مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

بين يدي العدد الحادي عشر


القمة العربية.. لا إصلاح ولا توحيد كلمة

عقدت القمة العربية وانتهت، وكأن المهم أن تعقد وتنتهي. تأجلت القمة لنحو شهرين، بسبب قرار "سيادي" اعتباطي، ثم عقدت بنصف الملوك والرؤساء العرب، وانسحب من حضر من الزعماء، قبل أن تنتهي القمة.

لم يتحقق في القمة للقضايا العربية شيء. بقي الموقف من العراق باردا باهتا، تحت السيطرة الأمريكية كالمعتاد، بعد أن تشرعنت سيطرة الحكومة العراقية الموالية للاحتلال على مقعد العراق في الجامعة العربية.

ولم يتحقق لفلسطين من القمة أيضا أي شيء. وكل ما حصل في القمة تراجع عربي رسمي جديد بالنسبة لدعم الشعب الفلسطيني، سياسيا، بعد أن استحال الدعم العسكري وعز الاقتصادي، حتى وصل الأمر إلى حد إدانة العمليات الاستشهادية الفلسطينية، وهي سلاح الفلسطينيين الضعفاء والمقهورين، من خلال إعلان القمة رفض المس بـ"المدنيين" من الجانبين.

والحقيقة أن القمة كانت في مستوى الموقف الفلسطيني الرسمي. إذ تطوع الرئيس الفلسطيني، الذي يجاهد للإبقاء على دور لشخصه في المعادلة، بإعطاء تنازلات القمة ومساواتها بين المدنيين الفلسطينيين وما يسمى "المدنيين" الإسرائيليين، غطاء سياسيا، بتبنيه نفس الموقف الذي عبرت عنه القمة، والذي جاء أصلا بطلب أمريكي وإسرائيلي مسبق.

أما بالنسبة للإصلاح السياسي للشأن العربي، فلم تفعل القمة في مواجهته أي شيء. فالدكتاتوريات العربية، التي خرّبت الفضاء العربي، وانحدرت بالعرب إلى أسفل السافلين، باقية على حالها، ولن تصلح ما بنفسها، بالقمة أو من دونها. ومنطقتنا باقية أيضا، بسبب ذلك، منطقة "منخفض جوي"، تغري بالمزيد من التدخلات الخارجية، بحجة إصلاح ما أفسدته الأنظمة، التي فعلت ما فعلت بدعم الخارج وحمايته.

والقمة لم تبلور وجهة نظر موحدة للأنظمة العربية للمشاركة بها في قمة الدول الثماني الكبرى. وأفشل الرئيس التونسي المساعي المصرية للخروج بقرار عربي رسمي موحد من موضوع "الشرق الأوسط الكبير" الأمريكي، مما جعل الرئيس مبارك ينسحب من القمة، قبل نهايتها، وهو الذي جاء إليها على مضض. وسيذهب من يذهب من الحكام العرب إلى قمة الثماني فرادى، بحسب الدعوة الأمريكية، وكما تريد منهم واشنطن.

أما وثيقة العهد والوفاق، التي أعدتها الأمانة العامة للجامعة العربية لتكون خطوة محورية ومتقدمة في تقوية وتوحيد الصف العربي والعمل العربي المشترك، توحيدا جادا لا شكليا ومظهريا فحسب، من خلال إعلان الدول العربية، الممهور بتوقيعها، التنسيق فيما بينها في قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي، وتقوية الروابط الاقتصادية والسياسية، فقد أحالتها قمة تونس إلى قمة الجزائر. ولا يعرف ما سيفعل بها حتى ذلك الحين، خاصة وأن الدول العربية الصغيرة المنفلتة نحو التطبيع وتوثيق علاقاتها بلا حساب مع القوى الخارجية، غير متحمسة لتوقيعها.

لقد اقتصر العمل العربي المشترك على عمل وزارات الداخلية، التي أثبتت، خلال السنوات الماضية، قدرتها على اللقاء بانتظام، من دون أدنى غيابات، وتكون للقاءاتها جداول دسمة، وتتسم أعمالها بالجد والانتظام والمثابرة. لكن ذلك هو تحديدا أحد الأسباب الرئيسية لجعل منطقتنا منطقة "ضغط منخفض"، وهو ما يغري أكثر فأكثر بالتدخلات الخارجية لإصلاح أحوالها، إصلاحا ليس له من مثيل أو نموذج يقتدي به سوى نموذج الاحتلال السابق، بوضع المنطقة مجددا تحت الوصاية.

وكل قمة والقراء بخير.


© Aqlamonline 2004