.
كما إن المهم في التاريخ ليس أنماطه التي يرسخها في المجتمع بقدر ما تكمن الأهمية
في المعاني التي يؤسسها في المجتمعات. كما إن المجتمعات العربية الإسلامية تمتلك،
إضافة إلى تاريخها، دينا يقوم على معاني سامية، أرقى من المعاني التي تحاول
واشنطن تصديرها إلى المنطقة. والمهم في هذه المعاني هو كونها سلاحا فعالا يمكن
الفرد المسلم من التحكم في غريزتي الألم واللذة. فمعان مثل التوحيد وربوبية الله
ومعان مثل الجنة والنار والحساب والعقاب، ثم ارتباط كل هذه المعاني بمنظومة معقدة
من التشريعات، التي تدعو الفرد المسلم إلى الالتزام بها بشكل طوعي خوفا وطمعا، ثم
زد على كل ذلك المفهوم الخاص الذي يعطيه الإسلام للحياة والموت وارتباطهما بمعنى
الشهادة والجهاد، إضافة إلى قيام كل ذلك على نص مؤسس يردده كل فرد مسلم، ولا
تمتلك أي مؤسسة سلطة احتكار تأويله.
كما إن كل هذه
الشبكة المعقدة من المعاني تقوم على أسس بسيطة، ومقولات كلية (UNIVERSAL)
سهلة التداول والانتشار، خاصة مقولة التوحيد "لا إله إلا الله". كل ذلك يجعل من
المسلم كفرد وكمجموعة وحدة معقدة، يصعب الهيمنة عليها، بخلاف غيرها من المنظومات
الثقافية والحضارية الأخرى. ولذلك لم يجد المخططون الأمريكيون من حل لمثل هذه
المجتمعات إلا السعي إلى تغيير هذه المنظومة أي الإسلام كطريقة وحيدة، وسبيل
مناسب، يؤدي إلى تسهيل الهيمنة على هذه الشعوب.
ويعتبر تقرير رند من
أهم الوثائق التي تعبر عن البرنامج الأمريكي في ما يتعلق بالمسألة الثقافية في
العالم العربي والإسلامي. مع العلم أن خطوات عديدة قد بدأت فعلا في اتجاه تنفيذ
هذا البرنامج (انظر الوثيقة التي أرسلتها واشنطن إلى المغرب والتي تدعو إلى دعم
"الاعتدال المالكي" مقابل التطرف الوهابي، ثم انظر الهجمات المتعددة التي تواجهها
المملكة العربية السعودية والضغط، الذي تلقاه من أجل إحداث تغييرات ترضي الطرف
الأمريكي. ثم انظر إلى ما يسمى بمؤتمرات الحوار بين الإسلام وأمريكا أو أوربا
وغيرها، والتي تخرج كل واحدة منها بتعريف جديد للإسلام، وكأنه يبنى من جديد).
والقصد من كل هذا هو الوصول إلى بناء نخب جديدة قادرة على ممارسة اللعبة
الديمقراطية، ولكن الفرق هنا أن قوانين اللعبة لن تكون من اختيار الأطراف، التي
تمارسها، ولكن القوانين ستكون من وضع اللاعبين الكبار، وبهذا يصبح العالم منقسما
بين لاعبين كبار يضعون القوانين، ولاعبين صغار يمارسون اللعبة، وقطعان من الشعوب
تعيش حالة من الركض وراء تحقيق اللذة والخوف من الألم.
وفي النهاية
ليس من شأن هذا المقال التنبؤ باحتمالات نجاح هذا المشروع. ولكن يكفي القول هنا
إنه إذا ما كان هذا الأمر يصعب تحقيقه على الشعوب العريقة، التي تحتكم إلى قيم
عليا وذاكرة عريقة، كما إنه وإن امتلكت الشعوب المسلمة قيما أعلى من قيم الخوف
واللذة، التي يسعى الأميركيون إلى تفعيلها، وذلك أن المواطن المسلم البسيط قادر
على اقتحام الموت من أجل تحقيق لذة عليا، وتجنب ألم أشد. ومن البين أنه وإلى حد
الآن تقوم كل الفلسفة الفريويدية والعلوم الغربية على التحكم في الفرد، من أجل
تمكينه من الحياة. وإنها إلى حد الآن عاجزة عن تقديم إجابة للموت، ولا تقديم تصور
راق له، يمكن أن ينازع في شعور ولا شعور المسلم خوفه من النار ورغبته في الجنة.
ولكن التاريخ مشحون
بالاحتمالات فكون الفرد مسلما بالتعريف لا يعني أنه بالضرورة حامل لكل ما يمكن أن
يفعله الإسلام في الفرد إضافة إلى أن العالم العربي الإسلامي ليس مسلما بإطلاق
بحيث تكون عناصر المقاومة فيه عائدة فقط للعنصر المسلم. فقد قاومت شعوب المنطقة
التحديات الخارجية من صليبيين وتتار بكل مكوناتها الدينية والثقافية والعرقية
المتنوعة.
يبقى ولذلك فإنه ليس
من العدل التاريخي ولا موضوعية البحث في الإسلام كعنصر مقاومة وحيد، وإن سمحنا
لأنفسنا باعتباره الأهم. كما تجدر الإشارة إلى تحول عدد من المناطق الحضارية
الإسلامية عن الإسلام، فانظر ما وقع في الاندلس وصقلية ومالطا مثلا. كلها أمثلة
تارخية تشهد أنه من الممكن حصول تغيرات عن الإسلام، فما الذي سيمنع من تحويل
المنطقة إلى المشروع الأمريكي، خاصة وأنه لا يريد تغيير الشعوب عن الإسلام الذي
يمثل حاجزا ثقافيا أمام الديمقراطية بحسب التناول الأمريكي؟ زد على ذلك أن آليات
العلم والمعرفة التي فككت الشخصية الأوربية والغربية يمكن أن تشتغل من أجل تفكيك
العناصر الفاعلة في الشخصية المسلمة، وبالتالي استعمالها ضدها.
ما أريد قوله هو إن
التاريخ مفتوح على جميع الاحتمالات وهو لا يتقدم حتما تجاه التبشير العلماني، أي
إلى ما يسمى بالحداثة. كما إنه لا يتقدم حتما في اتجاه التبشير الإسلامي أي تحكم
المنظومة الإسلامية من جديد. وليس لأحد في هذا المضمار أن يدعي امتلاك حقيقة
توجهات التاريخ، وإن وعد الله سبحانه وتعالى عباده بالنصر فإنه لم ينف إمكانية
الهزيمة لذلك فقد جاء "إن ينصركم الله"
فجعل تدخله احتماليا. كما إن مقاييس الزمن عنده غير بشرية، كل هذا يجعل المسؤولية
تقع على عاتق الشعوب، وخاصة على عاتق النخب التي تنتجها هذه الشعوب، ولذلك كان من
المهم أن تحدد الشعوب العربية والمسلمة وبوضوح مطالبها وشعاراتها السياسية.
إن الديمقراطية شعار
رفعته العديد من مكونات المجتمع المدني خاصة في العالم والعربي وقد انتهت الحركة
الإسلامية خاصة خلال العقد الأخير إلى تبني هذا المنظور، ضمن مقولاتها المرجعية.
يبقى المشكل أننا في العالم العربي لا نحتاج فقط إلى تبني الديمقراطية، فنحن
نحتاج إلى القدرة على وضع قوانين للعبة تضمن حقوق الشعوب المحكومة، كما تضمن
تمثيلية حقيقية لمصالح تلك الشعوب، وبالتالي لا تضمن فقط قدرة اللاعبين على ضمان
مصالحهم دون إثارة احتجاج المحكومين. فليس كافيا أن يتحول الصراع من تداول عنيف
على السلطة إلى تداول سلمي.
إن الديمقراطية
تحتاج أن تعرّف نفسها في عالمنا بما هي تداول للنخب الأقدر على تمثل مصالح شعوب
المنطقة الحقيقة، وحبذا أن يكون ذلك التداول سلميا. كما تحتاج الديمقراطية أن
تعرف نفسها بما هي تعددية الجهات القادرة على الدفاع والمدافعة عن المصالح
المتنوعة والمتعددة في المجتمع. فالصراع والقدرة على مواصلته بأساليب وأنماط
سلمية هو الذي يضمن ضيق مجال الاستبداد وضمور منافذه. وقد قال تعالى: "ولولا دفع
الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين"
المــراجع
-
Robert Weissberg, ‘Why
Policymakers Should Ignore
Public Opinion Polls’,
in Policy Analysis, N402, May 2001
-
Lawrence R. Jacobs,
Politicians Don't Pander: Political Manipulation and the Loss of Democratic
Responsiveness, University of Minnesota, Chicago University Press, August
1999
-
NAVIGATING PUBLIC OPINION,
Polls, Policy, and the Future of American Democracy, Edited by: jeff manza,
fay lomax cook, Benjamin I, Oxford university Press 2002
-
Peter Morris, Power a
philosophical analysis, Manchester University press, 1957.
-
Herbert Marcuse,
One-Dimensional Man, Cox and Wyman, 1964
-
Ernest Gellner, Reason an
Culture, Blackwell, Oxford UK 1994.
-
Steven Lukes, ‘Power A Radical View’
British Sociological Association, 1984.
-
Hannah Arendt, ‘On Violence’, The Penguin
Press, 1970
-
Max Weber, Basic Concepts in Sociology,
peter Owen ltd, 1962.
-
Robert A.Dahl, Who Governs?
Democracy and Power in an American City, New heaven and London, Yale
University Press 1961.
-
Modern political Analysis,
prentice-Hall Foundation of modern political sciences, 1976.
-
Michel Foucault, Power
essential works of Foucault 1954-1984 V3, ed by James D. Faubion, Penguin
Books. 2000.
|