|
الحلقة الثالثة
-
الباب الثالث:
مكونات التيار القومي العربي في تونس
تنويــه:
تنشر مجلة "أقلام أون لاين" الحلقة الثالثة من سلسلة الأستاذ علي بن سعيد بشأن
التيار القومي العربي في تونس، التي أثارت بعض الجدل والردود.
وتود أسرة تحرير المجلة أن تؤكد أن ما يرد في المقالات، لا يعبر عن وجهة نظر أسرة
تحريرها، وأنها تحترم التيار القومي وتعتبره من التيارات الأساسية في الساحة
العربية، وهي من أنصار التواصل بين التيارات المختلفة، ولاسيما بين التيارين
القومي والإسلامي، وترى في ذلك ضرورة يفرضها واقع الأمة، وما تواجهه من تحديات.
وتدعو المجلة القراء ممن يرغبون في التعليق أو الرد على هذه السلسلة، أو على ما
سواها من مقالات وتحاليل، أن يرسلوا مقالاتهم للمجلة. وستكون موضع ترحيب، إثراء
لتقاليد الحوار والنقاش الجاد والمثمر، وسوف تنشر كاملة، بشرط التقيد بالحد
الأدنى من آداب الحوار، وتجنب السباب والتشخيص.
أسرة التحريــر
الأستاذ علي بن
سعيد (*)
يمكن تقسيم مكونات
التيار القومي العربي في تونس إلى خمسة مكونات:
1-
البعثيون: وهم مناضلو حزب البعث العربي الاشتراكي بشقيه السوري والعراقي،
سواء في علاقة مباشرة بالحزب عبر القيادة القومية، أو مؤسساته الأخرى، أو انتموا
لقوى سياسية بعثية تونسية: حركة البعث – الطليعة الطلابية...
2- التيار القومي
الديمقراطي:
وهم الذين انتموا إلى حركة التحرير الشعبية العربية - تونس ويناضلون حاليا ضمن:
3- الحركة
اليوسفية: مناضلو حزب الأمانة العامة، والذين ساندوا صالح بن يوسف ووقفوا معه
في معارضة بورقيبة، ابتداء من خطاب جامع الزيتونة حتى اغتياله في 1961 بألمانيا،
والذين واصلوا نضالهم ضد النهج الاستبدادي لبورقيبة.
4- القوى
السياسية المعترف بها قانونيا والتي تنطلق من الفكر القومي أو تدعي الانتماء
إليه – الاتحاد الديمقراطي الوحدوي – الوحدة الشعبية بفصائلها الثلاث – التجمع
الاشتراكي التقدمي أو الحزب الديمقراطي حاليا.
5-
الناصريون: جملة التيارات والتنظيمات التي لها ولاء للفكر الناصري: سواء
المتفرعة عن الحركة اليوسفية أو التنظيمات التي دانت بالولاء للنظام الليبي: حركة
التجمع القومي العربي - اللجان الثورية التونسية - الطلبة العرب التقدميون
الوحدويون - حركة الوحدويين الأحرار - الجبهة التقدمية لتحرير تونس - الاتحاد
العام التونسي للشغل فرع ليبيا...
6- قوى قومية
أخرى:
حركة طلائع الوحدة - الحزب الاشتراكي الناصري..
الفصل الأول:
البـــعـثيون:
تعتبر الأربعينات
بداية لظهور مناضلين بعثيين، ذلك أن هذا الظهور تجسد فعليا بقدوم مثقف عراقي يدعى
الأعظمي، الذي قدم إلى تونس في أواخر الثلاثينات، وشرع يتصل بالمناضلين الوطنيين
ويحثهم على الانخراط في الحركة القومية، بل إنه علمهم نشيد بلاد العرب أوطاني على
حد رواية الوزير الأول التونسي الأسبق الباهي الأدغم سنة 1980
،
إلا أن الظهور البارز للبعثيين في تونس ولفكر حزب البعث العربي الاشتراكي ارتبط
بـ:
-
الحرب العالمية
الثانية، التي ما إن قاربت على نهايتها حتى انخرط العديد من الزعماء الوطنيين
في التيار القومي العام، وانشؤوا هيئات سياسية جديدة كانت قناة اتصال وتواصل مع
المشرق العربي أين يسود فكر حزب البعث، من مثل مكتب المغرب العربي في دمشق،
ومكتب المغرب العربي في مصر.
-
عودة الطلاب الذين
درسوا في جامعات دمشق وبغداد منذ الأربعينات، والذين كان لهم الدور البارز في
نقل أفكار حزب البعث إلى تونس ونشره بين الجماهير الشعبية.
-
إصدار أبو القاسم
محمد كرو عام 1955 سلسلة كتب شهيرة عرفت بسلسلة كتب البعث. وقد كان عضوا في حزب
البعث العربي الاشتراكي ببغداد. وقد تضمن العدد الأول الذي صدر بعنوان: "نداء
إلى العمل"، تعريفا لحزب البعث ودستوره وأفكاره ودعوته الوحدوية، وقد لاقى
رواجا بين الكتاب والمثقفين وبين الشرائح الطلابية المختلفة.
-
بعض التونسيين
احتكوا بالأفكار العروبية وتبنوها، من خلال مشاركتهم في الثورة الجزائرية رغم
قلة عددهم، نذكر منهم الباحث السوسيولوجي بشير صفية.
-
تواصل الإرساليات
الطلابية بعد الحصول على الاستقلال سنة 1956، وكثير من العائدين من هناك يكونوا
قد تبنوا فكر حزب البعث، بل إن الإرساليات لم تتوقف إلا في أواخر الثمانينات،
إذ يتجه عدد من غير المتحصلين على الباكالوريا التونسية إلى المشرق للدراسة
هناك، وإن عددا من مدرسي الفلسفة والتاريخ والجغرافيا هم ذوي تكوين مشرقي.
-
كان حزب البعث
العربي الاشتراكي صاحب المحاولة الأولى تاريخيا لتعريف القومية العربية بالقطع
مع ما كان سائدا في بداية القرن العشرين. فقد تمتع طرحه بوضوح نسبي افتقدته
معظم الأحزاب القومية الأخرى، بل كانت رؤيته لمفهوم الأمة متقدمة بالنسبة للطرح
الذي ساد في العالم العربي آنذاك، بل مقارنة أيضا بمفهوم الأمة عند التنظيمات
الناصرية (عبد الناصر ود.عصمت سيف الدولة).
على
أن النشاط الفعلي للبعث قد بدأ في بداية الستينات وهو ما ذهبت إليه حركة البعث في
بيانها الصادر في جوان 1990 بإمضاء أمينها العام آنذاك المبارك المنصوري : "....بأن
مسيرتهم في تونس تعود إلى أكثر من 30 سنة.."
ففي أوائل الستينات
كانت مجموعة من المثقفين التونسيين الذين تأثروا بالفكر القومي من خلال قراءاتهم
لم يكونوا قد زاروا المشرق العربي، يناقشون تأسيس حركة قومية في تونس ومن بين
هؤلاء علي شلفوح (أكد في أحد حواراته مع مجلة الموقف أن العناصر التي جاءت من
المشرق هي التي كانت سببا في أزمة البعثيين في تونس)،
والطاهر عبد الله (توفي سنة 1978)، ومحمد بن جنات، واتفقوا في سنة 1962 على تأسيس
فرع لحزب البعث... وقد كانوا يدرسون بالجامعة التونسية.. وفي سنة 1963 جاء من
الشرق الدكتور محمد مسعود الشابي والمرحوم عمر السحيمي حيث كانا يدرسان هناك
وانخرطا في حزب البعث قبل سنوات.
ومن ثم وبناء على ما
سبق من أسباب ونتائجها التراكمية، بدأ حزب البعث تشكيل نواته التنظيمية الأولى،
ضمن إطار الجامعة والثانويات والأساتذة. وقد كانت استراتيجيا حزب البعث العربي
الاشتراكي قبل العام 1966 تقوم على دفع الطلاب البعثيين العائدين إلى تونس إلى
الانخراط في صفوف الحزب الحاكم، والعمل من خلال هياكله
،
إضافة إلى ما عرف من أن حزب البعث يتوخى سياسة الأقطاب المنفصلة (القيادة على
علاقة بتنظيمات مختلفة لا علاقة لها ببعضها، وهو أسلوب معروف توخاه قادة الثورة
الإيرانية داخل أجهزة الشاه، ومع عملاء المخابرات الأمريكية). وقد عرف في تونس في
السبعينات بوجود أقطاب ثلاث، وهي مسألة خلافية، ومن العناصر البعثية التي نشطت في
الحزب الحاكم: المرحوم عمر السحيمي، الذي تم اغتياله في بيروت عام 1968،
والميداني بن صالح، الرئيس الحالي لاتحاد الكتاب التونسيين، وصاحب كتاب "زلزال في
تل أبيب" والعديد من الكتب الأخرى، والذي استقال من حزب البعث في أفريل 1980
،
رغم كل ما قيل عن تلك الاستقالة.
إلا أن جملة من
العوامل ساهمت في تقلص نشاط البعثيين وانقسامهم، إن لم نقل إلى تشتتهم:
-
عدم
امتثال جملة من العناصر لقيادة الحزب بالدخول إلى الحزب الحاكم، وإن كان هذا نسبي
ويتراوح مع سياسة الأقطاب المنفصلة ومن هذه العناصر: مسعود الشابي - محمد صالح
الهرماسي - عبد رزاق الكيلاني - علي شلفوح، والمرحوم الطاهر عبد الله، وبلقاسم
الشابي وغيرهم كثير.
-
تعرض
الحركة إلى مواجهة النفور للمتعاطفين مع الناصرية نتيجة الحملة التي شنها "صوت
العرب" (مصر) ضد البعثيين، إثر الخلاف الذي حصل بين بعض قادة البعث وعبد الناصر
بعد فشل الوحدة بين مصر وسوريا وتعثر نقاشات الوحدة بين مصر وسوريا والعراق.
ورغم ذلك تواصل
تشكيل التنظيمات. وقد تواجد البعثيون أساسا في مدن الجنوب التونسي مثل قفصة
ومدنين وتوزر وقابس، والعاصمة وصفاقس، بل واستمر العمل والنشاط إلى غاية قيام
حركة 23 فيفري 1966، والتي تسلم فيها القيادة جناح القيادة القطرية بقيادة نور
الدين الأتاسي وإبراهيم ماخوس ويوسف زعين، آنذاك انقسم البعثيون إلى قسمين:
1-
القسم الأول:
يؤيد تلك الحركة ومن أبرز هم علي شلفوح ومحمد صالح الهرماسي والطاهر عبد الله
وعبد الرزاق الكيلاني، لأنها أكثر جذرية وأقرب إلى اليسار الماوي..
2-
القسم الثاني:
ووقف مع القيادة التاريخية للحزب بزعامة ميشيل عفلق ومن بينهم محمد صالح الحراث
وعلي النجار، ومسعود الشابي، وهم الأغلبية في تونس.
إلا أن النشاط
تواصل، لكنه حافظ على سريته وانتقل إلى "تحت الأرض" إلى حدود سنة 1968، وبعد
مشاركة عديد العناصر في التحركات الطلابية في الجامعة، وهو ما جعل السلطة تشن
حملة اعتقالات قمعية على البعثيين واليساريين، بررتها بإصدارها لكتاب أبيض تحت
عنوان: "الفتنة البعثية - الماوية في الجامعة".
هذه الاعتقالات تلتها محاكمات كبرى للعناصر البعثية وشملت عبد الرزاق الكيلاني
وبلقاسم وعمار الشابي، بل إنها أنشأت جهازا خاصا لتتبع نشاط العناصر البعثية ضمن
فرقة أمن الدولة. وفي بداية السبعينات انخرط عدد كبير من التونسيين في صفوف
المقاومة الفلسطينية، وقادتهم هذه المشاركة إلى تبني الفكر القومي، ومن ثم
التحقوا بحزب البعث نتيجة تراجع الناصرية بعد هزيمة 1967.
ولجملة من
الاعتبارات والأسباب تراجع نشاط البعثيين بداية من سنة 1972 إلى بداية الثمانينات
لعل أبرزها :
رغم
إطلاق سراحهم سنة 1970 فإن أغلب العناصر البعثية التونسية تركت العمل السياسي
بالبلاد، سواء عبر الاستقالة الفعلية والواقعية، بغض النظر عن الأسباب (شدة قمع
السلطة وحداثة تجربة الاعتقال والتعذيب لأغلب العناصر، وإعادة قراءة مواقف الحزب
ومبادئه أثناء فترة السجن وتجربته المريرة - التحول الأيديولوجي والفكري..)، أو
عبر ترك البلاد ومواصلة النشاط من باريس أو بيروت أو دمشق أو بغداد، وهذا لا يعني
أن التنظيم انتهى أو تلاشى، بل على العكس واصلت عناصر عدة النشاط نذكر منها:
مختار العرباوي، وعبدالله الرويسي، ومحمد صالح فليس..
-
تحول
العديد من المناضلين إلى مواقع الاشتراكية العلمية، مع المحافظة على الأطروحات
القومية الأساسية مثل الوحدة العربية ومحاربة التجزئة. وهذه ظاهرة مماثلة لما وقع
في لبنان (منظمة العامل الشيوعي)، واليمن(الحزب الاشتراكي اليمني)، وفلسطين
(الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)، وبالتالي فقد
تحول عديد المناضلين فكريا من الأطروحات الأصولية القومية إلى تبني الفكر
الماركسي اللينيني عام 1972 مثل عبد الله الرويسي واحمد نجيب الشابي (يورد بوقرة
في كتابه عن آفاق ما يلي... التحق البعض بالتنظيم سنة 1970 مثل نجيب الشابي،
الذي حوكم سنة 1968 مع البعثيين..)، ومحمد صالح فليس، ومع منظمة الحقيقة
بقيادة حفناوي عمايرية
،
والذي يقول حول الموضوع "..أصبحت أقف نظريا على مواقف ماركسية، دون أن أتخلى
عن البعد الوحدوي في تصوري وفي أعمالي، حيث ساهمت في تكوين لجان نصرة فلسطين..
تخليت عن حزب البعث في سبتمبر 1970... وأعتقد أن ماضي السياسي متكامل،
فأنا وحدوي وديمقراطي واشتراكي....".
وقد ساهم في
تأسيس
التجمع الاشتراكي التقدمي في 13 ديسمبر 1983 ثم غادره في بداية التسعينات...
-
بروز
تنظيمات قومية قريبة من ليبيا استطاعت استقطاب العناصر البعثية والعناصر
المتعاطفة مع البعثيين، هذه التنظيمات هي الجبهة الثورية لتحرير تونس وحركة
الوحدويين الأحرار وبقايا اليوسفيين.....الخ، على أن هذا العامل مرتبط أساسا بمدن
الجنوب القريبة من الحدود الليبية، إضافة إلى دور التجربة التنظيمية والاختراق
المتبادل بين مختلف الحساسيات القومية واليسارية.
-
تراجع
المد القومي وهزيمة المشاريع الوحدوية الرسمية وتراجع القضية القومية في النظرية
والممارسة، مما أوجد فكرة أن الجماهير الشعبية لا تؤمل كثيرا في المشاريع
الوحدوية الرسمية والتي كان مآلها الفشل منذ سنة 1962.
-
في إطار
صراع محتدم ومن موقعين مختلفين لوحظ صعود الاتجاهين الماركسي اللينيني والاتجاه
الإسلامي، مما أكسب هذين التيارين تعاطف ونصرة جماهير طلابية أساسا على حساب حزب
البعث....
-
انقسام
حزب البعث وتصارع القطرين، الذين يحكمهما، بدل أن يتحدا مما أدى إلى تقسيم القوى
الوطنية والديمقراطية العربية بدلا من أن يوحداها.
-
وقوف
القوى الامبريالية والأمريكية أساسا، والتي قررت أن ترمي بثقلها ضد القضية
القومية. وكان ذلك واضحا منذ إنشاء الجمهورية المتحدة في 1958، والخوف من تمددها
أو تجديد التجربة رغم حدوث الانفصال في 1961.
-
انسحاب
عديد البعثيين التونسيين من حزب البعث لمواقفه من مجازر أيلول الأسود من مثل
السيد حفناوي عمايرية الذي يقول في ذلك: "تخليت عن حزب البعث في سبتمبر 1970
احتجاجا على مواقفه من مجازر أيلول الأسود....."
.
في ظل هذه الأجواء
والاعتبارات السابقة ونتيجة للقيد التنظيمي والسلوك القدسي الديني والتماهي
للحركات الماركسية، انقسم البعثيون التونسيون، فعرفنا البعث السوري والبعث
العراقي، الأول مرتبط ببغداد والثاني بدمشق. وقد حاول كل من الميداني بن صالح
والمناضل محمد صالح الهرماسي هندسة عملية التوحيد، إلا أن هذه المحاولة اصطدمت
بواقع أفشل العملية وذلك لأسباب عدة لعل أهمها:
1-
تواصل انقسام حزب البعث إلى فرعين حاكمين في سوريا والعراق، مما عمق مسألة
الانقسام وأكدها. وقد حاولت أطراف عربية رسمية وغير رسمية حل الخلاف السوري
العراقي، لكن من دون جدوى. ففي أكتوبر 1983 وعلى هامش أشغال الجمعية العامة للأمم
المتحدة اشترطت سوريا في لقاء بين وزيري الخارجية الوحدة بين البلدين كشرط لتسوية
الخلافات، فطالب العراق بوقوف سوريا معه في حربه ضد إيران ما دامت الوحدة ستكون
عسكرية أيضا، وهما شرطان تعجيزيان....
2-
ظروف العمل السري وما تؤدي إليه من مشاحنات وزعاماتية، فالمشرف على الجهاز
التنظيمي أو الشبابي يصبح بيده كل الأوراق، وهذا ينسحب على أغلب التنظيمات السرية
إسلامية كانت أو ناصرية أو شيوعية، وهو ما انسحب على البعثيين.
3-
دخول أجهزة الأمن التونسية على الخط، ودورها في بذر الفرقة والتشتت. وقد كان لها
دور كبير في إفشال مساعي الحوار بين الشقين.
4-
غياب الخصوصية القطرية والتي لم تظهر في أدبيات الفكر القومي عموما إلا مع سنة
1987..
5-
دور سياسة الأقطاب المنفصلة وعنقودية العلاقات بينها ساهمت بدورها في فشل عملية
التوحيد(إذ لا يمكن أن تناقش التوحد مع طرف متعدد الأقطاب والرؤى والاهتمامات وله
أولوية الفكر الانقلابي، لأن ذلك آخر ما يفكر فيه...).
إلا أن هذه الأسباب
لم تمنع من تواصل النشاط البعثي. رغم تواصل قمع النظام البورقيبي للبعثيين وكل
القوى السياسية، بل إنه عمد إلى حصار البعثيين عبر الضغط على النظام العراقي،
والتفاوض معه. وفي ذلك يقول السيد الشاذلي القليبي ".. على الأرجح في 1975،
وكنت إذاك مديرا للديوان الرئاسي، وجرى الحديث عن استقبال رئيس الجمهورية للضيف
(صدام حسين)، وكنت أتابع شؤون العراق من قبل.. وكنت أعرف أن السيد النائب كان هو
رأس الدولة الحقيقي في العراق، وأن القرار السياسي بيده. ذكرت ذلك لرئيس الدولة
واحتفى به بصورة خاصة، لاسيما أن تونس كانت لها مآخذ على العراق في ذلك الوقت،
لأن بغداد تستقبل جموعا من الطلبة التونسيين في جامعاتها بضغوط سياسية كبيرة،
تجعل الكثير منهم ينتمون إلى حزب البعث، وكانت الحكومة التونسية متحفظة عن
ممارسات حزب البعث العراقي، لما يتسم به من غلو وإسراف في بعض الميادين. زيارة
صدام كانت فرصة لرئيس الدولة ليثير هذا الموضوع، فكان جواب صدام بالقول متجها
إليه: هذا مشكل اعتبروه انتهى، ولن يتدخل العراق في شؤون الطلبة التونسيين في
بغداد ومدن أخرى من هنا فصاعدا )
وقد تشكل البعثيون
ضمن العديد من القوى والمنظمات والأحزاب ومنها:
1-
منظمة الديمقراطيون
التونسيون- الحرية:
ظهرت في منتصف السبعينات وهي منظمة قومية بعثية الفكر والتوجه، تزعمها المناضل
المعروف الدكتور محمد مسعود الشابي، والتي كانت تناضل من أجل أهداف قومية يعمل
أفراد المنظمة على تحقيقها.
2- البعث السوري:
ظل نشاط
البعثيين التونسيين الموالين لسوريا مقتصرا على جمعيات المجتمع المدني والنقابات،
والتفسير للأهداف القومية العامة من دون البروز بشكل مدافع عن السياسة السورية.
ومن أبرز قيادات البعث السوري التونسي الدكتور محمد صاالح الهرماسي، الذي حضر
معظم المؤتمرات القومية لحزب البعث منذ عام 1966 إلى المؤتمر الثالث عشر في صائفة
1980 بدمشق، وانتخب على إثره عضوا في القيادة القومية ومشرفا على مكتب المغرب
العربي. أما بقية المناضلين فقد خيروا إما النشاط السياسي المنفرد ومتابعة
الأحداث من بعيد، بينما فضل الآخر أن يلتحق بـ:
* حزب الوحدة
الشعبية، وخاصة بعد وصول السيد محمد بوشيحة إلى سدة الأمانة العام للحزب، حيث
أقام جسور علاقات وحوار مع القيادة السورية. وتدافع صحيفة "الوحدة" لسان الحزب عن
سوريا الدولة وقيادتها السياسية. كما تنشر صحيفة البعث في سوريا بيانات وأنشطة
الحزب.
* التجمع الدستوري الحاكم.
* التجمع الاشتراكي التقدمي منذ تأسيسه في 1983 أو بعد تغيير نمطيته واسمه للحزب
الديمقراطي التقدمي مما جعل الشابي يؤكد في العديد من المرات أن حزبه لم يتحول
إلى حزب بعثي.
* التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات بقيادة السيد مصطفى بن جعفر.
3-
البعث العراقي:
في بداية الثمانينات ونتيجة لجملة من العوامل غض بورقيبة ونظامه النظر عن
نشاط البعثيين الموالين للعراق، بناء على:
* مساعدة النظام العراقي، إن لم نقل التكفل الكامل بإنشاء المؤسسات التعليمية
(كلية الآداب بتونس مثلا لا حصرا).
* طبع العراقيين وعلى نفقاتهم الخاصة لبعض الكتب المدرسية التونسية، والبعض لا
يزال يذكر كلمة هدية القطر العراقي الشقيق على كتب التاريخ والجغرافيا والفلسفة،
إضافة للخرائط الجغرافية.
* الالتقاء الموضوعي بين النظام التونسي ونظيره العراقي في العديد من القضايا
السياسية، وقوف صدام مع بورقيبة في حادثة قفصة..
* سخاء النظام العراقي من خلال تقديم مساعدات مادية وفنية وعلمية لتونس.
كل ذلك سمح بالنشاط
والتحرك للبعثيين الموالين للعراق. وبعد مناقشات ومشاورات عدة تم إنشاء حركة
البعث، خاصة بعد فشل محاولات الإصلاح والتوحيد سواء داخل إطار البعثيين أو داخل
إطار الحركة القومية ككل، إضافة إلى أن
العراق أرسل العشرات من البعثيين
التونسيين لمتابعة تعليمهم في الجامعات الفرنسية، من أجل تهيئتهم لكي يتسلموا
مناصب
حساسة
في أجهزة الدولة لنشر فكر البعث، عقب عودتهم إلى تونس.
4- حركة البعث
تنظيم - تونس:
تأسست حركة البعث في
29 ماي 1988 وفقا لقانون عدد32-88 المؤرخ في 03/05/1988 والمنظم للأحزاب في تونس
بقيادة الأستاذ فوزي السنوسي. إلا أن الحركة تعتبر نفسها امتداد لنضال البعثيين
منذ أكثر من 30 سنة بنضالاتها وتضحياتها
،
هذا رسميا، أما واقعيا فوجود الحركة تنظيميا سابق للإعلان الرسمي، حيث كانت
تنظيما سريا يعرف الرأي العام السياسي بوجوده. ولعل الحديث الذي دار سنة 1975 بين
بورقيبة وصدام بحضور القليبي المشار إليه سابقا دليل على ذلك، إضافة إلى طرد
السلط الأمنية التونسية لعدد من المناضلين البعثيين العرب بعد تفطنها إلى
اجتماعات سرية يقومون بها سنة 1985 مع مناضلين بعثيين تونسيين.
وقبل الأستاذ السنوسي كان يقود الحركة الأستاذ الصادق الهيشري، الذي توفي في ظروف
غامضة ومشبوهة (وجهت الاتهامات يومئذ إلى السلطة وأجهزتها الأمنية، وأيضا إلى
النظام البعثي، على أساس أن الرجل يؤمن بنوع من الاستقلالية عن هذا النظام،
والأمر نفسه ينطبق على المناضل فوزي السنوسي، الذي توفي بعد ساعة من اجتماع
لقيادة الحركة في بيته...
)، مما جعل أسرته تصر على التحقيق في المسالة
.
وفي عهد السنوسي
عرفت الحركة فترتها الذهبية، خاصة بعد اجتماع الهيئة التأسيسية للحركة في
15/08/1988، والذي دعت على إثره السلطة إلى قبول ملفها القانوني, بل ودعت إلى
مؤتمر حول الميثاق الوطني
.
وقد اتصف الرجل بحنكة سياسية، وهو صاحب مواقف مبدئية، إذ يقول "أهابت حركتنا
بجميع الأطراف المعنية لتؤكد الموقف المبدئي من الديمقراطية التعددية ورفض
الاستثناء والإقصاء..."
،
إلى جانب موقفه المبدئي
من الحركة الإسلامية
وحق الإسلاميين في النشاط العلني ودفاعه عن المجموعة الأمنية في اجتماعات الرابطة
التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، حيث أكد في بداية القضية "كيف تريدون الحكم على
أناس والقضية في بدايتها...."، في نفس الوقت الذي كانت العلاقة مع اليسار على
أحسن وجه، (بخلاف السيد البوني والميداني بن صالح، الذين ساهما من مواقع مختلفة
في دفع السلطة إلى عدم الاعتراف بالإسلاميين، بل إن الأخير ظل على مدى 15 سنة على
ترديد التخويف من مقولة الدولة الدينية، حتى ولو تعلق الأمر بحوار حول الشعر أو
اتحاد الكتاب).
أما بخصوص المسعى
التوحيدي فقد كان أكثر المناضلين القوميين وضوحا إذ أكد "أن البعثيين كانوا منذ
البداية مع التوحد، شريطة أن يكون على أسس جدية، وبصيغة تحقق التفاعل مع الأطراف
القومية.. إن هذا التطور يتجسد عمليا في صيغة جبهوية تضم التنظيمات والأفراد ولا
تنفي خصوصية كل طرف أو حساسية..."
إلا أن أوساط
الاتحاد الديمقراطي الوحدوي يومئذ، وبعد وفاة الرجل، قالت إنها توصلت إلى صيغة
اتفاق مع المرحوم قبل فترة قليلة من وفاته، وأن الحركة كانت على وشك الانضمام إلى
المسعى التوحيدي دون شروط مسبقة، وعلى أساس الأرضية والشكل التنظيمي، الذي اقترحه
المؤسسون
.
مما جعل الحركة تصدر توضيحا حول عدم التراجع
وهو ما أكده المؤتمر الاستثنائي الذي عقدته الحركة في منتصف نوفمبر 1988 حيث أكد
المؤتمرون تمسكهم بالشروط التي طرحتها حركتهم في بداية التفاوض، الواردة في تصريح
السنوسي أعلاه، سواء ما يتعلق منها بمحتوى الأرضية، أو بالصبغة الجبهوية للتنظيم
الموحد... وفي نفس المؤتمر تقرر توسيع الهيئة التأسيسية للحركة من 29 إلى 37
عضوا، وذلك بترشح 8 أعضاء تم قبولهم بالإجماع وهم : عفيف البوني – ومحمد الصالح
حراث، الشافعي العلياني، الهادي المثلوثي، عبد الكريم اللواتي، محمد البصيري
شرطان، نور الدين اسماعيل، ويوسف الصديق.
وبمقتضى ذلك أصبح
البوني الامين العام للحركة وفي فترته تراجع الاداء السياسي لها لخلافاته
المتعددة مع زملائه في التسيير (والذي استقال من اتحاد الكتاب
)،
وبسبب جملة من المواقف والتحالفات حتى تم اتهامه بسرقة أموال الحركة المسلمة له
من طرف صدام حسين والقيادة العراقية
إضافة إلى فشل مشاريع تجارية مشتركة مع زوجة المرحوم السنوسي، مما أدى إلى
استقالة العديد من المناضلين مثل المرحوم سمير المزغني
،
مما جعله بدوره يستقيل من الحركة، ويعمل لحماية نفسه ومصالحه بالالتحاق بالحزب
الحاكم وأجهزته. وقد أشرف بعد ذلك على إدارة "مجلة الحياة الثقافية" مدة معينة،
ثم أقيل منها لعدم نشره مقالا لأحد الوزراء.
ثم عقدت الحركة
مؤتمرا استثنائيا ثانيا تولى على إثره السيد المبروك المنصوري الأمانة العامة لها
لتعرف عودة للنشاط السياسي بعد فترة من الهزات الداخلية... بينما يتولى الآن
الأستاذ الجامعي الهادي المثلوثي قيادة الحركة، في ظل غياب للأنشطة السياسية
والإعلامية وتلك سمة اغلب القوى السياسية غير المعترف بها، حيث لا يمكن لأي متابع
الاطلاع على بيانات حركة البعث إلا في صحيفة البعث السورية مثلا أو بعض المقالات
للامين العام بجريدة الوحدة.
5- الطلبة
البعثيون:
وجد
الطلبة البعثيون في الجامعة التونسية منذ الخمسينات، فقد وجدوا، كما أسلفنا، في
تشكيل تنظيمهم بالطلبة والأسرة التربوية ومنذ تأسيس الاتحاد تواجدوا به، وهو ما
أكده الطاهر بلخوجة، إذ يقول "في الهيئة الإدارية تعايش الجميع من شيوعيين
وبعثيين ودستوريين وقوميين عرب، وبعد 1963 تغيرت الأمور ووضع الحزب يده على
الاتحاد"
.
أما تواجدهم فقد تمظهر تاريخيا في تنظيمين:
* رابطات العمل
الجماهيري:
تنظيم صغير
تواجد أساسا في كليتي منوبة و9 أفريل والحقوق ثم اختفى من الساحة الجامعية منذ
سنة 1991. وهو لا يختلف عن الطليعة الطلابية من حيث رؤيته ومبادئه وطبيعة أهدافه
(بعض التنظيمات اليسارية أكدت يومها في اجتماعاتها أن التنظيم هو صنيعة تيار
سياسي في الجامعة لمنافسة الطليعة).
* الطليعة
الطلابية العربية:
اقتصر وجود هذا
التيار منذ الثمانينات على الكليات الكبرى بعد أن كان تيارا رئيسيا في الستينات
والسبعينات، وتقلص وجوده يعود لاعتبارات عدة منها :
* ظهور الطلبة العرب التقدميون الوحدويون الذين أصبحوا منذ بداية الثمانينات
القوة القومية الأساسية في الجامعة.
* اعتمادهم على
اختراق الحركات السياسية والتواجد الضمني داخل طلبة التجمع الدستوري الحاكم. وحدث
في 1989 أن كان طالبا بإحدى كليات العاصمة وهو طالب تجمعي في مدينته وبعثي
الانتماء ومسؤولا بالاتحاد العام لطلبة تونس، وهو أيضا أحد أعضاء اتحاد الشباب
الشيوعي التونسي.
* انعكاس أزمة البعثيين في الحركة الشعبية على التنظيم الطلابي.
* تأثرهم بتشتت اليسار الطلابي الذي غالبا ما كان حليفهم.
يرى طلاب الطليعة أن
أزمة الحركة الطلابية -1980- هي "عدم وضوح سياسي للتناقضات القائمة بين الحركة
الطلابية كجزء من الحركة الشعبية والقوى الطبقية والاستعمار والتخلف "
، مما أنتج حسب رأيهم "عدم معرفة المهمة الملقاة على الحركة الطلابية وعلى الحركة
الشعبية، ألا وهي ضرب القوى الطبقية والتخلف كتحديات داخلية للأمة العربية
والاستعمار كتحد خارجي
،
وبالتالي يروا بضرورة وجود هيكل يمارس العمل النقابي الثوري ومن ثم اتحاد وطني
مناضل..."
،
وطالما تحالفوا مع التيارات السياسية اليسارية رغم الاختلاف معها في العديد من
القراءات ورغم ممارسة تلك الأطراف للعنف عليهم ( أحداث المركب الجامعي 12-16 مارس
1982 مثالا عند صراعهم مع التيار الوطني الديمقراطي)، لم يقع منحهم أكثر من مكان
داخل المكتب التنفيذي للاتحاد ( المؤتمرين 18 – 19 ). إلا أن ما يمكن ملاحظته هو
استمرار نشاطهم في التسعينات والعشرية الحالية رغم غياب القوى السياسية الأخرى،
وتطور موقفهم من التيار الإسلامي ودفاع مناضليهم عن حق المحجبات في حرية ارتداء
الزي الإسلامي، إضافة إلى التمسك بزعامة صدام حسين....
* خاتمة :
لم يستطع البعثيون إذا الحفاظ على تماسكهم التنظيمي، نتيجة جملة من العوامل
الذاتية والموضوعية لعل أهمها:
- انحصار
فكرة
البعث في إطار نخبوي.
-
التأثير السلبي بانقسام حزب البعث إلى فرعين حاكمين في سوريا
والعراق
كما بينا، إضافة إلى سقوط النظام العراقي، وأسر صدام حسين، وما سيترتب عليه في
المنطقة.
حيث
انقلبت
حركة
البعث
على
نفسها
مما قلص نشاطها (غيابها عن جميع محاور التحالفات، بعد أن كانت تمضي بياناتها مع
الوحدة الشعبية شق عزونة وحزب العمال الشيوعي والتجمع الوحدوي الناصري أثناء فترة
تولي البوني للأمانة العامة).
-
تراجع
العمل الرسمي والشعبي من أجل الوحدة العربية، وتفتت المد الشعبي الذي أخذ
يتصاعد من أوائل الخمسينات. وقد واكب ذلك انفصام وحدة 1958، وفشل المشاريع
الأخرى،
وحدوث
انشقاقات وتصدعات في الحركة القومية.
-
طبيعة
قيادات حركة البعث في تونس وبرنامجها
وبنيتها، التي كانت تساعد على ضعف الحركة وانقاسمها، وتصارع أجنحتها المختلفة.
-
القمع
الذي مارسته الدولة البوليسية خلال عقد التسعينات في إخماد
القوى
الإسلامية والقومية وكل القوى السياسية.
الفصل الثاني:
التيار القومي
الديمقراطي
ويعرف
تنظيميا بـــحركة
التحرير الشعبية العربية
-
تونس
أو "الثوريون الشعبيون" كما عرفهم الإعلام الرسمي التونسي أثناء محاكمة 83، أو
"التنظيم السري". ويتميز"
بأطروحاته الفكرية والسياسية بالنظر إلى التيارين القوميين الآخرين: الناصري
والبعثي. فهو ملتزم بالمنهج الماركسي غير
التقليدي، أي بالديالكتيك، ويحارب النسخ والدوغمائية والتقليد، حين يؤكد أن
المسألة
القومية وإمكانياتها الثورية قائمة في قلب الأمة العربية الخاضعة للسيطرة
الإمبريالية، والمجزأة حسب مخطط التقسيم الكولوينالي إلى كيانات قطرية. والحال
هذه
فإن
ماركسيته قومية وعقلانية بقدر ما هي كونية، حين يعتبر المسألة القومية قوامها
وهدفها ومحتواها الأساسي والتاريخي والسياسي، تحقيق الوحدة السياسية للأمة
العربية،
وبناء
الدولة القومية الديمقراطية..."
.
و"القومية
في منظور التيار القومي الديمقراطي تقوم على أساس
مقولات الحداثة، والعقلانية، والعلمانية، والديمقراطية، وهي مسألة مجتمعية سياسية
وأيديولوجية، وثقافية واقتصادية متطورة ومميزة في سيرورة تاريخية معينة من التطور
داخل
أمة معينة، بإمكانها أن تفرز حركة قومية تاريخية تتسم بأبعاد كونية وديمقراطية
لرفع
سديم من البشر إلى كتلة متجانسة متلاحمة، مندمجة، تستحق اسم أمة، ويمكن أن تتخذ
قراراً تاريخياً نحو تحقيق وحدتها ونهضتها التاريخية".
وكانت
العناصر التونسية المتبنية للفكر القومي الديمقراطي
منتمية إلى
صفوف
حركة المقاومة
الفلسطينية خلال عقد السبعينات، وظلت تتحاور فكرياً وثقافياً مع التيار
القومي
الديمقراطي داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح - بزعامة الأستاذ ناجي علوش.
ولما
كان
الأخير
زعيما
للتيار
القومي الديمقراطي داخل فتح، يعتبر أن قيادات المقاومة
الفلسطينية الرسمية، وبعض الفصائل الملتحقة بها
أخذت
منذ 1970، تتكيف مع الواقع
العربي الاستسلامي، وتزداد ارتباطاً بسياسة الاستسلام العربية، لتصبح عنوان هذه
السياسة الاستسلامية وطليعة الدفاع عنها، فقد تحالف موضوعياً مع صبري البنا-أبو
نضال-
في عام 1977، رئيس حركة فتح - المجلس الثوري - التي كانت قد انشقت عن حركة
فتح -
اللجنة المركزية، عام 1974، واتخذت من بغداد مركزاً لها. وقام هذا التحالف
على
أرضية سياسية، أولاً، وهي محاربة خط التسوية الاستسلامي، الذي أصبح السياسية
الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية حسب قرارات مجالسها الوطنية، وممارسة لجنتها
التنفيذية، وعلى أرضية فكرية ثانياً، تتمثل في مناقشة مشروع الثورة القومية
الديمقراطية الشعبية العربية، الذي جاء في كتابات منها كتاب فؤاد عمرو وهو اسم
حركي "موضوعات
الثورة العربية"، وكتابات ناجي علوش المتعددة، وجريدة الانطلاقة التي
بدأت
في الصدور عام 1978، إضافة لكتابات أخرى.
غير
أن هذا التحالف بين ناجي علوش وأبو نضال، الذي كان سيؤدي إلى ولادة تنظيم جديد،
لم
يدم
طويلاً، إذ تفجرت الخلافات داخل فتح -المجلس الثوري- بسب التصادم بين عقليتين:
عقلية
ديمقراطية تريد بناء تنظيم قومي ديمقراطي شعبي يقودها ناجي علوش، وعقلية
دموية
غير ديمقراطية تقوم على انتهاج خط "العمليات الخاصة"، ومحاربة أي مسعى
لبناء
تنظيم ديمقراطي، يقودها صبري البنا. فانقسمت حركة فتح -المجلس الثوري،
بخروج
مجموعة من المنظمات والأعضاء بقيادة ناجي علوش في شهر آذار (مارس) 1979. وما
لبثت
هذه المجموعة التي تضم العديد من المناضلين العرب، أن أعلنت عن تأسيس "حركة
التحرير الشعبية العربية في بغداد، في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1979. وفي ذلك
الحين
أعلنت
الحركة، عن نقاطها البرنامجية، وهو برنامج قومي ديمقراطي شعبي عربي، وعن
أهدافها المرتبطة بالنضال العربي العام، أي إنها لم تتوجه إلى الفلسطينيين فقط،
بل
تتوجه
إلى العرب جميعاً، إلى كل المناضلين العرب، والى الجماهير العربية.
وعلى
اعتبار أن "حركة
التحرير الشعبية العربية"
تنظيمً يضم أعضاء من أقطار عربية مختلفة، وينطبق
هذا
على
القاعدة
والقيادة في آن واحد،
فالتنظيم
في تونس
عمل
على استقطاب خيرة المناضلين الثوريين المؤمنين بالخط السياسي للحركة.
فقد
ضمت
القيادة ثلاثة كوادر سياسية
لها
"تجربة
نضالية"
في حركة المقاومة الفلسطينية، وهم محسن العياري، وعمر الماجري
وتوفيق
المديني. وأشرف
عمر
الماجري، الذي عاد نهائياً إلى تونس في خريف عام 1979
على التنظيم (عمل سابقا بالمكتبة
العربية في باريس).
و"اقتصرت
مهمة هذه النواة في البداية على الاتصال بالكوادر التونسية
التي
انخرطت في صفوف الثورة الفلسطينية، خلال فترة السبعينات، بهدف فتح حوار فكري
وسياسي معها، من أجل توسيع دائرة الاستقطاب لتنظيم حركة التحرير الشعبية في تونس...."
،
واعتبرت "جريدة
الانطلاقة"
صوت الحركة، رغم أنها
كانت
تصدر من بيروت، ويعاد طباعتها في باريس،
حيث
إنها
ترسل
إلى عناوين وشخصيات مهمة، وأحزاب
سياسية، وصحف، في تونس.
ويقول
قيادي في التنظيم، بأن حركة التحرير الشعبية العربية بدأت
جملة
نشاطات في مختلف الأقطار العربية، بهدف تعزيز وجود الحركة فيها، ومن بين هذه
البلدان كانت تونس، "وأنه بالرغم من أننا كنا نعاني من متابعات أجهزة النظام، ومن
ملاحقاتها لرموزنا وقادتنا، وعلى الرغم من أوضاعنا السرية، فقد كان علينا أن نعمل
على
تطوير هذه الأوضاع وتعزيزها، وتطوير البنية التنظيمية للحركة في تونس، لتتناسب
مع
مجمل التطورات الحاصلة في البلاد، وبخاصة أن الأحداث، التي شهدتها تونس عام 1980
(أحداث مدينة قفصة)، قد دللت على أن هناك أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عاصفة،
الأمر
الذي بات يتطلب طرح مهام محددة، بعضها جديد على الساحة التونسية، وذلك بهدف
تطوير
وعي الجماهير، وتحويله إلى وعي منظم فاعل، لإجراء تبديل حقيقي في بنية وتركيبة
النظام البورقيبي، وليس إجراء تعديلات غير جوهرية، وغير
أساسية ذات طبيعة إصلاحية.
إن المطلوب هو إعادة صياغة لموقف الحركة الجماهيرية و السياسية، وإعادة بنائها
وتركيبها وفقاً لأسس جديدة
.
وقد
رفض
التيار القومي الديمقراطي
الشروط المجحفة التي وضعها النظام عقب
مجيء
حكومة مزالي عام 1980، والنضال من أجل الديمقراطية على أرضية برنامج
السلطة، باعتبارها لا تلبي
مطالبها، ولا تعكس حقيقة الموازين السياسية في البلاد، في ضوء الوضع الذي يعيشه
النظام وحزبه الحاكم. وانسجاماً مع هذا الموقف، فإن الحركة لم تتقدم بطلب الترخيص
إلى حزب سياسي علني في البلاد، أو بطلب للحصول على ترخيص لإصدار صحيفة ناطقة
باسمها، كما فعلت التنظيمات المعارضة، مثل حركة الوحدة الشعبية، وحركة
الديمقراطيين
الاشتراكيين. وامتنعت الحركة عن المشاركة في النشاطات العلنية التي حدثت في
البلاد،
وخاصة
الانتخابات التشريعية المزورة التي أجراها النظام في أواخر عام 1981، واستطاع
فيها
من خلال عملية التزوير، أن يستولي على مقاعد البرلمان التونسي كلها عبر تحالف
حزبه
مع الاتحاد العام التونسي للشغل في إطار ما سمي بالجبهة الوطنية،
بل واصل أفراد التنظيم
نشاطهم
السري.
وباحتلال
لبنان في الخامس من حزيران سنة 1982،
والذي
فرض
وقائع جديدة، تؤكد
طبيعة
المخططات الصهيونية، وطبيعة التحول التي تطرحها. ولقد كشف مخطط الغزو
الصهيوني طبيعة برامج المواجهة العربية، وطبيعة برنامج المقاومة الفلسطينية.
في
هذا الإطار يؤكد المديني "
ولما
كانت
حركة التحرير الشعبية العربية لديها موقف متشدد من خط التسوية، ومتناقضة
جذرياً مع نهج عرفات، فقد نشطت أجهزة الأمن التونسية، في أعقاب ظهور حملة تأييد
شعبية
تونسية للمقاومة الفلسطينية، وللشعبين الفلسطيني واللبناني في تصديهما للغزو
الصهيوني، وقامت هذه الأجهزة بتتبع عدد من الرموز السياسية للحركة في تونس، قبل
أن تلقي القبض عليهم. وقالت وزارة الداخلية في بيان لها بأن رجالها ألقوا القبض
على
مجموعة أشخاص يشكلون تنظيماً سياسياً تحت شعار"الثوريون الشعبيون"، ولهم توجهات
إرهابية، وذلك في بداية تشرين أول/نوفمبر 1982...."
.
وأكدت
صحف السلطة يومها أن "ناجي
علوش"
قد وضع مبلغ 800000 دولار تحت تصرف تنظيم تونس، لتمويل
الحركة، وتخطيط أهدافها التي تشكل البرنامج المعلن عنه للمجموعة، والمتمثل أساساً
في
السطو على أحد البنوك لزيادة التمويل، وتفجير المركز الثقافي الأميركي، والمركز
الثقافي السعودي بتونس، وبعض المؤسسات التونسية.
أما
النزعة الثانية فهي تعتمد على
العمل
انطلاقاً من المبادئ الثورية المرتكزة على الفلسفة الماركسية اللينينية
وتعتمد في مجملها على وجوب تحقيق الثورة بواسطة الإرهاب. ومن الملاحظ أن كلا
النزعتين كانت تنوي استيعاب الأخرى، غير أن إلقاء القبض على أفراد النزعتين كان
فجائياً، ولم يترك المجال لعملية الاستيعاب...
ومن
خلال
تسريب هذه المعلومات
والتلميحات تبين يومذاك أن
السلطات التونسية، كان تعد لحملة إرهابية
واسعة
ضد المعارضة التونسية غير المعلنة، وخاصة المعارضة المنتمية إلى الاتجاه
القومي الراديكالي،
بعد حملتها ضد التيار الإسلامي، الذي كان نفوذه يتزايد في الشارع، إلى جانب القوى
السياسية الأخرى، و"استمر
التحقيق مع أعضاء حركة التحرير الشعبية العربية من أواخر عام 1982، ولغاية
تقديمهم إلى المحاكمة في تموز 1983، ومارست الأجهزة الأمنية التونسية بالتنسيق مع
جهاز
الأمن
الفلسطيني القوة 17، أعمال التعذيب ضد المتهمين بهدف انتزاع اعترافات منهم،
تدعم
بهـا السلطات التونسية اتهاماتها لهم، الأمر الذي جعل السلطة تؤجل المحاكمة
عدة
مرات، قبل تقديم المتهمين إلى المحاكمة وإصدار الحكم عليهم في جلسة واحدة في
23
تموز
عام 1983..".
وكعادة السلطة التونسية تم الاستناد إلى تهم وهمية وباطلة ولا دستورية ومن بينها
"الانتماء
إلى تنظيم سري"،
و"حيازة
مطبوعات غير قانونية ومتفجرات"،
و"محاولة
القيام بأعمال عنف".
وخلال
جلسة
واحدة
انسحب
خلالها الدفاع
تم
إصدار أحكام على اثني عشر متهماً
من
"التنظيم السري"،
تراوحت بين عشر سنوات وسنتين سجنا. وعلى اثر هذه المحاكمات وعدالة القضية
عقدت
حركة
التحرير الشعبية العربية مؤتمرها التأسيسي في سوريا في شهر كانون الثاني عام
1983،
وصدر عنه برنامج سياسي
حدد
الأهداف العامة لنضال الحركة، حيث
تقوم
هذه الأهداف على النضال من أجل إنجاز ثورة قومية وديمقراطية شعبية، تستجيب
لمصالح الأمة العربية وأهدافها في التحرير وبناء وحدتها القومية، والتخلص من
الاحتلال والتخلف، والتبعية للخارج، وإقامة الديمقراطية بإسقاط بقايا الإقطاع
والقبلية والطائفية، عبر مشاركة الفئات الشعبية في العملية الثورية من عمال
وفلاحين
وشرائح ديمقراطية من البرجوازية الصغيرة، وبناء سلطة الشعب الممثلة للقوى
الديمقراطية...
ومن
خلال قراءة "برنامج
حركة التحرير الشعبية العربية"
يلاحظ انه
برنامج ذو صفة قومية على المستوى
الإستراتيجي، ويشمل كل البلاد العربية.
وهذا
"....نابع
من قناعة الحركة، بأن القضية
القومية، هي قضية وجود الأمة، وبالتالي فإن محاربة التجزئة، وتحقيق الوحدة، لن
يتما إلا ببرنامج قومي، لكن إذا كانت هناك أقطار عربية تحكمها أنظمة سياسية
متباينة
وخاضعة لقانون التفاوت الذي خلقته اختلافات السياسات الإمبريالية أو مصالح
الطبقات
والفئات المرتبطة بالتجزئة، فهذا لا يجعل القضية القومية ملغاة، ولا يفرض على
حركة
التحرير الشعبية العربية وضع برامج قطرية تخدم مخططات الماضي الإمبريالي، والحاضر
المرتبط به، وتحافظ على واقع التجزئة. إن التفاوتات موجودة، حتى داخل البلدان
الموحدة، منذ أكثر من مائة عام، مثل إيطاليا. وهي ظاهرة تتطلب الدراسة والفهم
ولكنها
لا
تطرح حلاً غير الحل القومي. والذين يظنون الحلول القطرية هي الجواب، مطالبون
بتوزيع كل قطر من أقطارهم إلى أقطار، لأن التفاوت عينه موجود في كل قطر، ما بين
منطقة
وأخرى. إن مصلحة الأمة كلها، والجماهير العاملة الكادحة تتطلب الوحدة وهذا هو
المعيار. وبمقدار ما يزيد التغلغل الإمبريالي الأميركي، والتطبيع مع العدو
الصهيوني،
ويزيد
بؤس الكادحين من جراء ذلك، وتتفاقم أزمة الطبقات الحاكمة في الأقطار، التي
يراد
لها أن تكون أمما، تتسع قاعدة الوحدة، وتتضح أهمية القضية القومية
" .
*
القضايا التونسية
من منظور التيار القومي الديمقراطي:
تعتبر
حركة
التحرير الشعبية العربية تنظيماً قومياً
ذا
خصوصية
في
الساحة التونسية
مقارنة ببقية القوى السياسية وأساسا ببقية مكونات التيار القومي العربي،
فهو
يُحلل
الأحداث السياسية الجارية فيها، ويحدد منها المواقف على ضوء الخط السياسي الذي
يطرحه: خط الثورة القومية الديمقراطية،
ذلك
أن برنامج التنظيم يعطي اهتماماً
خاصاً
لتعميم أفكاره وأطروحاته حول ضرورة بناء وعي سياسي راديكالي مطابق، وبلورة
منهج
جبهوي مع القوى السياسية، ومحاربة أية نزاعات طفولية انعزالية واستعلائية.
من
ذلك أن
حركة
التحرير الشعبية العربية أفردت تحليلاً مطولاً لثورة الخبز كتبه
القيادي
توفيق
المديني في
كتابه
"أزمة البرجوازية وطريق الثورة في تونس"،
موضحا
أبعاد وخلفيات الحدث... كما
تؤيد
قضية التعددية
السياسية في البلاد، وحق الأحزاب في ممارسة نشاطاتها العلنية، واعتبارها تمثل
طبقات
وشرائح اجتماعية في البلاد، لها الحق في التعبير عن نفسها.
ولا
تمانع الحركة في
التعددية حتى ولو طرحت من جانب النظام نفسه، وتعتبر أن ذلك يمثل مكسباً - ولو
جزئياً - وذلك استناداً إلى شرطين أساسيين: أولهما أن لا تكون حدود التعددية
السياسية في تونس مرهونة بحركة معارضة محكومة بسقف النظام وديمقراطيته المعلنة،
على
الرغم
من الأهمية التي توليها للنضال الديمقراطي، فإنها ترفض أن يكون ذلك ديكوراً
يجمل
وجه النظام. وثانيهما: أن مسألة التعددية السياسية ينبغي أن تضمن حرية
الرأي
والتنظيم، وتكوين الأحزاب السياسية، المعبرة عن مصالح الشعب التونسي....
كما
تتخذ
حركة التحرير
الشعبية العربية موقفاً نقدياً من قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل،
وممارساتها،
ولكنها في الوقت عينه تؤيد وحدة الحركة النقابية في إطار الاتحاد العام، وتعارض
الانشقاق والتعددية النقابية، مؤكدة "بأن الحركة النقابية كانت القوة التونسية
في
مواجهة النظام وسياساته في الوقت الذي كانت فصائل الحركة الوطنية التونسية غائبة
أو مغيبة"، ولهذا فإن الحركة تؤيد العمل داخل النقابات، على أرضية وحدتها
واستقلاليتها وتعزيز دورها الوطني والطبقي، خاصة وأن كثيرين من قوى سياسية
يسارية،
انضووا في العمل داخل النقابات بعد أن تعرضت قواهم السياسية لضعف في فترات سابقة.
وتعتبر
الحركة : "أن القضية الحاسمة لوحدة الحركة النقابية هي ممارسة الديمقراطية
في
صلب الاتحاد العام التونسي للشغل، وفي علاقته مع الجماهير الشعبية الكادحة......"
.
*
الموقف من سلطة السابع من نوفمبر
ومن الحركة الإسلامية:
1-
تعتبر
حركة
التحرير الشعبية العربية
"أن
الانقلاب العسكري الأبيض، الذي قاده الجنرال زين
العابدين بن علي، له شروط خاصة من جهة، وشكل حالة فردية من جهة أخرى، توجب والحال
هذه،
اتخاذ
القرار الحاسم لحسم معركة السلطة داخلياً بعد أن وصلت الخلافة إلى نهايتها"
بإرادة وتوجيهات الإمبريالية الأميركية، بحوافز ودوافع المحافظة على
استمرارية دولة الوصاية البورقيبية على المجتمع المدني.
وتعتبر الحركة أن النظام التونسي القمعي والرجعي لم يستطع أن يخرج
من
ذلك التناقض بين منطق انتهاج الديمقراطية الحقيقية، وإقرار التعددية الحزبية
المرتبطة بالحركة السياسية، والمعبرة عن مصالح الطبقات المتصارعة في المجتمع،
وبين
منطق
السيطرة الطبقية للبرجوازية الكمبرادورية، وتفرد وديكتاتورية الحزب
الواحد،
التجمع الدستوري الديمقراطي. ومن هذا المنظار، فإن قيامه بهذه العملية السياسية
من
التوفيق المستحيل بين الديكتاتورية والديمقراطية، بين الوحدانية والتعددية، يقود
في
المحصلة النهائية، إلى التجديد السياسي لهذا النظام الذي شاخ، حيث القاعدة
المادية والإيديولوجية والسياسية، لوجوده، ولسيطرته المطلقة على الحياة السياسية،
ولتبعيته للإمبريالية، تمنعه من إيجاد الحل السياسي الضروري لمعضلة الديمقراطية،
وتتنافى تماماً
مع
منطق التعددية السياسية، الرامية إلى حل التناقض الطبقي والوطني
في
البلاد، بهدف الخروج من الأزمة الكبيرة، التي تعاني منها على جميع الصعد.
وكانت
حركة
التحرير الشعبية العربية، قد أكدت في حواراتها مع القوى الوطنية الديمقراطية
التونسية، التي رحبت بمجيء سلطة السابع من نوفمبر، بأنه يترتب على المعارضة أن لا
تنخدع
بشعار الانفتاح الديمقراطي للنظام، لأنه شعار مسموم، فالنظام مقبل على تكريس
ديكتاتورية أشد فتكاً من عهد بورقيبة، وهو ما حصل بعدما افترس النظام حركة النهضة
في
طريقه، ومعها المجتمع المدني الوليد...."
2-
أما
الحركة الإسلامية
فعرف التيار منها موقفان:
-
الاول
حين
اتخذت الحركة موقفاً جذرياً إزاء حركة الاتجاه الإسلامي في عقد
الثمانينات، انطلاقاً من عدة اعتبارات، بعضها يتعلق بالموقف اليساري والإيديولوجي
الطاغي على الحركة، وبعضها يتعلق بنمو هذا الاتجاه في مواجهة المعارضة التونسية،
التي
منطلقها الحركة القومية والحركة الماركسية في البلاد. لكن وبالرغم من ذلك فحركة
التحرير العربية انطلاقاً من مواقفها البرنامجية والسياسية لا تمانع في وجود حركة
الاتجاه
الإسلامي، على الرغم من المحاذير المترتبة على هذا الوجود، والتي تضر بالحركة
الوطنية و الديمقراطية.
- الثاني
ومتطور عن الأول حيث يؤكد المديني: "أن
حركة التحرير الشعبية العربية لمست تحولات حقيقية في وضع حركة
النهضة التي اصطدمت بالسلطة التونسية في 1981 و1987 و1991، وتعرض أعضاؤها
وقياداتها لحملة من الاعتقالات والتعذيب والسجن، والتشرد في المنافي. وتقف حركة
التحرير الشعبية العربية مع حركة النهضة في الخندق الواحد، بسبب ما تتعرض له من
القمع
والمحاكمة بهدف استبعادها من المشاركة في الحياة السياسية، فالقمع يجب أن يفضح
ويدان من جانب كل إنسان مؤمن بخيار الديمقراطية. كما تحيي حركة التحرير التحول
النوعي في خطاب حركة النهضة التنويري الذي أصبح يجسده الشيخ راشد الغنوشي، الذي
جعل
حركته
تتبنى قضايا جماهيرية، مثل الحريات السياسية، والعفو التشريعي العام، وتحسين
مستوى
الخدمات الاجتماعية، والدفاع عن حقوق الإنسان، والتوزيع العادل للثروة،
والتأكيد على الهوية العربية الإسلامية، وترسيخ التجربة الديمقراطية، من خلال
الاعتراف بحق التعدد والاختلاف والتنوع....".
خــاتمة:
تعرضت
حركة التحرير الشعبية العربية لحملة
بشعة
من القمع والملاحقة لأعضائها، وتعتبر نفسها رافداً من روافد الحركة القومية
الديمقراطية في تونس.
ولقد
تعرض
هذا التيار
لانشقاق تنظيمي في أواسط عام 1991، جعل هذه
التجربة تتعرض لانتكاسة حقيقية في تونس. وقد طغى على وجود الحركة في عدد من
الأقطار العربية
العنصر الفلسطيني، فيما اقتصر العنصر العربي على اللبناني والتونسي. ولهذا
السبب، لم تستطع الحركة أن توسع دائرة استقطابها التنظيمي لبناء البديل القومي
الديمقراطي، ولا أن تبني مشروع بديل نضالي فلسطيني وطني وواقعي.
لذلك
كان من
المنطقي جداً بعد إسقاطات حرب الخليج الثانية أن تنقسم إلى قسمين، قسم
في
الاردن
بزعامة ناجي علوش، الذي شكل حزبا جديداً أردنياً سماه حزب
العمل
القومي، وقسم آخر يعمل تحت اسم "لجان الحوار القومي الديمقراطي" يقوده
توفيق
المديني، ويعتبر مهمته الراهنة، العمل من أجل تأسيس مشروع فكري ثقافي يكون
ركيزة
للمشروع القومي الديمقراطي النهضوي، الذي يؤسس للمشروع السياسي المستقبلي.
أما
في تونس فان عمر الماجري وآخرون وبغض النظر عن علاقتهم الحالية بقسمي التنظيم
السابق يناضلون ضمن الحزب الديمقراطي التقدمي.
(*) أستاذ
علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بتونس
|