|
تونس - أقلام أون لاين (خاص)
أجرى الحوار محمد فوراتي
أقامت الولايات
المتحدة الأمريكيّة ثلاثة مكاتب إقليمية في كل من تونس وأبو ظبي والقاهرة، وذلك
في إطار "مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط"، التي أطلقتها في أواخر السنة 2003،
على أمل فتح جسور جديدة مع الحكومات، وخاصة مع مؤسسات المجتمع المدني والنخب،
التي تعارض مواقفها من القضايا العربية.
ويندرج عمل هذه
المكاتب في إطار مشروع أوسع هو "الشرق الأوسط الكبير" المثير للجدل، والذي تراوحت
ردود الفعل عليه بين الرفض والقبول. ويشمل المشروع الأمريكي مجالات عريضة تبدأ من
"الشراكة" في تحقيق "إصلاحات" سياسية وتربوية واقتصادية، وصولا لتعاون عسكري أكبر
مع حلف شمال الأطلسي.
وقد أثار إعلان
الولايات المتحدة فتح مكتبها لرعاية الشراكة مع الشرق الأوسط في تونس، ردود فعل
رافضة عموما لهذا الدور، الذي تريد أمريكا لعبه في منطقتنا، ولكنّ موقف النخبة
التونسية لم يتسم بالوضوح، ربمّا لانحصار الحريات عامة، وحريّة التعبير خاصة.
وفي هذا الملف
ترصد مجلة "أقلام أون لاين" آراء أربعة من الكتاب والصحفيين والسياسيين التونسيين
من المشروع الأمريكي ومشاريع الإصلاح، تفاعلا مع الجدل الذي تعيشه النخبة العربية
عموما في هذا الظرف التاريخي.
ارتباك النخبة
العربية وضرورة استرداد المبادرة
صلاح الدين الجورشي - كاتب وصحافي تونسي
أظن بأن النخبة
العربية ذات التوجّه الإصلاحي قد فوجئت بهذا المشروع، ولم تتمكن إلى حدّ الآن من
التوصّل إلى تحديد موقف واضح ومتوازن منه. ويعود ذلك إلى عاملين رئيسيين، الأول
يتمثل في أن جزء هاما من مسودّة المشروع الأمريكي تعتمد على الأهداف والمطالب
الديمقراطيّة، التي طالما ناضل من أجلها الإصلاحيون في المنطقة العربية. ولهذا لا
يستطيع المثقفون العرب الاعتراض، من الناحية المبدئية، على ما تضمنه مشروع الشرق
الأوسط الكبير من توصيف للأزمة الشاملة، التي تتخبّط فيها المنطقة. كما أنهم لا
يعترضون أيضا على القسم الأوفر من المقترحات العمليّة الواردة بنفس الوثيقة،
لأنّها في الحقيقة هي مطالبهم، أي إن الإدارة الأمريكية، بعد أن كانت تقف إلى
جانب الأنظمة التعسفيّة، من أجل حماية مصالحها، انتقلت لتقف على أرضيّة المثقفين
العرب، وذلك أيضا من أجل الدفاع عن مصالحها.
العامل الثاني
الذي يفسّر حالة الارتباك، يتمثّل في السياق العام الذي يتنزّل فيه هذا المشروع،
وهو سياق إقليمي ودولي، يتّسم بالعنف السياسي والعسكري والإعلامي وحتى الثقافي
الموجّه ضدّ المنطقة برمتها. وقد بلغ هذا العنف أوجَهُ في احتلال العراق. وهكذا
وجد المثقفون أنفسهم يواجهون قوّة احتلال تتبنى مشروعهم الإصلاحي.
والذي يفسّر
عملية تهاطل مشاريع الإصلاح الواردة من خارج المنطقة، هو أن الجسم العربي
الإسلامي قد بلغ منتهى الضعف، وأنّ النظام الإقليمي العربي بالخصوص قد استنفد
مقومات استمراريته وبقائه. وعلّمنا التاريخ أن كلّ أمّة تبلغ حالة المرض
والشيخوخة تتكالب عليها بقية الأمم، ولهذا فاللوم لا يوجّه بدرجة أساسيّة
للطامعين في ثروات الأمّة وفي أراضيها، بقدر ما يوجّه إلى أبناءها من أنظمة ونخب
وقوى اجتماعيّة.
ولذلك لا يكون
الردّ برفع العقيرة بالصياح وتوجيه التهم لهذه المشاريع، وإنّما بالإسراع في
إدارة حوارات داخليّة لا تقصي أيّ طرف من الأطراف، من أجل تجاوز حالة الجمود،
وبالتالي فإن استرداد المبادرة لا يتمّ إلا من خلال الشروع عمليا في إحداث
إصلاحات جوهريّة ملموسة، تجعل الأمّة بكلّ مكوناتها تندفع نحو إنقاذ دورها. بل
أقول إنقاذ وجودها من الاندثار.
وأعتقد أن شحن
الشباب والجماهير بخطاب معادي للغرب أو للولايات المتحدة الأمريكية سيبقى عملا
عابثا لا جدوى تترتب منه، بل لا يمكن أن يكون هذا الضغط الدولي عاملا من العوامل
الهامّة، التي يجب استثمارها من أجل تغيير طبيعة العلاقات السائدة، وخلق شروط
جديدة، وبناء تحالفات وطنيّة مختلفة، وليست هذه هي المرّة الأولى في تاريخنا أو
في تاريخ شعوب أخرى يختلّ فيها التوازن بين عاملي التغيير الداخلي من جهة،
والخارجي من جهة أخرى، ففي أحيان كثيرة تبلغ فيها الأوضاع الداخلية لأمّة من
الأمم مرحلة يكاد فيها أن تتحقق الاستحالة بتغييرها انطلاقا من شروطها الذاتيّة..
عندها يكون تدخّل سنّة التاريخ، ويحصل كسر من الخارج، يمكن أن تترتب عنه خسائر
فادحة، ولكنّه مناسب لصعود قوى جديدة تأخذ المبادرة، وتدخل في ديناميكية داخلية
للبناء والتغيير والتطوير.
أنا لا أقصد
بذلك الاستناد أو التحالف مع القوى الخارجيّة لتغيير الأوضاع. فهذه القوى تبقى في
الأخير طامعة، ولا تخفي أهدافها الاستعماريّة، لكن هذا التجاذب والاصطدام من شأنه
أن يقدم المجال لتغيير بعض المعادلات الداخليّة وحتى الإقليمية والدوليّة. ومع
ذلك لا أتمنى تكرار ما حصل في العراق، فالتكلفة كانت باهظة ولا تزال، ولكن أقول
هل يمكننا أن نتّعظ بما حصل في العراق كأنظمة وشعوب ونخب.
ومن جهة أخرى
علينا أن نعمل بشكل سريع ومتضامن من أجل إخراج العراق من المأزق الحالي، لأنّه
رغم الدماء والخسائر الكبيرة في الأرواح والاقتصاد، فإن العراقيين بإمكانهم أن
يخرجوا من محنتهم بنظام ديمقراطي يحترم الأدنى، ولا يكرر الاستبداد القديم.
رغم الطابع
اللاأخلاقي لكلّ أشكال التدخل الخارجي، لكنّها تؤدي في كثير من الحالات إلى إضعاف
الأنظمة المركزيّة، وهو ما يسمح بإمكانيّة أن تغيّر هذه الأنظمة من أساليبها
وعلاقاتها بمواطنيها. وهذا في حدّ ذاته بداية التغيير، لأنه في كثير من الحالات
تقوم هذه الأنظمة بإيقاف ومصادرة إرادة الأفراد والجماعات والجماهير. وبما أن
السلطة في مجتمعاتنا لا تحتكر فقط العنف، ولكنّها تعمل جاهدة لاحتكار كلّ شيء،
والنتيجة هي الجمود وموت المجتمع، لهذا أقول إن الضغط الخارجي يمكن أن يفتح فجوة
لتجديد الأوكسيجان، لكن بشرط أن تكون المبادرة بعد ذلك بيد أبناء الأمّة، أي لدى
القوى الوطنيّة، وقد يؤدي ذلك إلى مصالحات بين الأنظمة وشعوبها، وهذا ليس أمرا
سلبيا بل أمرا مطلوبا وجيّد، ولكن السؤال الأهم يتعلّق بالمعارضات وأزمة المجتمع
وهو من أين نبدأ؟ ولا يعني ذلك أن نطلب من الدول الغربية أن تبدأ لأنّها بدأت
فعلا.. ويبقى مجال الإبداع الوحيد كيف نحوّل المأساة إلى تغيير ديمقراطي حقيقي.
رفض المشاريع
الإمبريالية في المنطقة العربية
فتحي الشامخي- أستاذ جامعي ورئيس منظمة "التجمع من أجل بديل عالمي للتنمية"
طلعت علينا
إدارة الرئيس الأمريكي بوش، في مستهل السّنة الجارية، بمشروع "إصلاح شامل" لأوضاع
ما أسمته "الشرق الأوسط الكبير". ويمتد هذا التقسيم الجغراسياسي، من المغرب
الأقصى إلى أفغانستان شرقا، ويشمل كافة الأقطار العربية (باستثناء السّودان)
وتركيا وإيران وأفغانستان ودولة إسرائيل. ويتضمن نص المشروع وصفا لبعض ملامح
التخلف الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة العربية. كما يشمل برنامج عمل يهدف، حسب
زعم مصممي المشروع، إلى تخليص هذه الأخيرة على وجه الخصوص من واقعها الراهن،
والسّير بها على طريق التقدم. ومن أهمّ محاور هذا البرنامج، الديمقراطية والحكم
الصالح، والتعليم بجميع أبعاده، والتجارة والاستثمار والأعمال المالية الحرة.
ونظرا لضخامة المشروع وأهميته بالنسبة للأمن والسلام العالميين، كما تقول الإدارة
الأمريكية، فإنها تقترحه على جدول أعمال قمة بلدان مجموعة الثمانية (الكبار) لكي
يصبح مشروع القوى العظمى المشترك.
إن أول ما يلفت
الانتباه في هذا الصدد، هو الكمّ الهائل من ردود الفعل والمواقف والتحاليل، التي
جاد بها علينا "المحللون السياسيون" والسياسيون و"العلماء" وغيرهم من الناطقين
باسم الأمة العربية والإسلامية، العارفين بما يزيدها وما ينقصها. ثم سرعان ما
تركز الجدل حول منبع "الإصلاح" هل هو "الداخل" أم "الخارج"؟. وعلى ما يبدو فإن
الرأي قد استقر على حتميّة الإصلاح من جهة، ثم على رفض أي تدخّل أجنبي في الشأن
الداخلي العربي والإسلامي من جهة أخرى. ويجرنا ذلك إلى إبداء الملاحظات التالية.
أخضِعت أغلب
الأقطار العربية، الواحد تلو الآخر، منذ عقدين من الزمن، (باستثناء العراق بسبب
الحرب أو الحصار والأقطار الخليجية النفطية. فيما التحقت ليبيا مؤخرا ببقية
الرّكب) إلى "مشروع التكييف الهيكلي" الذي أعدّه كل من البنك العالمي وصندوق
النقد الدولي. وعلى الرغم مما يمثله هذا المشروع الليبرالي الجائر من تدخل سافر
في مسائل تُعدّ من مشمولات السيادة الوطنية، وخاصة ارتفاع كلفتها الاجتماعية
وكذلك الاقتصادية، من دون أن تجني منها هذه البلدان فائدة تذكر، فإن أغلب الأطراف
التي تعارض اليوم بشدة المشروع الأمريكي (بغض النظر عن معارضة بعض الحكام العرب
للمشروع)، لم تحرك ساكنا للاعتراض على مشروع مؤسسات برتن وودز.
في نفس الإطار،
قبلت سبع حكومات عربية (المغرب، الجزائر، تونس، مصر، الأردن، لبنان، سوريا)
بالإضافة إلى السلطة الفلسطينية، خلال قمة برشلونة (نوفمبر 1995) "مشروع الشراكة
الأورو- متوسطية". في الأثناء، لم يجد هذا المشروع الأوروبي معارضة على الإطلاق
داخل البلدان المذكورة، باستثناء بعض المبادرات ذات الفعالية المحدودة كالتي
بادرت بها جمعيات "أطاك المغرب"، و"مركز الديمقراطية وحقوق العمال" في رام الله،
و"درا الخدمات النقابية والعمالية" بحلوان، و"رَادْ أتَاكْ تونس"، بالاشتراك مع
عدّة جمعيات ونقابات من الضفة الشمالية، والمتمثلة خاصة، في عقد "قمة بديلة"
بمدينة مرسيليا (9-11 نوفمبر 2000) مناهضة "للشراكة الأورو- متوسطية". في نفس
الوقت, وعلى بعد عدة مئات من الأمتار، كان العديد من الشخصيات العربية المستقلة
والجمعيات غير الحكومية والنقابات مجتمعة في "المنتدى المدني الأورو- متوسطي"
المتفرع عن "مشروع الشراكة".
فلماذا يقبل
الجميع المشروع "الأورو- متوسطي" بينما يرفضون اليوم المشروع الأمريكي، الذي لا
يختلف في جوهره عن المشروع الأوروبي؟ فالمشروعان، رغم بعض الاختلافات الشكلية،
يتفقان في توصيف المرض وفي طريقة علاجه. فكلاهما يتنزل في إطار العولمة
الرأسمالية، وبالتالي فإنهما يتمحوران حول مسألة التحرير الاقتصادي الشامل
(خوصصة، تفكيك الحماية الجمركية، تحرير القطاع المالي والمصرفي، إزالة كافة
التشريعات المقيدة للمبادرة الخاصة، تفكيك منظومة الخدمات الاجتماعية
والعموميّة...)، كحل مزعوم لجميع معضلات الأقطار العربية.
كما يعلن
الجانبان، الأوروبي والأمريكي، "نوايا طيبة" تتعلق باحترام الحريات الديمقراطية
وحقوق الإنسان، دون أن يبديان استعدادا حقيقيا لإجبار الحكام العرب على مطابقة
سياساتهم مع هذه المبادئ. على عكس ذلك، تخضع إجراءات التحرير الاقتصادي
والاجتماعي إلى رزنامة مفصلة، ومراقبة مباشرة. كما يعتبر المشروعان عملية التطبيع
مع الدولة الصهيونية ركنا من أركان الإصلاح! لذلك أدرجت الإدارة الأمريكية دولة
إسرائيل في خريطة "الشرق الأوسط الكبير"، في حين سبقها الاتحاد الأوروبي إلى ذلك
منذ سنة 1995.
ما من شك في أن
تنصيص الحكومات الأوروبية، ثم الإدارة الأمريكية، على ضرورة احترام المبادئ
الديمقراطية، ومقومات الحكم الصالح، وإشعاع الحرية في المنطقة العربية، من شأنه
أن يجد في نفوسنا التي سئمت حياة الغبن، في ظل الأنظمة الاستبدادية، والمتعطشة
إلى الحرية والعدالة بعض التجاوب. لكن رغبتنا في الحريّة لا يجب أن تحجب عنّا
طبيعة الأشياء. إن القوى الإمبريالية المهيمنة لا تعير في الحقيقة اهتماما
لتطلعاتنا ورغباتنا. فهي تنظر إلينا من خلال المنظار الاقتصادي، انطلاقا مما
تقتضيه مصالحها الخاصة. ومن الناحية السياسية لا تنظر إلينا إلا من خلال الزّاوية
الأمنية، واستقرار الأوضاع. هكذا كانت ولا تزال نظرة القوى الإمبريالية إلى
المنطقة العربية وإلى العالم.
من الواضح إذا
أننا "ابتلعنا عدة أفاعي" كما يقول المثل، لكنّ ذلك لا يجب أن يكون مبررا لكي
نبتلع المزيد. إن معارضة المشروع الأمريكي بحجة "الإصلاح من الداخل"، وإن بدت
ضرُورية، فإنها في نظرنا غير كافية. حيث لا يجب أن يحجب عن أنظارنا شبه الإجماع
الحاصل ضد المبادرة الأمريكية مسائل على غاية من الأهمية. فمن حقنا أن نتساءل عن
حقيقة الخلفية التي تدفع اليوم بالكثيرين إلى معارضة المشروع الأمريكي؟ فإذا كان
جوهر المشروعين الأوروبي والأمريكي واحد، أي تدخل استعماري إمبريالي سافر (بكل ما
يحمله المفهوم من معان)، فلماذا هذا الاختلاف الحاد في المواقف إزائهما؟ هل أن
الأمر لا يتعدّى دائرة الدلالة الرمزية. أي التعبير عن رفض الغطرسة والاستفزاز
الواضح في سياسة الرئيس بوش دون توجيه أصابع الاتهام إلى لبّ النظام.
أما المسألة
الثانية التي يمكن أن يحجبها عن أنظارنا الإجماع العربي الرافض للمشروع الأمريكي،
فتتعلق بالموقف من الحكام العرب في عملية "الإصلاح". أي هل نعتبر أن هؤلاء الحكام
ونظم حكمهم هم جزء من المشكلة أم أطراف في الحلّ؟
يبدأ نص
المشروع الأمريكي بوصف سريع للوضع الاقتصادي والاجتماعي العربي الراهن من خلال
بعض المؤشرات التأليفية ذات الدلالة. وفي مقدمة هذه المؤشرات نجد إجمالي الناتج
المحلي الخام. حيث يقول النص بأن الناتج العربي هو أقل من الناتج الإسباني. أي إن
22 بلدا عربيا، التي تعُدّ ما لا يقل عن 280 مليون ساكن قد حققت، سنة 2003, ناتجا
خاما قيمته 420 مليار دولار، بينما حقق سكان إسبانيا الـ 40 مليون ناتجا قيمته
550 مليار دولار! لكن لو نضع جانبا عائدات النفط الخام فإن البون سيتسع أكثر بين
إسبانيا وبين 22 بلدا عربيا. بإمكاننا أن نكتفي بهذه المقارنة التي تبرز لنا
بجلاء عمق الفجوة الاقتصادية التي أصبحت تفصلنا حتى عن أقل بلدان الشمال تقدّما.
إن المقارنة لم تجر بين أوضاعنا العربية مع بلد من بلدان مجموعة الثمانية، ورغم
ذلك فإن إسبانيا وهي التي كانت تعتبر، عند سقوط نظام فرانكو سنة 1975، من بين
البلدان ذات التطور الاقتصادي المتوسط وكانت تعاني من أوضاع لا تختلف كثيرا عما
كنّا فيه، قد تفوقت اليوم على البلدان العربية مُجمّعة!
ولسائل أن
يتساءل لماذا فشلت الأنظمة العربية وقد توفر لديها من الثروات الطبيعية ما لم
يتوفر للكثيرين من غيرها، وخططت ونفذت السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي
شاءت، واستبدت بالسلطة خلال نصف قرن، وحكمت كما يحلو لها، وقمعت بشدة كلّ من
سوّلت له نفسه نقدها؟
فشلت لأنها
أقصت الشعوب العربية من كل مشاركة حقيقية في الحقل العامّ، ولأنها أجبرتها على
البقاء خارج دائرة الفعل السياسي، ولأنها استغلت كافة الطاقات الحيّة
(والمعدنيّة) لحساب أقلية من المحظوظين، وتركت الأغلبية الساحقة من السكان العرب
تكابد الفقر والهشاشة.
لم يعد هناك
اليوم عذرا واحدا لهذه الأنظمة. فهي ليست طرفا في ما يسمى الإصلاح. ولا هي طرف في
الحلّ، بل جزء هامّ من المعضلة. فبقدر ما يجب علينا رفض الوصاية والهيمنة
الإمبريالية، سواء كانت أوروبية أم أمريكية، لأنها تتعارض في جوهرها مع مصالحنا
الأساسية، فإنه من الضروري أيضا أن نرفض، دون تردد، وصاية حكامنا وهيمنتهم. فلا
يجب أن نقابل رفض الهيمنة الأجنبية بقبول الهيمنة والوصاية المحليّة، مهما كانت
المبررات.
أما حان الوقت
لكي ننفض عنّا غبار الذل والهوان، ونأخذ مصيرنا بأيدينا، وندقّ أبواب التاريخ من
جديد، ونقف إلى جانب شعوب العالم وقفة الندّ للندّ، لنساهم مع بعضنا البعض، في
إطار التآخي والسلام والتضامن، في بناء عالم أفضل؟.
التغيير الديمقراطي
اليوم أصبح مهمة تاريخية في العالم العربي
رشيد خشانة - كاتب وصحافي تونسي
اختيار تسمية
"الشرق الأوسط" ليس اعتباطيا فأمريكا تحرص دائما على إدماج الدولة العبرية في
رؤيتها للمنطقة العربية، ولذلك أطلقت في جميع مشاريعها تسمية "الشرق الأوسط" على
النطاق الجغرافي، الذي يشمل الوطن العربي مشرقا ومغربا. وهاهي تطلق تسمية "الشرق
الأوسط الكبير" على المنطقة الممتدة من موريتانيا إلى أفغانستان، في إطار تذويب
الهوية الدينية والقومية للعالم الإسلامي، وإدماج الكيان الصهيوني فيه.
والأرجح أن
الأوروبيين لا يعترضون على هذا التقسيم جوهريا، لكنهم يتناقضون مع الرؤية
الأمريكية، التي تسعى للاستحواذ على خيرات المنطقة وثرواتها بمفردها، متجاهلة حصص
حلفائها. لكن ما هي أوجه الافتراق الأخرى بين مفهوم "الشرق الأوسط الكبير"
الأمريكي، والمنظور الذي تضمنه المشروع الأوروبي؟
أول الاختلافات
يتعلق بالتخوم الجغرافية للمشروع، فالأمريكيون يضيفون إلى الوطن العربي إيران
وباكستان وأفغانستان، مما يجعل المنطقة المعنية بمشروعهم تبدأ من أطراف السنغال
إلى الحدود الجنوبية للاتحاد الروسي. أما الأوروبيون فيقتصر الشرق الأوسط الذي
يقصدونه على الوطن العربي إضافة إلى الكيان الإسرائيلي.
ومن حيث
المضامين لم يختلف مشروع أوروبا الجديد عن مشروع برشلونة، الذي أطلق في سنة 1995،
فهو إعادة صياغة له من دون كبير جهد أو جديد إبداع. والجديد الوحيد ربما هو
المكانة المحورية التي بات يحتلها مفهوم "الإرهاب" الزئبقي في الوثيقة الجديدة،
والتي تعكس قراءة متحاملة على حضارة جنوب المتوسط، أي الحضارة العربية الإسلامية،
في صيغ مبطنة حينا، وصريحة أحيانا أخرى.
أما البلدان
العربية فهي رافضة للإصلاحات الأمريكية ليس من باب الوطنية ورفض الوصاية، وإنما
بدافع الخوف الشديد لدى الحكومات من تتابع الإجراءات الرامية لتكريس الانفتاح،
على نحو يجعل التفصي منها، أو التراجع عنها مستحيلا.
وعلى هذا
الأساس فإن المشروع الأمريكي يتوجه في الدرجة الأولى إلى الشعوب وكذلك إلى النخب
القريبة من الناس، ويسعى لإثارتها ضد الأنظمة الاستبدادية. وفي هذا السياق نفهم
إنشاء المكاتب الإقليمية الثلاثة الخاصة بتسويق مبادرة الشرق الأوسط الجديد في كل
من تونس وأبوظبي والقاهرة.
وأتى هذا
التطور بعد ثلاث لحظات مفصلية في تعاطي الرئيس بوش والمحافظين الجدد الماسكين
بالقرار في البيت الأبيض مع العالم العربي والإسلامي، هي أولا خطاب 26 فبراير من
السنة الماضية، أي قبل شن الحرب على العراق، والذي دعا فيه لضرب "الجذور
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للإرهاب بتوسيع الديمقراطية"، مشددا على ضرورة
القيام بإصلاحات جوهرية، من أبرز عناوينها تعزيز المشاركة السياسية والانفتاح
الإعلامي.
واللحظة
الثانية كانت خطابه في السادس من نوفمبر الماضي، الذي لا يمكن أن ينسى، والذي
انتقد فيه "ستين سنة من المجاملة الأمريكية للأنظمة الاستبدادية"، معلنا نهاية
حقبة وبداية أخرى جديدة، تتسم بالانحياز للتغيير، وفي مقدمته تطوير الإعلام
المحلي، والقيام بإصلاحات سياسية شاملة.
أما اللحظة
الثالثة فكانت خطابه عن "حال الأمة" في 20 يناير الماضي، والذي أكد فيه بصراحة
أنه "مادام الشرق الأوسط فريسة للطغيان واليأس والغضب فإنه سينتج حتما رجالا
وحركات تهدد أمن الولايات المتحدة"، وبعبارة أخرى فإن كبت الحرية هو حاضنة
الإرهاب، مما يعني أن الأنظمة المستبدة ينبغي أن تتغير أو تغيرها أمريكا.
وبهذا المعنى
فإن "الشرق الأوسط الجديد" هو عنوان مشروع استعماري شامل، والشمول هنا جغرافي،
لأنه يطاول العالم الإسلامي بأسره تقريبا، مثلما هو قطاعي، لأنه يتناول السياسة
والتعليم والاقتصاد والثقافة في آن معا.
وطبعا لا يتمتع
هذا المشروع بأي مصداقية أو رصيد من الثقة في أهدافه، خصوصا بعد انكشاف أعمال
التعذيب الوحشية في سجن أبو غريب، وتدخل الإدارة الأمريكية السافر لفرض تلجيم
قناة "الجزيرة" القطرية. فالولايات المتحدة التي طالما رفعت لواء الدفاع عن حرية
التعبير في البلاد العربية والإسلامية، باتت أكبر مطالب بفرض قيود على الإعلام
وإخضاعه للرقابة. انقلبت الأدوار مع اشتداد ضراوة القتال في العراق، فصارت الدولة
التي أحرجت الأنظمة العربية بطرح مشروع "الشرق الأوسط الكبير" تضغط علنا على قطر
"لضبط" قناة "الجزيرة"، ومنعها من تجاوز "الخطوط الحمراء".
لكن التغيير
الديمقراطي، الذي هو مهمة تاريخية اليوم في العالم العربي، والذي يشكل شرطا لأي
تحديث أو نهضة اقتصادية وسياسية وحضارية، لا يمكن أن يكون سوى ثمرة مسار داخلي،
يتجاوز النخب ليعبئ الجماهير. وهنا يأتي دور الأحزاب الأصيلة ومنظمات المجتمع
المدني المستقلة عن السلطات وهي قليلة في عالمنا العربي.
ولابد لكي يكون
عملها فعّالا ووازنا أن تتجاوز الخلافات العقائدية العميقة وتشكل جبهة قومية -
إسلامية - يسارية طبقا لتضاريس كل ساحة، كفيلة بإنهاء الحروب الأهلية العربية، إن
كانت بين دول مثل نزاع الصحراء الغربية أو داخل البلد الواحد، ذلك أن الاحتراب
والتنابز، هو الذي يضعف القوى البديلة، ويمكن الأنظمة القائمة من الاستمرار.
أفق الإصلاحات مسدود وغامض
محمد القوماني عضو
الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان
بالرجوع إلى نصّ وثيقة
مشروع "الشرق الأوسط الكبير" نتبين أن المقدمات، التي يتأسّس عليها هذا المشروع
تعود إلى المعطيات والإحصائيات، التي تضمنها تقريرا التنمية العربية لسنة 2002
وسنة 2003، واللذان أعدهما خبراء عرب، بالتعاون مع منظمّة الأمم المتحّدة. وتلك
الإحصائيات، كما جاء في نصّ الوثيقة، كانت "مُروّعة"، وتعكس "أن المنطقة تقف على
مفترق طرق"، وأن النواقص الثلاثة، التي حدّدها التقريران وهي الحريّة والمعرفة
وتمكين النساء من الحقوق، تخلق ظروفا "تهدّد المصالح الوطنيّّة لكلّ أعضاء مجموعة
الثماني"، كما ورد في نصّ المشروع، وذلك اعتبارا لما تخلّفه الأوضاع المشار إليها
(سياسيا واقتصاديا ومعرفيا واجتماعيا) من تهديد لاستقرار المنطقة، وما تسببه من
"زيادة في التطرّف والإرهاب والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة". وأكدّت
الوثيقة على أن تلك المعطيات المحبطة لا تنسجم إطلاقا "مع الرغبات التي يعبّر
عنها سكّان تلك المنطقة"، وأنها "تمثل نداءات مقنعة وملحّة للتحرّك في الشرق
الأوسط الكبير".
ولا يملك أيّ مطلع
موضوعي على أوضاع التنمية بالبلاد العربية، المشار إليها في مقدمة وثيقة "الشرق
الأوسط الكبير" إلا أن يساند الدعوة إلى إصلاح النواقص، التي حدّدها تقريرا
التنمية العربية، وهو ما "يشجع الديمقراطية والحكم الصالح، وبناء مجتمع معرفي،
وتوسيع الفرص الاقتصادية". ،ما اقترحت الوثيقة. فالمشروع في ظاهره يبدو مقبولا
وإيجابيا في مقدماته وأهدافه، ومستجيبا لتطلعات شعوب المنطقة ونخبها خاصّة. ولا
يشكّل مشروع "استعمار جديد"، ولا تقسيما جديدا للعالم، كما يُروّج البعض.
يبدو مشروعا للولايات
المتحدة، التي طالما اكتوت شعوب المنطقة بسياساتها المؤيدة للأنظمة الديكتاتورية،
سرّا وعلانيّة، والحريصة على إجهاض أي مشاريع صادقة للوحدة والتنمية في البلاد
العربيّة.. يبدو مشروعا لها أن تغيّر سياساتها، وأن تتطلّع إلى رعاية مصالحها
ومصالح الدول الثماني القريبة لها، عبر سحب تأييدها للاستبداد، وإعلان دعمها
للحريّة والديمقراطيّة والتنمية. فقد يكون دعم الديمقراطيّة أنسب اليوم، في
المنظور الاستراتيجي الأمريكي لضمان المصالح. خاصّة بعد أن تغيّر وجه العالم |