مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

أي مستقبل للتيار القومي العربي في تونس؟


الحلقة الثالثة - الباب الثالث:
مكونات التيار القومي العربي في تونس

تنويــه:
تنشر مجلة "أقلام أون لاين" الحلقة الثالثة من سلسلة الأستاذ علي بن سعيد بشأن التيار القومي العربي في تونس، التي أثارت بعض الجدل والردود.

وتود أسرة تحرير المجلة أن تؤكد أن ما يرد في المقالات، لا يعبر عن وجهة نظر أسرة تحريرها، وأنها تحترم التيار القومي وتعتبره من التيارات الأساسية في الساحة العربية، وهي من أنصار التواصل بين التيارات المختلفة، ولاسيما بين التيارين القومي والإسلامي، وترى في ذلك ضرورة يفرضها واقع الأمة، وما تواجهه من تحديات.

وتدعو المجلة القراء ممن يرغبون في التعليق أو الرد على هذه السلسلة، أو على ما سواها من مقالات وتحاليل، أن يرسلوا مقالاتهم للمجلة. وستكون موضع ترحيب، إثراء لتقاليد الحوار والنقاش الجاد والمثمر، وسوف تنشر كاملة، بشرط التقيد بالحد الأدنى من آداب الحوار، وتجنب السباب والتشخيص.

أسرة التحريــر


الأستاذ علي بن سعيد (*)

يمكن تقسيم مكونات التيار القومي العربي في تونس إلى خمسة مكونات:
1- البعثيون: وهم مناضلو حزب البعث العربي الاشتراكي بشقيه السوري والعراقي، سواء في علاقة مباشرة بالحزب عبر القيادة القومية، أو مؤسساته الأخرى، أو انتموا لقوى سياسية بعثية تونسية: حركة البعث – الطليعة الطلابية...

2- التيار القومي الديمقراطي: وهم الذين انتموا إلى حركة التحرير الشعبية العربية - تونس ويناضلون حاليا ضمن:

3- الحركة اليوسفية: مناضلو حزب الأمانة العامة، والذين ساندوا صالح بن يوسف ووقفوا معه في معارضة بورقيبة، ابتداء من خطاب جامع الزيتونة حتى اغتياله في 1961 بألمانيا، والذين واصلوا نضالهم ضد النهج الاستبدادي لبورقيبة.

4- القوى السياسية المعترف بها قانونيا والتي تنطلق من الفكر القومي أو تدعي الانتماء إليه – الاتحاد الديمقراطي الوحدوي – الوحدة الشعبية بفصائلها الثلاث – التجمع الاشتراكي التقدمي أو الحزب الديمقراطي حاليا.

5- الناصريون: جملة التيارات والتنظيمات التي لها ولاء للفكر الناصري: سواء المتفرعة عن الحركة اليوسفية أو التنظيمات التي دانت بالولاء للنظام الليبي: حركة التجمع القومي العربي - اللجان الثورية التونسية - الطلبة العرب التقدميون الوحدويون - حركة الوحدويين الأحرار - الجبهة التقدمية لتحرير تونس - الاتحاد العام التونسي للشغل فرع ليبيا...

6- قوى قومية أخرى: حركة طلائع الوحدة - الحزب الاشتراكي الناصري..

الفصل الأول:

البـــعـثيون:

 تعتبر الأربعينات بداية لظهور مناضلين بعثيين، ذلك أن هذا الظهور تجسد فعليا بقدوم مثقف عراقي يدعى الأعظمي، الذي قدم إلى تونس في أواخر الثلاثينات، وشرع يتصل بالمناضلين الوطنيين ويحثهم على الانخراط في الحركة القومية، بل إنه علمهم نشيد بلاد العرب أوطاني على حد رواية الوزير الأول التونسي الأسبق الباهي الأدغم سنة 1980 [1]، إلا أن الظهور البارز للبعثيين في تونس ولفكر حزب البعث العربي الاشتراكي ارتبط بـ:

  • الحرب العالمية الثانية، التي ما إن قاربت على نهايتها حتى انخرط العديد من الزعماء الوطنيين في التيار القومي العام، وانشؤوا هيئات سياسية جديدة كانت قناة اتصال وتواصل مع المشرق العربي أين يسود فكر حزب البعث، من مثل مكتب المغرب العربي في دمشق، ومكتب المغرب العربي في مصر.
  • عودة الطلاب الذين درسوا في جامعات دمشق وبغداد منذ الأربعينات، والذين كان لهم الدور البارز في نقل أفكار حزب البعث إلى تونس ونشره بين الجماهير الشعبية.
  • إصدار أبو القاسم محمد كرو عام 1955 سلسلة كتب شهيرة عرفت بسلسلة كتب البعث. وقد كان عضوا في حزب البعث العربي الاشتراكي ببغداد. وقد تضمن العدد الأول الذي صدر بعنوان: "نداء إلى العمل"، تعريفا لحزب البعث ودستوره وأفكاره ودعوته الوحدوية، وقد لاقى رواجا بين الكتاب والمثقفين وبين الشرائح الطلابية المختلفة[2].
  • بعض التونسيين احتكوا بالأفكار العروبية وتبنوها، من خلال مشاركتهم في الثورة الجزائرية رغم قلة عددهم، نذكر منهم الباحث السوسيولوجي بشير صفية.
  • تواصل الإرساليات الطلابية بعد الحصول على الاستقلال سنة 1956، وكثير من العائدين من هناك يكونوا قد تبنوا فكر حزب البعث، بل إن الإرساليات لم تتوقف إلا في أواخر الثمانينات، إذ يتجه عدد من غير المتحصلين على الباكالوريا التونسية إلى المشرق للدراسة هناك، وإن عددا من مدرسي الفلسفة والتاريخ والجغرافيا هم ذوي تكوين مشرقي.
  • كان حزب البعث العربي الاشتراكي صاحب المحاولة الأولى تاريخيا لتعريف القومية العربية بالقطع مع ما كان سائدا في بداية القرن العشرين. فقد تمتع طرحه بوضوح نسبي افتقدته معظم الأحزاب القومية الأخرى، بل كانت رؤيته لمفهوم الأمة متقدمة بالنسبة للطرح الذي ساد في العالم العربي آنذاك، بل مقارنة أيضا بمفهوم الأمة عند التنظيمات الناصرية (عبد الناصر ود.عصمت سيف الدولة).[3]

 على أن النشاط الفعلي للبعث قد بدأ في بداية الستينات وهو ما ذهبت إليه حركة البعث في بيانها الصادر في جوان 1990 بإمضاء أمينها العام آنذاك المبارك المنصوري : "....بأن مسيرتهم في تونس تعود إلى أكثر من 30 سنة.."[4]

ففي أوائل الستينات كانت مجموعة من المثقفين التونسيين الذين تأثروا بالفكر القومي من خلال قراءاتهم لم يكونوا قد زاروا المشرق العربي، يناقشون تأسيس حركة قومية في تونس ومن بين هؤلاء علي شلفوح (أكد في أحد حواراته مع مجلة الموقف أن العناصر التي جاءت من المشرق هي التي كانت سببا في أزمة البعثيين في تونس)[5]، والطاهر عبد الله (توفي سنة 1978)، ومحمد بن جنات، واتفقوا في سنة 1962 على تأسيس فرع لحزب البعث... وقد كانوا يدرسون بالجامعة التونسية.. وفي سنة 1963 جاء من الشرق الدكتور محمد مسعود الشابي والمرحوم عمر السحيمي حيث كانا يدرسان هناك وانخرطا في حزب البعث قبل سنوات.

ومن ثم وبناء على ما سبق من أسباب ونتائجها التراكمية، بدأ حزب البعث تشكيل نواته التنظيمية الأولى، ضمن إطار الجامعة والثانويات والأساتذة. وقد كانت استراتيجيا حزب البعث العربي الاشتراكي قبل العام 1966 تقوم على دفع الطلاب البعثيين العائدين إلى تونس إلى الانخراط في صفوف الحزب الحاكم، والعمل من خلال هياكله [6]، إضافة إلى ما عرف من أن حزب البعث يتوخى سياسة الأقطاب المنفصلة (القيادة على علاقة بتنظيمات مختلفة لا علاقة لها ببعضها، وهو أسلوب معروف توخاه قادة الثورة الإيرانية داخل أجهزة الشاه، ومع عملاء المخابرات الأمريكية). وقد عرف في تونس في السبعينات بوجود أقطاب ثلاث، وهي مسألة خلافية، ومن العناصر البعثية التي نشطت في الحزب الحاكم: المرحوم عمر السحيمي، الذي تم اغتياله في بيروت عام 1968، والميداني بن صالح، الرئيس الحالي لاتحاد الكتاب التونسيين، وصاحب كتاب "زلزال في تل أبيب" والعديد من الكتب الأخرى، والذي استقال من حزب البعث في أفريل 1980 [7]، رغم كل ما قيل عن تلك الاستقالة.

 إلا أن جملة من العوامل ساهمت في تقلص نشاط البعثيين وانقسامهم، إن لم نقل إلى تشتتهم:

- عدم امتثال جملة من العناصر لقيادة الحزب بالدخول إلى الحزب الحاكم، وإن كان هذا نسبي ويتراوح مع سياسة الأقطاب المنفصلة ومن هذه العناصر: مسعود الشابي - محمد صالح الهرماسي - عبد رزاق الكيلاني - علي شلفوح، والمرحوم الطاهر عبد الله، وبلقاسم الشابي وغيرهم كثير.

- تعرض الحركة إلى مواجهة النفور للمتعاطفين مع الناصرية نتيجة الحملة التي شنها "صوت العرب" (مصر) ضد البعثيين، إثر الخلاف الذي حصل بين بعض قادة البعث وعبد الناصر بعد فشل الوحدة بين مصر وسوريا وتعثر نقاشات الوحدة بين مصر وسوريا والعراق. 

ورغم ذلك تواصل تشكيل التنظيمات. وقد تواجد البعثيون أساسا في مدن الجنوب التونسي مثل قفصة ومدنين وتوزر وقابس، والعاصمة وصفاقس، بل واستمر العمل والنشاط إلى غاية قيام حركة 23 فيفري 1966، والتي تسلم فيها القيادة جناح القيادة القطرية بقيادة نور الدين الأتاسي وإبراهيم ماخوس ويوسف زعين، آنذاك انقسم البعثيون إلى قسمين:

1- القسم الأول: يؤيد تلك الحركة ومن أبرز هم علي شلفوح ومحمد صالح الهرماسي والطاهر عبد الله وعبد الرزاق الكيلاني، لأنها أكثر جذرية وأقرب إلى اليسار الماوي..
2- القسم الثاني: ووقف مع القيادة التاريخية للحزب بزعامة ميشيل عفلق ومن بينهم محمد صالح الحراث وعلي النجار، ومسعود الشابي، وهم الأغلبية في تونس.

إلا أن النشاط تواصل، لكنه حافظ على سريته وانتقل إلى "تحت الأرض" إلى حدود سنة 1968، وبعد مشاركة عديد العناصر في التحركات الطلابية في الجامعة، وهو ما جعل السلطة تشن حملة اعتقالات قمعية على البعثيين واليساريين، بررتها بإصدارها لكتاب أبيض تحت عنوان: "الفتنة البعثية - الماوية في الجامعة"[8]. هذه الاعتقالات تلتها محاكمات كبرى للعناصر البعثية وشملت عبد الرزاق الكيلاني وبلقاسم وعمار الشابي، بل إنها أنشأت جهازا خاصا لتتبع نشاط العناصر البعثية ضمن فرقة أمن الدولة. وفي بداية السبعينات انخرط عدد كبير من التونسيين في صفوف المقاومة الفلسطينية، وقادتهم هذه المشاركة إلى تبني الفكر القومي، ومن ثم التحقوا بحزب البعث نتيجة تراجع الناصرية بعد هزيمة 1967.

 ولجملة من الاعتبارات والأسباب تراجع نشاط البعثيين بداية من سنة 1972 إلى بداية الثمانينات لعل أبرزها :         رغم إطلاق سراحهم سنة 1970 فإن أغلب العناصر البعثية التونسية تركت العمل السياسي بالبلاد، سواء عبر الاستقالة الفعلية والواقعية، بغض النظر عن الأسباب (شدة قمع السلطة وحداثة تجربة الاعتقال والتعذيب لأغلب العناصر، وإعادة قراءة مواقف الحزب ومبادئه أثناء فترة السجن وتجربته المريرة - التحول الأيديولوجي والفكري..)، أو عبر ترك البلاد ومواصلة النشاط من باريس أو بيروت أو دمشق أو بغداد، وهذا لا يعني أن التنظيم انتهى أو تلاشى، بل على العكس واصلت عناصر عدة النشاط نذكر منها: مختار العرباوي، وعبدالله الرويسي، ومحمد صالح فليس..

- تحول العديد من المناضلين إلى مواقع الاشتراكية العلمية، مع المحافظة على الأطروحات القومية الأساسية مثل الوحدة العربية ومحاربة التجزئة. وهذه ظاهرة مماثلة لما وقع في لبنان (منظمة العامل الشيوعي)، واليمن(الحزب الاشتراكي اليمني)، وفلسطين (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)، وبالتالي فقد تحول عديد المناضلين فكريا من الأطروحات الأصولية القومية إلى تبني الفكر الماركسي اللينيني عام 1972 مثل عبد الله الرويسي واحمد نجيب الشابي (يورد بوقرة في كتابه عن آفاق ما يلي... التحق البعض بالتنظيم سنة 1970 مثل نجيب الشابي، الذي حوكم سنة 1968 مع البعثيين..)، ومحمد صالح فليس، ومع منظمة الحقيقة بقيادة حفناوي عمايرية [9]، والذي يقول حول الموضوع "..أصبحت أقف نظريا على مواقف ماركسية، دون أن أتخلى عن البعد الوحدوي في تصوري وفي أعمالي، حيث ساهمت في تكوين لجان نصرة فلسطين.. تخليت عن حزب البعث في سبتمبر 1970... وأعتقد أن ماضي السياسي متكامل، فأنا وحدوي وديمقراطي واشتراكي...."[10]. وقد ساهم في تأسيس التجمع الاشتراكي التقدمي في 13 ديسمبر 1983 ثم غادره في بداية التسعينات...

-  بروز تنظيمات قومية قريبة من ليبيا استطاعت استقطاب العناصر البعثية والعناصر المتعاطفة مع البعثيين، هذه التنظيمات هي الجبهة الثورية لتحرير تونس وحركة الوحدويين الأحرار وبقايا اليوسفيين.....الخ، على أن هذا العامل مرتبط أساسا بمدن الجنوب القريبة من الحدود الليبية، إضافة إلى دور التجربة التنظيمية والاختراق المتبادل بين مختلف الحساسيات القومية واليسارية.

- تراجع المد القومي وهزيمة المشاريع الوحدوية الرسمية وتراجع القضية القومية في النظرية والممارسة، مما أوجد فكرة أن الجماهير الشعبية لا تؤمل كثيرا في المشاريع الوحدوية الرسمية والتي كان مآلها الفشل منذ سنة 1962.

- في إطار صراع محتدم ومن موقعين مختلفين لوحظ صعود الاتجاهين الماركسي اللينيني والاتجاه الإسلامي، مما أكسب هذين التيارين تعاطف ونصرة جماهير طلابية أساسا على حساب حزب البعث....

- انقسام حزب البعث وتصارع القطرين، الذين يحكمهما، بدل أن يتحدا مما أدى إلى تقسيم القوى الوطنية والديمقراطية العربية بدلا من أن يوحداها.

- وقوف القوى الامبريالية والأمريكية أساسا، والتي قررت أن ترمي بثقلها ضد القضية القومية. وكان ذلك واضحا منذ إنشاء الجمهورية المتحدة في 1958، والخوف من تمددها أو تجديد التجربة رغم حدوث الانفصال في 1961.

-  انسحاب عديد البعثيين التونسيين من حزب البعث لمواقفه من مجازر أيلول الأسود من مثل السيد حفناوي عمايرية الذي يقول في ذلك: "تخليت عن حزب البعث في سبتمبر 1970 احتجاجا على مواقفه من مجازر أيلول الأسود....." [11].

في ظل هذه الأجواء والاعتبارات السابقة ونتيجة للقيد التنظيمي والسلوك القدسي الديني والتماهي للحركات الماركسية، انقسم البعثيون التونسيون، فعرفنا البعث السوري والبعث العراقي، الأول مرتبط ببغداد والثاني بدمشق. وقد حاول كل من الميداني بن صالح والمناضل محمد صالح الهرماسي هندسة عملية التوحيد، إلا أن هذه المحاولة اصطدمت بواقع أفشل العملية وذلك لأسباب عدة لعل أهمها:

1- تواصل انقسام حزب البعث إلى فرعين حاكمين في سوريا والعراق، مما عمق مسألة الانقسام وأكدها. وقد حاولت أطراف عربية رسمية وغير رسمية حل الخلاف السوري العراقي، لكن من دون جدوى. ففي أكتوبر 1983 وعلى هامش أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة اشترطت سوريا في لقاء بين وزيري الخارجية الوحدة بين البلدين كشرط لتسوية الخلافات، فطالب العراق بوقوف سوريا معه في حربه ضد إيران ما دامت الوحدة ستكون عسكرية أيضا، وهما شرطان تعجيزيان...[12].

2- ظروف العمل السري وما تؤدي إليه من مشاحنات وزعاماتية، فالمشرف على الجهاز التنظيمي أو الشبابي يصبح بيده كل الأوراق، وهذا ينسحب على أغلب التنظيمات السرية إسلامية كانت أو ناصرية أو شيوعية، وهو ما انسحب على البعثيين.

3- دخول أجهزة الأمن التونسية على الخط، ودورها في بذر الفرقة والتشتت. وقد كان لها دور كبير في إفشال مساعي الحوار بين الشقين.

4- غياب الخصوصية القطرية والتي لم تظهر في أدبيات الفكر القومي عموما إلا مع سنة 1987..

5- دور سياسة الأقطاب المنفصلة وعنقودية العلاقات بينها ساهمت بدورها في فشل عملية التوحيد(إذ لا يمكن أن تناقش التوحد مع طرف متعدد الأقطاب والرؤى والاهتمامات وله أولوية الفكر الانقلابي، لأن ذلك آخر ما يفكر فيه...).

إلا أن هذه الأسباب لم تمنع من تواصل النشاط البعثي. رغم تواصل قمع النظام البورقيبي للبعثيين وكل القوى السياسية، بل إنه عمد إلى حصار البعثيين عبر الضغط على النظام العراقي، والتفاوض معه. وفي ذلك يقول السيد الشاذلي القليبي ".. على الأرجح في 1975، وكنت إذاك مديرا للديوان الرئاسي، وجرى الحديث عن استقبال رئيس الجمهورية للضيف (صدام حسين)، وكنت أتابع شؤون العراق من قبل.. وكنت أعرف أن السيد النائب كان هو رأس الدولة الحقيقي في العراق، وأن القرار السياسي بيده. ذكرت ذلك لرئيس الدولة واحتفى به بصورة خاصة، لاسيما أن تونس كانت لها مآخذ على العراق في ذلك الوقت، لأن بغداد تستقبل جموعا من الطلبة التونسيين في جامعاتها بضغوط سياسية كبيرة، تجعل الكثير منهم ينتمون إلى حزب البعث، وكانت الحكومة التونسية متحفظة عن ممارسات حزب البعث العراقي، لما يتسم به من غلو وإسراف في بعض الميادين. زيارة صدام كانت فرصة لرئيس الدولة ليثير هذا الموضوع، فكان جواب صدام بالقول متجها إليه: هذا مشكل اعتبروه انتهى، ولن يتدخل العراق في شؤون الطلبة التونسيين في بغداد ومدن أخرى من هنا فصاعدا )[13]

وقد تشكل البعثيون ضمن العديد من القوى والمنظمات والأحزاب ومنها:

1-    منظمة الديمقراطيون التونسيون- الحرية:
ظهرت في منتصف السبعينات وهي منظمة قومية بعثية الفكر والتوجه، تزعمها المناضل المعروف الدكتور محمد مسعود الشابي، والتي كانت تناضل من أجل أهداف قومية يعمل أفراد المنظمة على تحقيقها.

2- البعث السوري:
ظل نشاط البعثيين التونسيين الموالين لسوريا مقتصرا على جمعيات المجتمع المدني والنقابات، والتفسير للأهداف القومية العامة من دون البروز بشكل مدافع عن السياسة السورية. ومن أبرز قيادات البعث السوري التونسي الدكتور محمد صاالح الهرماسي، الذي حضر معظم المؤتمرات القومية لحزب البعث منذ عام 1966 إلى المؤتمر الثالث عشر في صائفة 1980 بدمشق، وانتخب على إثره عضوا في القيادة القومية ومشرفا على مكتب المغرب العربي. أما بقية المناضلين فقد خيروا إما النشاط السياسي المنفرد ومتابعة الأحداث من بعيد، بينما فضل الآخر أن يلتحق بـ:

* حزب الوحدة الشعبية، وخاصة بعد وصول السيد محمد بوشيحة إلى سدة الأمانة العام للحزب، حيث أقام جسور علاقات وحوار مع القيادة السورية. وتدافع صحيفة "الوحدة" لسان الحزب عن سوريا الدولة وقيادتها السياسية. كما تنشر صحيفة البعث في سوريا بيانات وأنشطة الحزب.
* التجمع الدستوري الحاكم.
* التجمع الاشتراكي التقدمي منذ تأسيسه في 1983 أو بعد تغيير نمطيته واسمه للحزب الديمقراطي التقدمي مما جعل الشابي يؤكد في العديد من المرات أن حزبه لم يتحول إلى حزب بعثي.
* التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات بقيادة السيد مصطفى بن جعفر.

3- البعث العراقي:
في بداية الثمانينات ونتيجة لجملة من العوامل غض بورقيبة ونظامه النظر عن نشاط البعثيين الموالين للعراق، بناء على:
* مساعدة النظام العراقي، إن لم نقل التكفل الكامل بإنشاء المؤسسات التعليمية (كلية الآداب بتونس مثلا لا حصرا).
* طبع العراقيين وعلى نفقاتهم الخاصة لبعض الكتب المدرسية التونسية، والبعض لا يزال يذكر كلمة هدية القطر العراقي الشقيق على كتب التاريخ والجغرافيا والفلسفة، إضافة للخرائط الجغرافية.
* الالتقاء الموضوعي بين النظام التونسي ونظيره العراقي في العديد من القضايا السياسية، وقوف صدام مع بورقيبة في حادثة قفصة..
* سخاء النظام العراقي من خلال تقديم مساعدات مادية وفنية وعلمية لتونس.

كل ذلك سمح بالنشاط والتحرك للبعثيين الموالين للعراق. وبعد مناقشات ومشاورات عدة تم إنشاء حركة البعث، خاصة بعد فشل محاولات الإصلاح والتوحيد سواء داخل إطار البعثيين أو داخل إطار الحركة القومية ككل، إضافة إلى أن العراق أرسل العشرات من البعثيين التونسيين لمتابعة تعليمهم في الجامعات الفرنسية، من أجل تهيئتهم لكي يتسلموا مناصب حساسة في أجهزة الدولة لنشر فكر البعث، عقب عودتهم إلى تونس.

4- حركة البعث تنظيم - تونس:

تأسست حركة البعث في 29 ماي 1988 وفقا لقانون عدد32-88 المؤرخ في 03/05/1988 والمنظم للأحزاب في تونس بقيادة الأستاذ فوزي السنوسي. إلا أن الحركة تعتبر نفسها امتداد لنضال البعثيين منذ أكثر من 30 سنة بنضالاتها وتضحياتها [14]، هذا رسميا، أما واقعيا فوجود الحركة تنظيميا سابق للإعلان الرسمي، حيث كانت تنظيما سريا يعرف الرأي العام السياسي بوجوده. ولعل الحديث الذي دار سنة 1975 بين بورقيبة وصدام بحضور القليبي المشار إليه سابقا دليل على ذلك، إضافة إلى طرد السلط الأمنية التونسية لعدد من المناضلين البعثيين العرب بعد تفطنها إلى اجتماعات سرية يقومون بها سنة 1985 مع مناضلين بعثيين تونسيين[15]. وقبل الأستاذ السنوسي كان يقود الحركة الأستاذ الصادق الهيشري، الذي توفي في ظروف غامضة ومشبوهة (وجهت الاتهامات يومئذ إلى السلطة وأجهزتها الأمنية، وأيضا إلى النظام البعثي، على أساس أن الرجل يؤمن بنوع من الاستقلالية عن هذا النظام، والأمر نفسه ينطبق على المناضل فوزي السنوسي، الذي توفي بعد ساعة من اجتماع لقيادة الحركة في بيته[16]... )، مما جعل أسرته تصر على التحقيق في المسالة [17].

وفي عهد السنوسي عرفت الحركة فترتها الذهبية، خاصة بعد اجتماع الهيئة التأسيسية للحركة في 15/08/1988، والذي دعت على إثره السلطة إلى قبول ملفها القانوني, بل ودعت إلى مؤتمر حول الميثاق الوطني [18]. وقد اتصف الرجل بحنكة سياسية، وهو صاحب مواقف مبدئية، إذ يقول "أهابت حركتنا بجميع الأطراف المعنية لتؤكد الموقف المبدئي من الديمقراطية التعددية ورفض الاستثناء والإقصاء..." [19]، إلى جانب موقفه المبدئي من الحركة الإسلامية وحق الإسلاميين في النشاط العلني ودفاعه عن المجموعة الأمنية في اجتماعات الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، حيث أكد في بداية القضية "كيف تريدون الحكم على أناس والقضية في بدايتها...."، في نفس الوقت الذي كانت العلاقة مع اليسار على أحسن وجه، (بخلاف السيد البوني والميداني بن صالح، الذين ساهما من مواقع مختلفة في دفع السلطة إلى عدم الاعتراف بالإسلاميين، بل إن الأخير ظل على مدى 15 سنة على ترديد التخويف من مقولة الدولة الدينية، حتى ولو تعلق الأمر بحوار حول الشعر أو اتحاد الكتاب[20]).

أما بخصوص المسعى التوحيدي فقد كان أكثر المناضلين القوميين وضوحا إذ أكد "أن البعثيين كانوا منذ البداية مع التوحد، شريطة أن يكون على أسس جدية، وبصيغة تحقق التفاعل مع الأطراف القومية.. إن هذا التطور يتجسد عمليا في صيغة جبهوية تضم التنظيمات والأفراد ولا تنفي خصوصية كل طرف أو حساسية..."[21]

إلا أن أوساط الاتحاد الديمقراطي الوحدوي يومئذ، وبعد وفاة الرجل، قالت إنها توصلت إلى صيغة اتفاق مع المرحوم قبل فترة قليلة من وفاته، وأن الحركة كانت على وشك الانضمام إلى المس