|
قدم للندوة وأدارها الأستاذ الطيب الغيلوفي
نبدأ من مسلمة يعترف بها الجميع: المنطقة العربية في حاجة للإصلاح، تردي وضعها،
وتعقد تخلفها، وتعمق على جميع الصعد. فشلت التنمية الاقتصادية، وتكلست البنى
الاجتماعية، واستعصت على التطوير، فعادت القبلية والمذهبية والجهوية، لتبرز من
جديد، وتأطر كثيرا من النشاط العام، وتزيد من حالة التفتت والتذرر. ترافق هذا
التراجع مع حالة من العجز والشلل، تعيشها الأنظمة والجماهير العربية، ومجمل النخب
الفكرية والسياسية.
إصلاح كل هذه الأوضاع أصبح شرطا للاستمرار وحفظ الوجود. ولكن أين مشروع الشرق
الأوسط الكبير، الذي تطرحه الإدارة الأمريكية من هذه الحاجة الأصيلة للإصلاح؟،
وفي أي سياق يتنزل المشروع الأمريكي؟.
1)
جاء المشروع الأمريكي في سياق الحرب الأمريكية الغربية على ما تسميه الإرهاب بعد
الحادي عشر من سبتمبر، وحجة تأزم الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، من استبداد
سياسي، وفشل اقتصادي، وتطرف أصولي، لم يعد مسألة محلية تخص هذه الدولة أو تلك،
ولكن تأثيراته وصلت إلى قلب الغرب ذاته: الولايات المتحدة الأمريكية، وتحول هذا
التأزم إلى عامل يهدد السلم العالمي.
وقد
علق الصحفي الأمريكي توماس فريدمان على ما يتضمنه البرنامج الدراسي السعودي من
حثّ على الجهاد أو التشدد مع المخالفين من أصحاب الأديان الأخرى، باعتباره أمرا
يهدد السلم العالمي، في زمن أصبح التنقل فيه من شرق العالم إلى غربه مسألة ساعات
معدودة، وفي زمن شراء بندقية فيه أسهل من شراء الخبز.
2)
تفتقد الإدارة الأمريكية المصداقية لطرح أي مبادرة، ومن أي نوع. فمعروف عن هذه
الإدارة دعمها للأنظمة المستبدة عبر العالم، وفي المنطقة العربية تحديدا، وكانت
لعقود طويلة أول داعم للأنظمة المتسلطة، والحكم المطلق. كان التعامل الأمريكي مع
هذه الأنظمة يحكمه معياران:
الأول الحفاظ على المصالح الأمريكية وخدمة سياساتها الدولية.
والثاني الاعتراف بإسرائيل والتعاون معها، وعلى الأقل عدم تهديدها.
وكل
خروج عن هذين الشرطين من قبل أي سلطة عربية تجعلها عرضة للحصار والاتهامات
بانتهاك حقوق الإنسان. وعادت ما تكون هذه الانتهاكات قد تمت بعلم الولايات
المتحدة، وفي زمن رضاها عن هذا النظام، وولاءه المطلق لها، مما جعل الولايات
المتحدة سببا مباشرا لغياب الديمقراطية عن المنطقة، وعامل رئيس في وقوف التغيير
السياسي عند أبواب الوطن العربي.
فكيف تتحول جرثومة المرض إلى دواء للصحة والعافية؟ وكيف يتحول العائق إلى داعية
للنغيير والديمقراطية؟
3)
الولايات المتحدة أكبر داعم للدولة العبرية، عدو لعرب التاريخي، وحارس تخلفهم
وضعفهم. هذا الدعم يجعل الولايات المتحدة بالضرورة عدوا للتغيير الديمقراطي، لأن
التغيير سيأتي بالضرورة بحكومات تعادي الدولة الصهيونية. معاداة المشروع
الصهيوني، إحدى القضايا القليلة، التي تعرف إجماعا عربيا شعبيا، ليس موضع رد أو
تساؤل.. معاداة الصهيونية جزء من شرعية الحكم في أغلب الدول العربية، أي أن
الديمقراطية العربية بالضرورة معادية للولايات المتحدة، على الأقل في مرحلتها
الحالية، حيث دعم الدولة الصهيونية حجر الزاوية في سياستها الخارجية.
بالنظر لكل ما سبق الولايات المتحدة آخر طرف يمكن أن يقبل بالتحول الديمقراطي،
فضلا عن أن يكون عرابه. أما الحقيقة التي لا تخفى على المتتبع للسياق العام الذي
طرح فيه هذا المشروع، والظرف التاريخي الذي صاحبه فهي كالآتي:
1-
يهدف هذا المشروع إلى إدخال إسرائيل في
النظام العربي، والسيطرة عليه، نتيجة الدعم العسكري الأمريكي، غير المتوازن.
2-
التصدي للتيارات الإسلامية سياسيا،
ومحاربة الثقافة الإسلامية، باعتبار الأولى حاملة لواء التصدي للمشروع الأمريكي
الصهيوني لإخضاع المنطقة ونهبها، والثانية باعتبارها وعاء لهذه المقاومة وأداة
لها.
3-
تفتيت المنطقة العربية، وزيادة تقسيمها،
بضرب عوامل الوحدة فيها: البعد العربي الجامع، والانتماء الإسلامي الموحد.
لذلك يتحتم أن يكون الرد على مشروع الإفساد هذا مشروع إصلاح عربي أصيل، معبر عن
حاجة الأمة العربية للإصلاح، يكون متجاوزا للمشروع الأمريكي، ومستوعبا لسياقه
التصفوي، ونقيضه، من حيث سياقه وأصالته والأهداف المرجوة منه.
يجب
أن يتميز المشروع العربي الذي ندعو إليه، والذي ندعو الجماهير العربية وقواها
الحية ومؤسساتها الأهلية، أن تبدأ في رسمه، وجمع الأمة حوله:
1-
إصلاح معبر عن طموح الأمة في الاستقلال
عن القوى الخارجية، ومقاومة فعلية وشاملة للاستيطان الصهيوني في بلاد العرب.
2-
يعكس رغبة الأمة في التحرر السياسي،
وتجاوز عقود وأزمنة من الملك العضوض، والتسلط السياسي، والاستئثار بالسلطة، على
حساب عموم الأمة، ومصادرة حقها في اختيار حاكمها، وحقها في مراقبته وتغييره.. هذا
المطلب لعله الأخطر، لأنه يستهدف الواقع بالتغيير، والتاريخ بالبحث عن جذور
الاستبداد الثاوي في ثقافتنا، أو الكامن في تجربتنا التاريخية. يتطلب الأمر، ضمن
هذا المطلب، صياغة إجماع عربي جديد، يتجاوز الانقسام الثقافي، والحرب الأهلية
العربية: (إسلامي/علماني، أصالة/معاصرة، قديم/جديد).
3-
مشروع عربي لمعالجة حالة التجزئة
والانقسام، التي تعاكس اتجاه العصر، وترهن المستقبل، في زمن التكتلات، والسعي
لاستحداث مؤسسات وآليات تعبر عن مسعى هذه الأمة للتوحد، بدون القفز على الواقع،
الذي ترسخت فيه الإقليمية. هذا المشروع أهلي وشعبي أو لا يكون، لأنها الأطراف
الوحيدة، التي لها مصلحة في التغيير، والمتضررة الوحيدة من الحالة المزرية التي
تعيشها الأمة.
مرحبا بكم أيها الإخوة الكرام في هذه الندوة، التي تعقدها مجلة "أقلام أون لاين"
بخصوص قضية الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، وعلاقتها بمشروع "الشرق الأوسط
الكبير" الأمريكي، وتفضلوا بمناقشة ما سبق طرحه من أفكار.
الدكتور رفيق عبد السلام:
بسم
الله الرحمن الرحيم. حسب رأيي فإن ما سمي بمشروع الإصلاحات الأمريكية هو في حقيقة
الأمر اقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح يمكن أن يفهم هذا المشروع من خلال السياق
الذي يتنزل فيه والواضح أنه يتنزل في سياق الهجمة الأمريكية على المنطقة بصفة
عامة وخاصة من خلال الحرب التي تم شنها على العراق في هذا الاطار والأجواء تشكلت
معالم مشروع الإصلاح الأمريكي من خلال ما سمي بمشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير
واستخدام التسمية واستدعاء كلمة الشرق الأوسط الكبير هي في حد ذاتها معبرة بشكل
أو بآخر عن الملامح العامة الإصلاحات الأمريكية والتي تهدف إلى تشكيل منطقة تسمى
بالشرق الأوسط تمتد من افغانستان مشرقا إلى المغرب الاقصى مغربا وهي معالم مشروع
الشرق أوسطية الذي برز بعد سنة 1993 بعد مؤتمر مدريد الذي تشكلت فيه ملامح وتوجه
لاقامة نظام شرق اوسطي بديلا عن النظام العربي والذي هو الرؤية التي عبر عنها
شمعون بيريز في كتابه الذي اسماه الشرق الأوسط الجديد والذي عبر عنه شرق أوسط
بقيادة إسرائيلية أو بما اسماه شرق أوسط بعبقرية إسرائيلية وبراسمال ويد عاملة
عربية هذا المشروع حتى من ناحية استدعاء التسمية يؤشر على معالم المشروع الأمريكي
للإصلاحات في هذه المنطقة المقصود بهذا هو تشكيل نظام شرق أوسطي بديل على النظام
السياسي العربي الذي عماده على الاساس هو الرابطة القومية والرابطة الإسلامية
العامة وفي هذا الاطار نذكر ما قاله شمعون بيريز عن الجامعة العربية اذ وصفها
بجامعة الشر العربي وقال ايها العرب لقد جربتم قيادة مصر لعقود من الزمن وحان
الوقت لتجربوا القيادة الإسرائيلية لبعض السنين حتى تكتشفوا ما بين القيادة
الإسرائيلية والقيادة المصرية فهذا المشروع جاء ضمن هذه الوجه في اطار الهجوم
المنطقة ومحاولة اعادة تشكيل الخارطة الجغرافية والسياسية للمنطقة وتذويبها ضمن
مشروع الشرق أوسطية ثم أن هذا المشروع لا يتناول القضايا الاساسية الكبرى التي
تعتبر العوامل الرئيسية في الفشل السياسي في الامراض المزمنة التي تعاني منها
المنطقة وعلى راس ذلك التحدي الصهيوني اي الاحتلال الإسرائيلي للاراضي الفلسطينية
والجولان وتهديد بقية دول الجوار العربي ما يجعل من الوضع العربي وبصفة عامة وضع
متأزم ومريض الوضع الآخر جاني الوهن لسياسي العربي الناتج عن قضية الانقسام
والتذرر العربي فعندما يتحدث الأمريكان عن مشروع الإصلاحات السياسية والديمقراطية
الأمريكية فالديمقراطية المقصود بها انسجام مع فهم تاصيل الفهم الديمقراطية
المتناسب مع الارادة الشعبية بما هو احترام للارادة العامة وحكم يعكس الارادة
الشعبية برلمانات منتخبة ومستقلة وان نخب الحكم تكون مفرزة بطريقة شعبية ومستقلة.
ولكن المقصود من ذلك افراز نخب جديدة منسجمة مع الاجندة السياسية الأمريكية ونحن
راينا من خلال المشروع الثقافي للمنطقة والذي عبرت عنه وثيقة مؤسسة رند من اجل
إسلام ديمقراطي مدني الذي يسعى وبالتوازي مع اعادة تشكيل الخارطة السياسية في
الوضع العربي إلى أداة تشكيل الخارطة الثقافية وما يسمونه التيار التحديثي
والعلماني المطوع اذ ليس مقصود حتى تيار تحديثي وعلماني ذو اجندة محلية ولكن
مقصود تيار تحديثي وعلماني باجندة أمريكية بحيث تتسلم هذه النخب مقاليد الحكم في
الدول العربية جزء من التغييرات المفروضة في المشهد السياسي والثقافي في الوضع
العربي فالمقصود من الإصلاحات السياسية انها لا تتناول القضايا الكبرى التي تعتبر
اسباب الفشل والمرض الذي يعاني منه الوضع العربي والإسلامي بصفة عامة ولكن
المقصود بذلك هو ديمقراطية معزولة عن تناول المشكلات والقضايا الكبرى التي تمس
الوضع العربي والإسلامي ثم ديمقراطية تفرز نخب منسجمة مع الاجندة الأمريكية. وفي
هذا الاطار يتم اعادة تشكيل الخارطة السياسية والثقافية للعالم الإسلامي بما يشبه
المشروع الأمريكي في الحرب العالمية الثانية ولذلك النموذج الذي يستدعى في الغالب
هو النموذج الالماني والياباني اذ ينظر إلى العالم العربي والإسلامي على اساس انه
قوة مهزومة مفككة وبالتالي يمكن أن تطوع مثل العجينة الطيعة على ضوء الاجندة
العسكرية والسياسية الأمريكية. وفي نفس الاطار يتنزل المشروع الاوربي لانه اشبه
ما يكون بحال تركيا والدولة العثمانية التي كانت اشبه ما يكون بالرجل المريض ومثل
ما تدافعت عليها مشاريع الهيمنة تتدافع على العالم العربي مشاريع باسماء وعناوين
مختلفة فيتزاحم علينا المشروع الأمريكي بالاضافة إلى المشروع الاوربي وان كان
المشروع الاوربي اقرب للاجندة المحلية باعتباره يعتبر انه لا يمكن وجود إصلاحات
سياسية بدون الاخذ بعين الاعتبار موضوع القضية الفلسطينية وان كان الجانب الاخر
فيه ترضية اكثر للحكومات والأنظمة العربية اذ يقول انه يجب اعتبار خصوصيات
الأنظمة المحلية أو لمنطقة الشرق الأوسط باعتبار انها ليست كتلة متجانسة وبالتالي
فان عملية الإصلاح يجب أن تكون جزءا من عملية الصلاح، وكي لا اطيل اكثر اقول إن
هذا المشروع هو جزء من الهجمة السياسية والعسكرية على المنطقة وخاصة من خلال
العراق ونحن نستحضر في هذا السياق أن النموذج المستحضر لعملية الإصلاح هذه هي
العراق باعتبار انه كان يراد له أن يكون نموذج للديمقراطية الأمريكية وبالتالي
فان هذا النموذح كان يكون مغريا ومستدرج لبقية المنطقة اما عملية اغراق ملهمة
لبقية أنظمة المنطقة أو أن يكون بمثال لعبة "الداينمو" بحيث إذا ما سقط طرف جر
البقية ولكن الذي تبين أن المنطقة تسير في اتجاه مخالف تماما خاصة وان الأمريكان
علقوا في الشباك العراقي وتبين أن ما بشروا به من الإصلاحات انه اقرب إلى سراب
منه ولم يتحقق اي شيء من ذلك
أحمد قعلول:
أريد أن أبدأ مداخلتي
هذه بالمقدمة التالية: إن كل جهة عندما تبث خطابا فان لذلك الخطاب متلق مقصود
ورسالة تريد تلك الجهة الباثة أن توصلها إلى ذلك المتلقي. كما أن هناك جمهورا
عاما يتلقى الرسالة ويعتبرها موجهة إليه وإن كان ذلك دون قصد من الجهة الباثة،
اذا هناك متلق أول أساسي وجمهور ثانوي. والسؤال الذي أريد طرحه هو من هو الجمهور
المقصود بهذا الخطاب "أي مشرواع اصلاح الشرق الاوسط الكبير"؟ إلى من يريد
الأمريكان أن يبثوا هذا الخطاب؟
اذا ما اردنا الاسراع
في الاجابة فانه يمكن القول إنه إما أن تكون الانظمة او الشعوب او كليهما. هذا في
ما يخص قصد الباث. أما الجهة المتلقية فهناك منها من سيعتبر نفسه المعني الأول
بالخطاب ومنها من سيعتبر نفسه معني لكن ليس بالدرجة الأولى.
يقول الأمريكان في خطاب
يبدو انه موجه لشعوب المنطقة إنهم قد قاموا بدعم هذه الانظمة المستبدة لوقت طويل
وأنهم بهذا المشروع سيقومون بالاصلاحات اللازمة من أجل خدمة مصالح شعوب المنطقة
وحقها في أنظمة ديمقراطية وحياة سياسية محكومة بالقانون وتراعي الحرايات وذلك من
خلال دعم مكونات المجتمع المدني للقيام بهذا الاصلاحات.
في ظني ومن خلال هذا
الخطاب أن المستمع الأساسي لهذا الخطاب هو الأنظمة والعربية بالذات وليست الشعوب،
لماذا؟ لأن الأمريكان بمثل هذا الخطاب يقومون بممارسة ضغط على الأنظمة العربية من
أجل دفعها إلى تبني برامج الولايات المتحدة والانصياع لإرادتها في مجموعة من
اللمفات الإقتصادية والسياسية والأمنية وخاصة في ملف القضية الفلسطية إضافة إلى
العراق. كيف ذلك؟
معروف أن هذا التقرير
قد تأسس في خلفيته على تقرير التنمية البشرية وخاصة على طبعته الثانية التي اشارت
إلى القضايا السياسية من غياب للحريات ومن استبداد. فالأمريكان استعملوا نقطة
الضعف الموجودة عند هذه الانظمة وضغطوا عليها. وذلك أن الجهة التي تأتي وتقول
إنها ستقوي مكونات المجتمع وستنشر ديمقراطية وحرية التعبير في ساحة أنظمتها قائمة
على احتكار السلطة وتكميم كل الأصوات إلى غير ذلك مما هو معلوم عند الجميع إنما
تهدد الأنظمة في اساس حكمها بل في وجودها. ولذلك نلاحظ أن اسرع جهة تفاعلت مع هذا
المشروع هي الأنظمة وليست الشعوب، إذ لم نر مكونات من المجتمع المدني تسارعت إلى
تقديم مشاريع، اذ بخلاف المشروع الذي قدمته حركة الإخوان المسلمين (والذي وفي
توجهه السياسي محاولة لفك الاشتباك مع الدولة أكثر منه مشروع للإصلاح يرمي
التحقيق لمصالح المجتمع كما أنه رد بالرفض على المشروع الأمريكي) فإننا لم نر
حركة تفاعل مع ما طرحته أمريكا ولذلك عدة اسباب منها أن أجندة الشعوب ليست أجندة
إصلاحية خاصة في وضع تواصل الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية واحتلال العراق.
عز الدين عبد المولى
مقاطعا: وماذا عن ملتقى الإسكندرية؟
أحمد قعلول:
ملتقى الإسكندرية هو
ملتقى وإن كان عنوانه غير رسمي إلا أنه تم من خلال دفع وتبني رسمي من الحكومة
المصرية. بل كان من المبرمج تقديم لوائحه إلى القمة العربية. ثم إن كان الذين
شاركوا في الملتقى من خارج النطاق الرسمي فهذا لا يعني إلا رد بالمثل من الجهة
المصرية فكأن الحكومة المصرية تقول هذا هو رد المجتمع المدني العربي على المشروع
الأمريكي. ولذلك فان الذين اعتبروا انفسهم معنيين بالمشروع الأمريكي هم الأنظمة
ولذلك فهي التي سارعت إلى تقديم الإجابة. هذا من جهة المستمع أما من جهة الباث
فان الدليل على كون الأمريكان يخاطبون الأنظمة هو مواقفهم من أنظمة المنطقة من
مثل موقفهم من النظام التونسي والمغربي والأردني. ثم انظر إلى موقفهم من
الانتخابات الجزائرية إضافة إلى المشاريع الإصلاح والتعاون كما يصفونها مع أي
جهات اقاموها. كلها مراكز ومؤسسات حكومية أو شبه حكومية أو مؤسسات مؤمركة بحيث
نرى أن الأمر ليس له علاقة بالديمقراطية ولا بالاصلاح وانما هو في الغالب متعلق
باستجابة من انظمة المنطقة إلى الإملاءات الأمريكية.
هذا هو
السؤال الأول. أما السؤال الثاني فلماذا جاء هذا المشروع؟ تتوارد الأخبار أن
الإدارة الأمريكية بقيادة بوش قد سارعت إلى استغلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر
من أجل الدفع إلى غزو العراق ما يفهم منه أن هذه الإدارة كانت لها خطة مسبقة في
هذا الاتجاه وانها كانت تحتاج إلى مسوغات لبرنامجها وخطتها من أجل تكوين
امبراطورية جديدة. إن هذا البرنامج يمثل في رأيي أحد المسوغات التي تغلف الممارسة
الأمريكية، وفي رأيي أن هذه الإدارة تريد أن تعتمد على خطاب او ايديولوجيا تحررية
وديمقراطية فهذه الايدولوجيا من شأنها تخفيف الصراع داخل النخب في الولايات
المتحدة كما من شأنها أن تخفف من روح الاحتجاج في صفوف من هم موضوع فعل الولايات
المتحدة في حال ما قبلوا وصدقوا هذه الايديولوجيا. فالخطاب الذي ظاهره مطالبة
باطلاق الحريات وتحقيق مصالح الشعوب هو شبيه بما جاء يبشر به الاحتلال الشعوب
التي غصب ارضها وامتص ثرواتها، إلا أن الأمريكان بخطابهم وأيديولجيتهم هذه يريدون
الأنظمة العربية أن تقوم بدور جيوش الاحتلال
نور الدين العويديدي:
تذكرون أننا كنا قد تحدثنا، قبل نحو عام ونصف، في ندوة لهيئة تحرير مجلة "أقلام"،
عن مشروع الديمقراطية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط، وبالخصوص للعراق، الذي كانت
طبول الحرب تقرع تمهيدا لغزوه. وأذكر أيضا أن الحملة على العراق كانت تستعمل حجة
امتلاك النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل. وبالإضافة إلى ذلك فإنها كانت
تستعمل موضوع الديمقراطية والقضاء على ديكتاتورية الرئيس العراقي السابق صدام
حسين، باعتبارهما من الحجج الأساسية لتبرير حرب كانت ولا تزال مرفوضة من الأغلبية
الساحقة من شعوب العالم.
وفي
إطار الزخم السياسي، وحالة المد، التي ميزت المشروع الأمريكي، بعد الانتصار
السريع على النظام العراقي السابق، وحالة الانكسار المعنوية، التي حصلت نسبيا في
الأمة، ولو لفترة محدودة، شعر الأمريكان بأن سيطرتهم على العراق صارت تؤهلهم لجعل
هذا البلد نموذجا لما يمكن أن يحصل في المنطقة بأسرها، وذلك من خلال إقامة نظام
تابع وموال لهم بالكامل في العراق، لكنه يأخذ شكل نظام تعددي، تعددية صورية، ومن
خلال ذلك تهجم الآلة الدبلوماسية، وإن اقتضى الحال العسكرية أيضا، على الأمة،
ويتم تطويع كل شيء، ومراجعة كل شيء، بما يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.
وقد
تطورت الفكرة مع مرور الوقت، وقبل أن يتبخر الشعور الأمريكي بالانتصار والزهو،
لما حققوه في العراق، لتطرح الإدارة الأمريكية "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، الذي
نناقشه اليوم. لكني صرت أرى الآن، بعد التطورات الحاصلة في العراق وفي فلسطين أن
فكرة "الشرق الأوسط الكبير" تتراجع بسرعة مذهلة، حتى وإن ظلت الإدارة الأمريكية
متمسكة بها، وتعرضها على قمة الثماني الكبار، وأن الورطة التي وقع فيها الأمريكان
في العراق تجعلنا نتساءل بجدية هل سيستمر طرح هذا المشروع في الفترة القادمة؟ وهل
هو مشروع الدولة الأمريكية أم هو مشروع العصابة الحاكمة حاليا في واشنطن، بحيث
إذا رحلت تلك العصابة من البيت الأبيض ينتهي هذا المشروع؟ وهل سيتقيد المرشح
الديمقراطي جون كيري بالمشروع لو فاز في الانتخابات القادمة؟ أم إنه سيكون له
مشروع آخر؟. ثم حتى لو فاز بوش في الانتخابات فهل ستسمح الورطة المتزايدة في
العراق له بمواصلة هذا المشروع؟
لقد
كان العراق هو النموذج والمنطلق لمشروع الشرق الأوسط الكبير، فما العمل والنموذج
يتهاوى بسرعة هائلة؟.. لقد كان احتلال العراق، والنظام الذي كانوا يعتزمون تشكيله
فيه، الأساس وحجر الزاوية في مشروع الشرق الأوسط الكبير.. أما وقد سقط النموذج أو
سقط حجر الزاوية فما العمل الآن؟
الأمريكان في ورطة حقيقية في العراق. فلا هم قادرون على تحمل خسائرهم لمدة أطول،
ولا هم نجحوا في إقامة جيش عراقي جديد، وجهاز أمني ضارب، يكون موال لهم، وقادر
على حفظ الأمن لصالحهم، الأمر الذي جعل قوات الاحتلال تستعين بلواء من الحرس
الجمهوري السابق لحفظ الأمن في مدينة الفلوجة.
وقد
ذكر الجنرال الأمريكي
مارتين ديمبسي قائد
الفرقة الأمريكية المدرعة الأولى في العراق أن
واحد من
كل عشرة من الشرطة التي دربها الأمريكان يتعامل مع المقاومة، وأن أربعين في
المائة من رجال الشرطة غادروا مواقعهم، ولم يعودوا يعملون مع قوات الاحتلال، ولم
يبق سوى خمسون في المائة.. فهل يقدر الأمريكيون على تحقيق أهدافهم في العراق بهذه
النسبة؟ ثم هل بقاؤها معهم مضمونا، إذا ما تواصل نسق الأحداث على هذه الوتيرة؟
واستمر الأمريكان يتخبطون في العراق؟
نحن
مقدمون على عرض مشروع الشرق الأوسط الكبير على قمة الثماني، لكن بالرغم من ذلك
فأنا أرى أن التطورات المتسارعة في العراق ستجعل هذا المشروع يتراجع رويدا رويدا،
حتى يغيب بشكل كلي. ورطة العراق أفقدت الأمريكان أي قدرة على الهجوم السياسي على
المنطقة. وأنا أتوقع أن يذبل المشروع مع مرور الوقت، إلى أن ينتهي إلى لا شيء،
خاصة وأن المشروع يحمل في ذاته تناقضات صارخة، فهو يسعى لإقامة الديمقراطية في
المنطقة، بينما نحن نعرف جيدا أن الديمقراطية تتناقض تناقضا كليا وجوهريا مع
مصالح الأمريكان.
سيجد الأمريكان أن الديمقراطية كارثة عليهم، والأنظمة العربية لم تقصر في تنبيههم
إلى خطر الديمقراطية على أوضاع الحكومات الفاسدة القائمة في العالمين العربي
والإسلامي، وعلى المصالح الأمريكية. وبالتالي إذا ربطنا ذلك مع ضعف الهجوم
السياسي الأمريكي على المنطقة، فالخلاصة تكون تراجع مشروع الشرق الأوسط الكبير
الأمريكي حتى ينتهي في الواقع، حتى ولو بقي يتردد صداه ذابلا في بعض الخطابات
السياسية الأمريكية، أو وقع التذكير به بين الفينة والأخرى، عند الحاجة للضغط على
بعض الأنظمة وتخويفها
أما
بالنسبة للمشروع البديل، الذي يجب أن يطرح في المنطقة الآن، فهو في رأيي دعم خيار
المقاومة وتعضيده، وتحويله إلى ثقافة واسعة الانتشار، بقدر الطاقة والاستطاعة.
لكن المشكلة في رأيي هي في نمط العلاقة المطلوبة مع الأنظمة، وهي على العموم
مشكلة تحل على مدى طويل، ليس بالعنف بكل تأكيد، فهو خيار خاطئ، وقد جرب وفشل،
ولكن بالضغط والمغالبة التي تستمر أمدا طويلا، حتى يفتح الله بيننا وبين هؤلاء
الحكام.
عز الدين عبد المولى:
تأكيدا على ما قاله رفيق على أن هذا المشروع ليس جديد فمشروع إصلاح الشرق الأوسط
الكبير هو رواية جديدة لمشروع قديم برز في بداية التسعينات في اطار سعي الولايات
المتحدة للبحث عن مهمة هم يسمونه كذلك البحث عن مهمة بعدما نجحت مهمتهم في اسقاط
عدوهم التاريخي ومن كان معه اسقاطه باستعمال مجموعة من الاسلحة احدها
الايديولوجيا السياسية وعلى راسها الديمقراطية ولذلك تاتي الديمقراطية كشعار من
شعارات الإصلاح في العالم العربي والإسلامي المهمة هذه في الاخير هي مهمة ليست
بعيد عن الاستعمار القديم هي مهمة تحضير عالم متخلف أو إصلاح عالم فاسد أو فتح
مجال بعيد عن العالم إذا ياتي في سياق ما يمكن تسميته الروح الانتصارية لأمريكا
والغرب عموما بعد الحرب الباردة وسقوط عدوهم. النقطة الثانية يمكن في سياق يمكن
تسميته سياق انتقامي بعد الحادي عشر من سبتمبر. وذلك انهم وقد كان بصدد البحث عن
مهمة وبلورة آراء وبدائل لهذه المنطقة البعيدة عن الحظيرة الغربية فاذا بهم
يتلقون ضربة حددت لهم الوجهة ولذلك مهم جدا قراءة السيكولوجيا الأمريكية في
تعاطيها مع المنطقة فهذه السيكولوجيا جاءت بروح انتصارية فاذا بها تتلقى ضربة
وتبدل وجهتها بضربة لاول مرة تضرب في ارضها بحجم لم تضرب به في صراع حقب مع عدو
كان مسلح باعتا الاسلحة وربما كان متفوقا عليها في بعض المجالات فهي تلقت ضربة من
عالم تحتقره وتعتبر انه لا يمثل شيئا هي تسميه إصلاحي ولكنه إصلاحي بمقاييس تراعي
مصالحها هنا نصبح في حاجة للتحقيق في موضوع الإصلاح هل الإصلاح في المنظور
الأمريكي يتناسب مع رؤية الإصلاح التي نحملها هنا تصبح المصطلحات تحمل مضامين
متناقضة ولذلك يمكن بالإفساد كما ذكر رفيق. النقطة الثالثة التي ياتي في سياقها
هذا المشروع هو تورط أمريكا في العراق واكتشاف أن مشروع الإصلاح ليس بالسهولة
التي كانوا يتصورونها ما يمكن أن يسفر عنه مشروع الإصلا |