مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

محــور العـدد - حوارات أقـلام

المشروع الأمريكي لإصلاح الشرق الأوسط الكبير..
أي هدف وأي مصير

 

   

شبح أسلحة الدمار الشامل

في هذا العدد أيضا

    أي أمن تحتاجه تونس؟

حوار مع مهدي مبروك

   

شبح أسلحة الدمار الشامل

النخبة التونسية ومشروع ش أ ك

   

 

منتدى أقلام



قدم للندوة وأدارها الأستاذ الطيب الغيلوفي

نبدأ من مسلمة يعترف بها الجميع: المنطقة العربية في حاجة للإصلاح، تردي وضعها، وتعقد تخلفها، وتعمق على جميع الصعد. فشلت التنمية الاقتصادية، وتكلست البنى الاجتماعية، واستعصت على التطوير، فعادت القبلية والمذهبية والجهوية، لتبرز من جديد، وتأطر كثيرا من النشاط العام، وتزيد من حالة التفتت والتذرر. ترافق هذا التراجع مع حالة من العجز والشلل، تعيشها الأنظمة والجماهير العربية، ومجمل النخب الفكرية والسياسية.

إصلاح كل هذه الأوضاع أصبح شرطا للاستمرار وحفظ الوجود. ولكن أين مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي تطرحه الإدارة الأمريكية من هذه الحاجة الأصيلة للإصلاح؟، وفي أي سياق يتنزل المشروع الأمريكي؟.

1) جاء المشروع الأمريكي في سياق الحرب الأمريكية الغربية على ما تسميه الإرهاب بعد الحادي عشر من سبتمبر، وحجة تأزم الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، من استبداد سياسي، وفشل اقتصادي، وتطرف أصولي، لم يعد مسألة محلية تخص هذه الدولة أو تلك، ولكن تأثيراته وصلت إلى قلب الغرب ذاته: الولايات المتحدة الأمريكية، وتحول هذا التأزم إلى عامل يهدد السلم العالمي.

وقد علق الصحفي الأمريكي توماس فريدمان على ما يتضمنه البرنامج الدراسي السعودي من حثّ على الجهاد أو التشدد مع المخالفين من أصحاب الأديان الأخرى، باعتباره أمرا يهدد السلم العالمي، في زمن أصبح التنقل فيه من شرق العالم إلى غربه مسألة ساعات معدودة، وفي زمن شراء بندقية فيه أسهل من شراء الخبز.

2) تفتقد الإدارة الأمريكية المصداقية لطرح أي مبادرة، ومن أي نوع. فمعروف عن هذه الإدارة دعمها للأنظمة المستبدة عبر العالم، وفي المنطقة العربية تحديدا، وكانت لعقود طويلة أول داعم للأنظمة المتسلطة، والحكم المطلق. كان التعامل الأمريكي مع هذه الأنظمة يحكمه معياران:

الأول الحفاظ على المصالح الأمريكية وخدمة سياساتها الدولية.

والثاني الاعتراف بإسرائيل والتعاون معها، وعلى الأقل عدم تهديدها.

وكل خروج عن هذين الشرطين من قبل أي سلطة عربية تجعلها عرضة للحصار والاتهامات بانتهاك حقوق الإنسان. وعادت ما تكون هذه الانتهاكات قد تمت بعلم الولايات المتحدة، وفي زمن رضاها عن هذا النظام، وولاءه المطلق لها، مما جعل الولايات المتحدة سببا مباشرا لغياب الديمقراطية عن المنطقة، وعامل رئيس في وقوف التغيير السياسي عند أبواب الوطن العربي.

فكيف تتحول جرثومة المرض إلى دواء للصحة والعافية؟ وكيف يتحول العائق إلى داعية للنغيير والديمقراطية؟

3) الولايات المتحدة أكبر داعم للدولة العبرية، عدو لعرب التاريخي، وحارس تخلفهم وضعفهم. هذا الدعم يجعل الولايات المتحدة بالضرورة عدوا للتغيير الديمقراطي، لأن التغيير سيأتي بالضرورة بحكومات تعادي الدولة الصهيونية. معاداة المشروع الصهيوني، إحدى القضايا القليلة، التي تعرف إجماعا عربيا شعبيا، ليس موضع رد أو تساؤل.. معاداة الصهيونية جزء من شرعية الحكم في أغلب الدول العربية، أي أن الديمقراطية العربية بالضرورة معادية للولايات المتحدة، على الأقل في مرحلتها الحالية، حيث دعم الدولة الصهيونية حجر الزاوية في سياستها الخارجية.

بالنظر لكل ما سبق الولايات المتحدة آخر طرف يمكن أن يقبل بالتحول الديمقراطي، فضلا عن أن يكون عرابه. أما الحقيقة التي لا تخفى على المتتبع للسياق العام الذي طرح فيه هذا المشروع، والظرف التاريخي الذي صاحبه فهي كالآتي:

1-    يهدف هذا المشروع إلى إدخال إسرائيل في النظام العربي، والسيطرة عليه، نتيجة الدعم العسكري الأمريكي، غير المتوازن.
2-    التصدي للتيارات الإسلامية سياسيا، ومحاربة الثقافة الإسلامية، باعتبار الأولى حاملة لواء التصدي للمشروع الأمريكي الصهيوني لإخضاع المنطقة ونهبها، والثانية باعتبارها وعاء لهذه المقاومة وأداة لها.
3
-    تفتيت المنطقة العربية، وزيادة تقسيمها، بضرب عوامل الوحدة فيها: البعد العربي الجامع، والانتماء الإسلامي الموحد.

لذلك يتحتم أن يكون الرد على مشروع الإفساد هذا مشروع إصلاح عربي أصيل، معبر عن حاجة الأمة العربية للإصلاح، يكون متجاوزا للمشروع الأمريكي، ومستوعبا لسياقه التصفوي، ونقيضه، من حيث سياقه وأصالته والأهداف المرجوة منه.

يجب أن يتميز المشروع العربي الذي ندعو إليه، والذي ندعو الجماهير العربية وقواها الحية ومؤسساتها الأهلية، أن تبدأ في رسمه، وجمع الأمة حوله:
1-    إصلاح معبر عن طموح الأمة في الاستقلال عن القوى الخارجية، ومقاومة فعلية وشاملة للاستيطان الصهيوني في بلاد العرب.
2
-    يعكس رغبة الأمة في التحرر السياسي، وتجاوز عقود وأزمنة من الملك العضوض، والتسلط السياسي، والاستئثار بالسلطة، على حساب عموم الأمة، ومصادرة حقها في اختيار حاكمها، وحقها في مراقبته وتغييره.. هذا المطلب لعله الأخطر، لأنه يستهدف الواقع بالتغيير، والتاريخ بالبحث عن جذور الاستبداد الثاوي في ثقافتنا، أو الكامن في تجربتنا التاريخية. يتطلب الأمر، ضمن هذا المطلب، صياغة إجماع عربي جديد، يتجاوز الانقسام الثقافي، والحرب الأهلية العربية: (إسلامي/علماني، أصالة/معاصرة، قديم/جديد).
3
-    مشروع عربي لمعالجة حالة التجزئة والانقسام، التي تعاكس اتجاه العصر، وترهن المستقبل، في زمن التكتلات، والسعي لاستحداث مؤسسات وآليات تعبر عن مسعى هذه الأمة للتوحد، بدون القفز على الواقع، الذي ترسخت فيه الإقليمية. هذا المشروع أهلي وشعبي أو لا يكون، لأنها الأطراف الوحيدة، التي لها مصلحة في التغيير، والمتضررة الوحيدة من الحالة المزرية التي تعيشها الأمة.

مرحبا بكم أيها الإخوة الكرام في هذه الندوة، التي تعقدها مجلة "أقلام أون لاين" بخصوص قضية الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، وعلاقتها بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" الأمريكي، وتفضلوا بمناقشة ما سبق طرحه من أفكار.

الدكتور رفيق عبد السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم. حسب رأيي فإن ما سمي بمشروع الإصلاحات الأمريكية هو في حقيقة الأمر اقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح يمكن أن يفهم هذا المشروع من خلال السياق الذي يتنزل فيه والواضح أنه يتنزل في سياق الهجمة الأمريكية على المنطقة بصفة عامة وخاصة من خلال الحرب التي تم شنها على العراق في هذا الاطار والأجواء تشكلت معالم مشروع الإصلاح الأمريكي من خلال ما سمي بمشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير واستخدام التسمية واستدعاء كلمة الشرق الأوسط الكبير هي في حد ذاتها معبرة بشكل أو بآخر عن الملامح العامة الإصلاحات الأمريكية والتي تهدف إلى تشكيل منطقة تسمى بالشرق الأوسط تمتد من افغانستان مشرقا إلى المغرب الاقصى مغربا وهي معالم مشروع الشرق أوسطية الذي برز بعد سنة 1993 بعد مؤتمر مدريد الذي تشكلت فيه ملامح وتوجه لاقامة نظام شرق اوسطي بديلا عن النظام العربي والذي هو الرؤية التي عبر عنها شمعون بيريز في كتابه الذي اسماه الشرق الأوسط الجديد والذي عبر عنه شرق أوسط بقيادة إسرائيلية أو بما اسماه شرق أوسط بعبقرية إسرائيلية وبراسمال ويد عاملة عربية هذا المشروع حتى من ناحية استدعاء التسمية يؤشر على معالم المشروع الأمريكي للإصلاحات في هذه المنطقة المقصود بهذا هو تشكيل نظام شرق أوسطي بديل على النظام السياسي العربي الذي عماده على الاساس هو الرابطة القومية والرابطة الإسلامية العامة وفي هذا الاطار نذكر ما قاله شمعون بيريز عن الجامعة العربية اذ وصفها بجامعة الشر العربي وقال ايها العرب لقد جربتم قيادة مصر لعقود من الزمن وحان الوقت لتجربوا القيادة الإسرائيلية لبعض السنين حتى تكتشفوا ما بين القيادة الإسرائيلية والقيادة المصرية فهذا المشروع جاء ضمن هذه الوجه في اطار الهجوم المنطقة ومحاولة اعادة تشكيل الخارطة الجغرافية والسياسية للمنطقة وتذويبها ضمن مشروع الشرق أوسطية ثم أن هذا المشروع لا يتناول القضايا الاساسية الكبرى التي تعتبر العوامل الرئيسية في الفشل السياسي في الامراض المزمنة التي تعاني منها المنطقة وعلى راس ذلك التحدي الصهيوني اي الاحتلال الإسرائيلي للاراضي الفلسطينية والجولان وتهديد بقية دول الجوار العربي ما يجعل من الوضع العربي وبصفة عامة وضع متأزم ومريض الوضع الآخر جاني الوهن لسياسي العربي الناتج عن قضية الانقسام والتذرر العربي فعندما يتحدث الأمريكان عن مشروع الإصلاحات السياسية والديمقراطية الأمريكية فالديمقراطية المقصود بها انسجام مع فهم تاصيل الفهم الديمقراطية المتناسب مع الارادة الشعبية بما هو احترام للارادة العامة وحكم يعكس الارادة الشعبية برلمانات منتخبة ومستقلة وان نخب الحكم تكون مفرزة بطريقة شعبية ومستقلة. ولكن المقصود من ذلك افراز نخب جديدة منسجمة مع الاجندة السياسية الأمريكية ونحن راينا من خلال المشروع الثقافي للمنطقة والذي عبرت عنه وثيقة مؤسسة رند من اجل إسلام ديمقراطي مدني الذي يسعى وبالتوازي مع اعادة تشكيل الخارطة السياسية في الوضع العربي إلى أداة تشكيل الخارطة الثقافية وما يسمونه التيار التحديثي والعلماني المطوع اذ ليس مقصود حتى تيار تحديثي وعلماني ذو اجندة محلية ولكن مقصود تيار تحديثي وعلماني باجندة أمريكية بحيث تتسلم هذه النخب مقاليد الحكم في الدول العربية جزء من التغييرات المفروضة في المشهد السياسي والثقافي في الوضع العربي فالمقصود من الإصلاحات السياسية انها لا تتناول القضايا الكبرى التي تعتبر اسباب الفشل والمرض الذي يعاني منه الوضع العربي والإسلامي بصفة عامة ولكن المقصود بذلك هو ديمقراطية معزولة عن تناول المشكلات والقضايا الكبرى التي تمس الوضع العربي والإسلامي ثم ديمقراطية تفرز نخب منسجمة مع الاجندة الأمريكية. وفي هذا الاطار يتم اعادة تشكيل الخارطة السياسية والثقافية للعالم الإسلامي بما يشبه المشروع الأمريكي في الحرب العالمية الثانية ولذلك النموذج الذي يستدعى في الغالب هو النموذج الالماني والياباني اذ ينظر إلى العالم العربي والإسلامي على اساس انه قوة مهزومة مفككة وبالتالي يمكن أن تطوع مثل العجينة الطيعة على ضوء الاجندة العسكرية والسياسية الأمريكية. وفي نفس الاطار يتنزل المشروع الاوربي لانه اشبه ما يكون بحال تركيا والدولة العثمانية التي كانت اشبه ما يكون بالرجل المريض ومثل ما تدافعت عليها مشاريع الهيمنة تتدافع على العالم العربي مشاريع باسماء وعناوين مختلفة فيتزاحم علينا المشروع الأمريكي بالاضافة إلى المشروع الاوربي وان كان المشروع الاوربي اقرب للاجندة المحلية باعتباره يعتبر انه لا يمكن وجود إصلاحات سياسية بدون الاخذ بعين الاعتبار موضوع القضية الفلسطينية وان كان الجانب الاخر فيه ترضية اكثر للحكومات والأنظمة العربية اذ يقول انه يجب اعتبار خصوصيات الأنظمة المحلية أو لمنطقة الشرق الأوسط باعتبار انها ليست كتلة متجانسة وبالتالي فان عملية الإصلاح يجب أن تكون جزءا من عملية الصلاح، وكي لا اطيل اكثر اقول إن هذا المشروع هو جزء من الهجمة السياسية والعسكرية على المنطقة وخاصة من خلال العراق ونحن نستحضر في هذا السياق أن النموذج المستحضر لعملية الإصلاح هذه هي العراق باعتبار انه كان يراد له أن يكون نموذج للديمقراطية الأمريكية وبالتالي فان هذا النموذح كان يكون مغريا ومستدرج لبقية المنطقة اما عملية اغراق ملهمة لبقية أنظمة المنطقة أو أن يكون بمثال لعبة "الداينمو" بحيث إذا ما سقط طرف جر البقية ولكن الذي تبين أن المنطقة تسير في اتجاه مخالف تماما خاصة وان الأمريكان علقوا في الشباك العراقي وتبين أن ما بشروا به من الإصلاحات انه اقرب إلى سراب منه ولم يتحقق اي شيء من ذلك

أحمد قعلول:

أريد أن أبدأ مداخلتي هذه بالمقدمة التالية: إن كل جهة عندما تبث خطابا فان لذلك الخطاب متلق مقصود ورسالة تريد تلك الجهة الباثة أن توصلها إلى ذلك المتلقي. كما أن هناك جمهورا عاما يتلقى الرسالة ويعتبرها موجهة إليه وإن كان ذلك دون قصد من الجهة الباثة، اذا هناك متلق أول أساسي وجمهور ثانوي. والسؤال الذي أريد طرحه هو من هو الجمهور المقصود بهذا الخطاب "أي مشرواع اصلاح الشرق الاوسط الكبير"؟ إلى من يريد الأمريكان أن يبثوا هذا الخطاب؟

اذا ما اردنا الاسراع في الاجابة فانه يمكن القول إنه إما أن تكون الانظمة او الشعوب او كليهما. هذا في ما يخص قصد الباث. أما الجهة المتلقية فهناك منها من سيعتبر نفسه المعني الأول بالخطاب ومنها من سيعتبر نفسه معني لكن ليس بالدرجة الأولى.

يقول الأمريكان في خطاب يبدو انه موجه لشعوب المنطقة إنهم قد قاموا بدعم هذه الانظمة المستبدة لوقت طويل وأنهم بهذا المشروع سيقومون بالاصلاحات اللازمة من أجل خدمة مصالح شعوب المنطقة وحقها في أنظمة ديمقراطية وحياة سياسية محكومة بالقانون وتراعي الحرايات وذلك من خلال دعم مكونات المجتمع المدني للقيام بهذا الاصلاحات.

في ظني ومن خلال هذا الخطاب أن المستمع الأساسي لهذا الخطاب هو الأنظمة والعربية بالذات وليست الشعوب، لماذا؟ لأن الأمريكان بمثل هذا الخطاب يقومون بممارسة ضغط على الأنظمة العربية من أجل دفعها إلى تبني برامج الولايات المتحدة والانصياع لإرادتها في مجموعة من اللمفات الإقتصادية والسياسية والأمنية وخاصة في ملف القضية الفلسطية إضافة إلى العراق. كيف ذلك؟

معروف أن هذا التقرير قد تأسس في خلفيته على تقرير التنمية البشرية وخاصة على طبعته الثانية التي اشارت إلى القضايا السياسية من غياب للحريات ومن استبداد. فالأمريكان استعملوا نقطة الضعف الموجودة عند هذه الانظمة وضغطوا عليها. وذلك أن الجهة التي تأتي وتقول إنها ستقوي مكونات المجتمع وستنشر ديمقراطية وحرية التعبير في ساحة أنظمتها قائمة على احتكار السلطة وتكميم كل الأصوات إلى غير ذلك مما هو معلوم عند الجميع إنما تهدد الأنظمة في اساس حكمها بل في وجودها. ولذلك نلاحظ أن اسرع جهة تفاعلت مع هذا المشروع هي الأنظمة وليست الشعوب، إذ لم نر مكونات من المجتمع المدني تسارعت إلى تقديم مشاريع، اذ بخلاف المشروع الذي قدمته حركة الإخوان المسلمين (والذي وفي توجهه السياسي محاولة لفك الاشتباك مع الدولة أكثر منه مشروع للإصلاح يرمي التحقيق لمصالح المجتمع كما أنه رد بالرفض على المشروع الأمريكي) فإننا لم نر حركة تفاعل مع ما طرحته أمريكا ولذلك عدة اسباب منها أن أجندة الشعوب ليست أجندة إصلاحية خاصة في وضع تواصل الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية واحتلال العراق.

عز الدين عبد المولى مقاطعا: وماذا عن ملتقى الإسكندرية؟

أحمد قعلول:

ملتقى الإسكندرية هو ملتقى وإن كان عنوانه غير رسمي إلا أنه تم من خلال دفع وتبني رسمي من الحكومة المصرية. بل كان من المبرمج تقديم لوائحه إلى القمة العربية. ثم إن كان الذين شاركوا في الملتقى من خارج النطاق الرسمي فهذا لا يعني إلا رد بالمثل من الجهة المصرية فكأن الحكومة المصرية تقول هذا هو رد المجتمع المدني العربي على المشروع الأمريكي. ولذلك فان الذين اعتبروا انفسهم معنيين بالمشروع الأمريكي هم الأنظمة ولذلك فهي التي سارعت إلى تقديم الإجابة. هذا من جهة المستمع أما من جهة الباث فان الدليل على كون الأمريكان يخاطبون الأنظمة هو مواقفهم من أنظمة المنطقة من مثل موقفهم من النظام التونسي والمغربي والأردني. ثم انظر إلى موقفهم من الانتخابات الجزائرية إضافة إلى المشاريع الإصلاح والتعاون كما يصفونها مع أي جهات اقاموها. كلها مراكز ومؤسسات حكومية أو شبه حكومية أو مؤسسات مؤمركة بحيث نرى أن الأمر ليس له علاقة بالديمقراطية ولا بالاصلاح وانما هو في الغالب متعلق باستجابة من انظمة المنطقة إلى الإملاءات الأمريكية.

هذا هو السؤال الأول. أما السؤال الثاني فلماذا جاء هذا المشروع؟ تتوارد الأخبار أن الإدارة الأمريكية بقيادة بوش قد سارعت إلى استغلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر من أجل الدفع إلى غزو العراق ما يفهم منه أن هذه الإدارة كانت لها خطة مسبقة في هذا الاتجاه وانها كانت تحتاج إلى مسوغات لبرنامجها وخطتها من أجل تكوين امبراطورية جديدة. إن هذا البرنامج يمثل في رأيي أحد المسوغات التي تغلف الممارسة الأمريكية، وفي رأيي أن هذه الإدارة تريد أن تعتمد على خطاب او ايديولوجيا تحررية وديمقراطية فهذه الايدولوجيا من شأنها تخفيف الصراع داخل النخب في الولايات المتحدة كما من شأنها أن تخفف من روح الاحتجاج في صفوف من هم موضوع فعل الولايات المتحدة في حال ما قبلوا وصدقوا هذه الايديولوجيا. فالخطاب الذي ظاهره مطالبة باطلاق الحريات وتحقيق مصالح الشعوب هو شبيه بما جاء يبشر به الاحتلال الشعوب التي غصب ارضها وامتص ثرواتها، إلا أن الأمريكان بخطابهم وأيديولجيتهم هذه يريدون الأنظمة العربية أن تقوم بدور جيوش الاحتلال

نور الدين العويديدي:

تذكرون أننا كنا قد تحدثنا، قبل نحو عام ونصف، في ندوة لهيئة تحرير مجلة "أقلام"، عن مشروع الديمقراطية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط، وبالخصوص للعراق، الذي كانت طبول الحرب تقرع تمهيدا لغزوه. وأذكر أيضا أن الحملة على العراق كانت تستعمل حجة امتلاك النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل. وبالإضافة إلى ذلك فإنها كانت تستعمل موضوع الديمقراطية والقضاء على ديكتاتورية الرئيس العراقي السابق صدام حسين، باعتبارهما من الحجج الأساسية لتبرير حرب كانت ولا تزال مرفوضة من الأغلبية الساحقة من شعوب العالم.

وفي إطار الزخم السياسي، وحالة المد، التي ميزت المشروع الأمريكي، بعد الانتصار السريع على النظام العراقي السابق، وحالة الانكسار المعنوية، التي حصلت نسبيا في الأمة، ولو لفترة محدودة، شعر الأمريكان بأن سيطرتهم على العراق صارت تؤهلهم لجعل هذا البلد نموذجا لما يمكن أن يحصل في المنطقة بأسرها، وذلك من خلال إقامة نظام تابع وموال لهم بالكامل في العراق، لكنه يأخذ شكل نظام تعددي، تعددية صورية، ومن خلال ذلك تهجم الآلة الدبلوماسية، وإن اقتضى الحال العسكرية أيضا، على الأمة، ويتم تطويع كل شيء، ومراجعة كل شيء، بما يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.

وقد تطورت الفكرة مع مرور الوقت، وقبل أن يتبخر الشعور الأمريكي بالانتصار والزهو، لما حققوه في العراق، لتطرح الإدارة الأمريكية "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، الذي نناقشه اليوم. لكني صرت أرى الآن، بعد التطورات الحاصلة في العراق وفي فلسطين أن فكرة "الشرق الأوسط الكبير" تتراجع بسرعة مذهلة، حتى وإن ظلت الإدارة الأمريكية متمسكة بها، وتعرضها على قمة الثماني الكبار، وأن الورطة التي وقع فيها الأمريكان في العراق تجعلنا نتساءل بجدية هل سيستمر طرح هذا المشروع في الفترة القادمة؟ وهل هو مشروع الدولة الأمريكية أم هو مشروع العصابة الحاكمة حاليا في واشنطن، بحيث إذا رحلت تلك العصابة من البيت الأبيض ينتهي هذا المشروع؟ وهل سيتقيد المرشح الديمقراطي جون كيري بالمشروع لو فاز في الانتخابات القادمة؟ أم إنه سيكون له مشروع آخر؟. ثم حتى لو فاز بوش في الانتخابات فهل ستسمح الورطة المتزايدة في العراق له بمواصلة هذا المشروع؟

لقد كان العراق هو النموذج والمنطلق لمشروع الشرق الأوسط الكبير، فما العمل والنموذج يتهاوى بسرعة هائلة؟.. لقد كان احتلال العراق، والنظام الذي كانوا يعتزمون تشكيله فيه، الأساس وحجر الزاوية في مشروع الشرق الأوسط الكبير.. أما وقد سقط النموذج أو سقط حجر الزاوية فما العمل الآن؟

الأمريكان في ورطة حقيقية في العراق. فلا هم قادرون على تحمل خسائرهم لمدة أطول، ولا هم نجحوا في إقامة جيش عراقي جديد، وجهاز أمني ضارب، يكون موال لهم، وقادر على حفظ الأمن لصالحهم، الأمر الذي جعل قوات الاحتلال تستعين بلواء من الحرس الجمهوري السابق لحفظ الأمن في مدينة الفلوجة.

وقد ذكر الجنرال الأمريكي مارتين ديمبسي قائد الفرقة الأمريكية المدرعة الأولى في العراق أن واحد من كل عشرة من الشرطة التي دربها الأمريكان يتعامل مع المقاومة، وأن أربعين في المائة من رجال الشرطة غادروا مواقعهم، ولم يعودوا يعملون مع قوات الاحتلال، ولم يبق سوى خمسون في المائة.. فهل يقدر الأمريكيون على تحقيق أهدافهم في العراق بهذه النسبة؟ ثم هل بقاؤها معهم مضمونا، إذا ما تواصل نسق الأحداث على هذه الوتيرة؟ واستمر الأمريكان يتخبطون في العراق؟

نحن مقدمون على عرض مشروع الشرق الأوسط الكبير على قمة الثماني، لكن بالرغم من ذلك فأنا أرى أن التطورات المتسارعة في العراق ستجعل هذا المشروع يتراجع رويدا رويدا، حتى يغيب بشكل كلي. ورطة العراق أفقدت الأمريكان أي قدرة على الهجوم السياسي على المنطقة. وأنا أتوقع أن يذبل المشروع مع مرور الوقت، إلى أن ينتهي إلى لا شيء، خاصة وأن المشروع يحمل في ذاته تناقضات صارخة، فهو يسعى لإقامة الديمقراطية في المنطقة، بينما نحن نعرف جيدا أن الديمقراطية تتناقض تناقضا كليا وجوهريا مع مصالح الأمريكان.

سيجد الأمريكان أن الديمقراطية كارثة عليهم، والأنظمة العربية لم تقصر في تنبيههم إلى خطر الديمقراطية على أوضاع الحكومات الفاسدة القائمة في العالمين العربي والإسلامي، وعلى المصالح الأمريكية. وبالتالي إذا ربطنا ذلك مع ضعف الهجوم السياسي الأمريكي على المنطقة، فالخلاصة تكون تراجع مشروع الشرق الأوسط الكبير الأمريكي حتى ينتهي في الواقع، حتى ولو بقي يتردد صداه ذابلا في بعض الخطابات السياسية الأمريكية، أو وقع التذكير به بين الفينة والأخرى، عند الحاجة للضغط على بعض الأنظمة وتخويفها

أما بالنسبة للمشروع البديل، الذي يجب أن يطرح في المنطقة الآن، فهو في رأيي دعم خيار المقاومة وتعضيده، وتحويله إلى ثقافة واسعة الانتشار، بقدر الطاقة والاستطاعة. لكن المشكلة في رأيي هي في نمط العلاقة المطلوبة مع الأنظمة، وهي على العموم مشكلة تحل على مدى طويل، ليس بالعنف بكل تأكيد، فهو خيار خاطئ، وقد جرب وفشل، ولكن بالضغط والمغالبة التي تستمر أمدا طويلا، حتى يفتح الله بيننا وبين هؤلاء الحكام.

عز الدين عبد المولى:

تأكيدا على ما قاله رفيق على أن هذا المشروع ليس جديد فمشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير هو رواية جديدة لمشروع قديم برز في بداية التسعينات في اطار سعي الولايات المتحدة للبحث عن مهمة هم يسمونه كذلك البحث عن مهمة بعدما نجحت مهمتهم في اسقاط عدوهم التاريخي ومن كان معه اسقاطه باستعمال مجموعة من الاسلحة احدها الايديولوجيا السياسية وعلى راسها الديمقراطية ولذلك تاتي الديمقراطية كشعار من شعارات الإصلاح في العالم العربي والإسلامي المهمة هذه في الاخير هي مهمة ليست بعيد عن الاستعمار القديم هي مهمة تحضير عالم متخلف أو إصلاح عالم فاسد أو فتح مجال بعيد عن العالم إذا ياتي في سياق ما يمكن تسميته الروح الانتصارية لأمريكا والغرب عموما بعد الحرب الباردة وسقوط عدوهم. النقطة الثانية يمكن في سياق يمكن تسميته سياق انتقامي بعد الحادي عشر من سبتمبر. وذلك انهم وقد كان بصدد البحث عن مهمة وبلورة آراء وبدائل لهذه المنطقة البعيدة عن الحظيرة الغربية فاذا بهم يتلقون ضربة حددت لهم الوجهة ولذلك مهم جدا قراءة السيكولوجيا الأمريكية في تعاطيها مع المنطقة فهذه السيكولوجيا جاءت بروح انتصارية فاذا بها تتلقى ضربة وتبدل وجهتها بضربة لاول مرة تضرب في ارضها بحجم لم تضرب به في صراع حقب مع عدو كان مسلح باعتا الاسلحة وربما كان متفوقا عليها في بعض المجالات فهي تلقت ضربة من عالم تحتقره وتعتبر انه لا يمثل شيئا هي تسميه إصلاحي ولكنه إصلاحي بمقاييس تراعي مصالحها هنا نصبح في حاجة للتحقيق في موضوع الإصلاح هل الإصلاح في المنظور الأمريكي يتناسب مع رؤية الإصلاح التي نحملها هنا تصبح المصطلحات تحمل مضامين متناقضة ولذلك يمكن بالإفساد كما ذكر رفيق. النقطة الثالثة التي ياتي في سياقها هذا المشروع هو تورط أمريكا في العراق واكتشاف أن مشروع الإصلاح ليس بالسهولة التي كانوا يتصورونها ما يمكن أن يسفر عنه مشروع الإصلاح بالرؤية الأمريكية يمكن أن يسفر عن نتائج متناقضة تماما مع المصالح الأمريكية نفسها التي في اطارها جاء هذا المشروع فالذي حصل في العراق إلى حد الان هو انه ضربت الانتصارية العسكرية سياسيا البنية الاساسية التي على اساسها المشروع الأمريكي الذي هو مجلس الحكم واحلافه مضروب البريطانيون في مراسلة من مراسلهم يقول أن العراقيون يسمون هذا المجلس مجلس اللصوص كيف يمكن لمجلس من هذا النوع أن يستلم بلدا مثل العراق ولذلك فهم الان يبحثون عن بديل. إذا هذا المشروع سقط قبل أن يقف ويبنى هذا هو ما اعنيه بالتورط الأمريكي ما يجعل الموقف الأمريكي يدور في دوامة. من الزاوية الاخرى من جهة المنطقة التي هي قابلة لتطبيق هذا المشروع هناك اشارات متناقضة فمن ناحية هي تعرف كما يؤكد الطيب في حاجة إلى الإصلاح فالإصلاح لم يات به الأمريكان بل هو شعار يرفعه اهل المنطقة فهذا مؤشر ايجابي يمكن أن يتعاطى مع ما جاء به الأمريكان ومن جهة اخرى فان في المنطقة عدم ثقة من كل ما ياتي من أمريكا شعبية ومؤسساتيا شعبيا ليس هناك قبول لكل ما ياتي من أمريكا ورسميا ليس هناك رضا رغم أن هذه الدول حليفة لأمريكا ولكن إذا جاء الحليف بشيء يضغط بع عليهم أن ياتيهم بهذه الديمقراطية هذه الكلمة الرهيبة ولذلك انظروا كيف ركض مبارك إلى الدول الأوربية أمريكا ليثبت لهم أن مشروع الإصلاح هو خراب للبيوت ولذلك جاء حديث أن الأمريكان سحبوا مشروعهم وانهم مستعدون ليدعموا المشروع الاوربي فالأمريكان ليس لهم مشروع متكامل للمنطقة ثمت محاولات تصطدم بواقع اعقد مما يتصورونه.

أحمد قعلول مقاطعا: أحب أن أعود إلى السؤال هل للأمريكان خطة جاهزة أم لا؟

عز الدين عبد المولى: انا رأيي أن الأمريكان يبحثون فمشروع الشرق الأوسط الجديد كان موجه في المنطقة وضرب وكان هناك خوف من دخول إسرائيل على الخط ومن خوف ضرب التضامن العربي وكذلك خوف من الحركات الإسلامية وهذه هي محاولة اخرى في سياق مغاير نوع ما ولكنه مشروع شرق أوسطي يحاولان يدمج إسرائيل في منطقة متخلفة وضعيفة ومتحللة فيها دولة قوية ومسلحة حليفة اكبر قوة في العالم ماذا يعني هذا يعني انها هي الوحيدة.

رفيق عبد السلام مقاطعا: لقد قالها بيريز العبقرية الإسرائيلية والرأسمال العربي واليد العاملة العربية.. يعني أن نكون خدما لهم!!

عز الدين عبد المولى: بلى حقيقة لا ينبغي أن نستبعد العامل الإسرائيلي من المعادلة النقطة الثالثة من ناحية المنطقة قلنا انه ليس هناك قبول لكل ما ياتي من أمريكا بمعنى انه ليس هناك مشروعية لكل ما ياتي من أمريكا بمعنى انه ليس هناك قاعدة اجتماعية يمكن أن ينفذ عليها مشروعها حكوميا ورسميا ليس هناك قبول لانه هذا المشروع هو تهديد لمشروعها ثالثا ثمة ما يمكن تسميته اصولية اصولية متحفزة مستعد لتلهتم كل شبر يتاح لها فهذا ليس واقعا يمكن لهذا المشروع الإصلاحي من هذا النوع أن ينجح في اطاره.

أحمد قعلول:

السؤال الذي أردت تقديم اجابة له هو هل للإدارة الأمريكية خطة جاهزة في هجمتها على المنطقة ام لا؟ لا شك أن المتابع لدولة او سلطة تقوم بتقديم المبادرة تلو الاخرى يقول كما قال عز الدين انه ليس لهذه الجهة خطة جاهزة او لنقل قبلية. والأمريكان انفسهم يقولون ذلك مثلا في خصوص العراق فهم يقولون انه كان لهم خطة في كيفية اسقاط صدام بينما لم يكن لهم خطة في كيفية اقامة نظام بديل عنه. والحقيقة أن لهذا القول وجه من الصحة ولكن الوجه الآخر لهذا الحديث هو حديث عن فشل او عجز عن انجاز خطة. ويمكن لهذه الخطة أن تكون كاملة أو هي مفصلة في بعض مفاصلها بينما لها توجهات وخطوط عامة في مفاصلها الأخرى اعتماد على الثقة في القدرة الذاتية في انجاز ما تريد ما يجعلها في غنى عن تحديد كل شيء مسبقا.

وفي كل الأحوال فانه عندما يعبر اي طرف معين عن خطة او عن توجه في مرحلة ثم وفي اطار نفس تلك المرحلة يقوم بتغيير برنامجه وخطابه في بعض الحالات فان ذلك يعبر عن عجز ذلك الطرف عن تحقيق ما عبر عنه او ما يريد تحقيقه بتلك الطريقة وأنه مضطر لتغيير أسلوبه أو خطابه أو برنامجه من أجل تحقيق أهدافه، إن لم يصل به العجز إلى التنازل عن بعض تلك الأهداف أو تغيير بعضها.

والملاحظ أن الخطاب الأمريكي مر بالحديث عن أسلحة الدمار الشامل واسقاط الاستبداد واحلال الديمقراطية في العراق إلى موضوع الشرق الأوسط الكبير. وسنرى أنه وبعد فشل الأمريكان في الحفاظ على وجه مدني واضطرارهم إلى التعبير عن وجه سيء عن أنفسهم من خلال تبنيهم سياسة وسلوكا اسرائيليين في تعاملهم مع موضوع احتلالهم وخاصة سلوكهم في الفلوجة والنجف الأشرف إضافة إلى فضيحة تعاملهم الشنيع مع الأسرى العراقيين، فهم ربما يضطرون إلى البحث عن خطاب جديد يشرعون به لفعلهم وهذا لا يعود فقط إلى كونهم ربما لا يمتلكون خطة مسبقة ولكن لأنهم فشلوا في تحقيق ما يريدون وأن الطرف المقابل ممانع فلو كان الأمريكيون قادرون على إنفاذ برامجهم لمضت خططهم غير المكتملة ولما بان النقص الذي يعتريها. فلو غابت الممانعة والمقاومة والصمود لنجح الأمريكيون في أن لا يظهروا على هيئة محتل ثم لنجح "غارنر" ولما سقط ولما اضطروا إلى مجلس الحكم ثم لما اضطروا الآن إلى اللجوء إلى بعض الرموز البعثية.

هذه نقطة أولى تسوقني إلى النقطة التالية، ذكر الطيب في تقديمه أن من مظاهر الأزمة التي تعيشها الأمة، عودة القبيلة والعشيرة واضاف رفيق "الطائفة". الحقيقة أن العشائرية والقبلية وفي مستوى أدنىالطائفية ليست تعبيرا بالضرورة عن أزمة، فالعودة إليها ربما، ولعلها كذلك، تعبر عن حالة صحية وذلك أن أي جسم عندما يقع تهديده يكون أول ردة له، عادة، عبارة عن رغبته في الحفاظ على نفسه وعدم التحلل، وذلك بالعودة لحصونه القديمة من أجل الإنطلاق منها، كما أن عودة القبيلة والعشيرة والطائفة هي تعبير عن ضعف الدولة الحديثة التي من وظائفها تفتيت هذه التعبيرات التقليدية والطبيعية بحسب الوصف الخلدوني. فأن تعود هذه التعبيرات، أي أن تعود القبيلة والعشيرة وربما حتى الطائفة..

الطيب الغيلوفي: الرجوع إلى القبيلة هو دائما تعبير عن أزمة وهو رجوع إلى التقاتل الداخلي.

أحمد قعلول:

إن ظهور هذه التعبيرات أو لنقل بروزها مجددا هو ضعف للدولة. فكلما عادت التعبيرات التقليدية للمجتمع الذي هو خارج الدولة فذلك تعبير عن ضعف الدولة، وهذا يعني أن الشعوب قادرة على افتكاك مساحات للسلطة والشرعية وهذا ليس سلبيا بل هو فتح للمجال كي ياخذ المجتمع بالرغم عن الدولة فرصة إعادة هيكلة نفسه بحسب إرادته الذاتية لا بالاكراه.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن للمجتمعات العربية والإسلامية عموما ومنذ قرون طرق تعبر من خلالها عن التفاعل مع الأزمات وذلك بحسب القيم التي تقوم عليها هذه المجتمعات. وهذه القيم تقوم على أهمية دور الأسرة والرابطة الدموية أو سمها الرحم ومن هنا يأتي دور القبيلة والعشيرة ثم قيمة الدين والعقيدة. فمجتمعاتنا تعود وقت الحاجة إلى هذه القيم، ولم تكن الدولة جزء من هذه القيم.

وكي لا أطيل أكثر أقول إني انطلقت من هذه النقطة من أجل ابراز الوجه الآخر لما يقع وهو أن هذا الجسم الذي هو موضوع هجوم أمريكي يقاوم ويمانع ويتسلح بقلاعه التقليدية، سواء في ذلك أكانت تلك القلاع مادية مثل القبيلة والعشيرة وغيرها أم معنوية مثل معاني الجهاد والإقبال على الموت طلبا للشهادة.

فهذا الجسم العربي والإسلامي في واقعه هو جسم يعرف حالة نهوض ومن أوجه متعددة ينهض من حيث ردورده الاجتماعية التي هي الدين والأسرة والقبيلة والعشيرة وكذلك من حيث وضعه الديمغرافي. في الحقيقة إن وضع الأمة وبدون تنسيق او بشكل غير مبرمج او معبأ حوله بشكل واع، صار مختلفا عما كان عليه خلال نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر عندما جاء الاحتلال الأوربي إلى أراضينا.

عندها كانت أوربا تنهض ديمغرافيا كما كانت تحمل قيما عليا مستعدة لتموت من أجلها بينما كنا في وضع ديمغرافي نازل وحتى مثقوفونا والإسلاميون منهم كانوا متجهين صوب الأخذ من الغرب.

المهم أن الوضع في حالة حراك ولأنه لمّا يستقر بعد، فإنه قادر على رد الفعل وبطريقة غير منتظرة وهذا يجعل من العسير أن يهيمن الأمريكان على مثل هذا الجسم، وخاصة من خلال أرض مثل العراق وهي ذات مساحة واسعة، تتجمع فيها تقريبا كل التعقيدات الموجودة في الأمة.

في الحقيقة أن الأمريكان أساؤوا التقدير وبشكل واضح، وهذا من حظنا ولسوء حظهم. لا محالة إن وجودهم في العراق بلاء على العراقيين، ولكن يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه، فلو قارنا مثلا بين العراق وسوريا أو حتى العراق ومصر لوجدنا أن العراق يتميز بتنوعه سواء أكان في ما يخص علاقته بآسيا او العالم العربي، وهذا يجعله ساحة اكثر تعقيدا. فالأمريكان لهم خطط ولكن في الجانب الآخر هناك نهوض في مجالات متعددة كما أن لهذه الأمة أجندتها وهي أجندة وضعت منذ دخول الاحتلال الأوربي وأجندة الأمة تفعل ولعلها في مراحلها الأخيرة، بينما الأمريكان في الطرف الآخر. وقد ذكر ماركس أن التاريخ يقع بشكل درامي ثم اذا تكرر يكون في شكل كوميديا فالأمريكان كأنهم في مرحلة إعادة الكوميديا من التاريخ.

عز الدين عبد المولى: لدفع الموضوع إلى زاوية المؤامرة يمكن القول أن مشروع الإصلاح الأمريكي أنه جاء في سياق نهوض للأمة الذي تتدافع مشاريع إصلاح كثيرة منها مشروع الحركة الإسلامية قياسا على الحالة التونسية مثلا فنحن نقول أنه كان هناك مشروع إصلاح اهلي فجاء الاحتلال فافسده بمشروع أجنبي يمكن القول بنوع من القياس أن المشروع الأمريكي جاء حتى يفسد على الأمة هذا الخط من النهوض فحتى حجة أسلحة الدمار الشامل هو تعبير عن نهوض في الأمم التي تمثل هذه الأسلحة لديها رمز قوتها.

رفيق عبد السلام:

هناك نقطتان لم ترد في سياق التحليل أوردها باختصار شديد هناك الجانب الثقافي وجانب المجتمع المدني. الجانب الثقافي هو التشخيص الأمريكي للمنطقة الإسلامية المتدة من طنجة إلى جاكرتا ومن تأتي استخدام مصطلح الشرق الأوسط الكبير لأن الأمريكان أعينهم ليس على المنطقة العربية فقط ولكن على كل الامتداد الإسلامي باكستان وتركيا وأفغانستان. انهم يرون أن هناك فشلا ثقافي وديني في هذه المنطقة وان هذا الفشل يفرز حركات ارهابية وعنف فهذه دول فاشلة انتجت ارهابا ولم تقدر على دخول مرحلة التحديث والعلمنة فهي منطقة فاشلة وهذا ما يفسر اتجاه المسلمين إلى الأعمال الإرهابية والجماعات العنيفة. وفي النهاية دعك من اللغة الدبلوماسية التي تستعمل لترضية خواطر المسلمين في أن الإسلام دين عظيم كل ذلك للاستهلاك ولكن تشخيصهم الحقيقي هو أن سبب الفشل في هذه المنطقة هو وجود الإسلام وذلك أن الإسلام يحث على الارهاب والجهاد الذي يسمونه حربا مقدسة وانه لا يقبل بالمغاير ضربهم في عقر دارهم وهذا ما يفسر تركيزهم على تغيير برامج التعليم والصلاح التعليمي والثقافي والا ما دخل الإصلاح السياسي بما يقدم في المدارس وما هي المواد التعليم واتجاههم كذلك إلى ضرب بقية المؤسسات التعليمية التقليدية أن يعتبروا أن مؤسسة الازهر والمدرسة هي سبب البلاء واضح إلى اين يتجه مشروعهم فهذه نقطة من النقاط الأساسية في تشخيصهم واعتبارهم أن هناك فشلا ثقافي وديني في هذه المنطقة وان هذه المنطقة الخطيرة ليس من جهة امتلاكها لاسلحة الدمار الشامل فهي لا تمتلكها سلاح الدمار الشامل الذي تمتلكه هذه المنطقة انها تفرغ الارهاب والعنف وبالتالي لا بد من اعادة تشكيل الخارطة الثقافية والدينية في هذه المنطقة بما يجعلها اكثر تواؤما مع القيم الغربية والتي عنوانها العلمانية والحداثة هذا هو الجانب الأول الجانب الثاني ثمة متغير وربما هو ليس جديد ولكنه برز خلال الفترة الاخيرة والذي هو ما يسمى بالشراكة مع المجتمع المدني فقبلا كان هناك ما يمكن تسميته المقايضة النفط بالاستقرار والتي تقوم على دعم هذه الأنظمة لضمان الاستقرار وتدفق النفط بارخص الاثمان الممكنة الآن هذه المعادلة طريقها إلى التفكك أو للتجاوز وذلك لصالح معادلة جديدة تستعيض عن الأنظمة بما يسمى بالمجتمع المدني بما يعني ذلك أن الأمريكان الان لا يراهنون فقط على التحكم في نخب الحكم الرسمية ولكن على التحكم في النخب السياسية والاجتماعية من خلال اتجاههم للمجتمع المدني من خلال الاعانات ومن خلال الشراكة والزيارات المتواصلة للولايات المتحدة الأمريكية وهذا هو الافق الذي يشتغلون عليه ولكن في الخلاصة يبقى المشروع الأمريكي في مأزق كما ذكر عز الدين وأحمد لأنهم في وضع يشبع الذي يقطع غصن الشجرة الذي يجلس عليه فمشروعهم عاجز عن التواصلب مع الأنظمة التي رعوها لعقود من الزمن منذ تشكل ما يسمى بالدولة العربية الحديثة وهي قائمة على الدعم والسند الغربي الأوربي خاصة وبريطانيا ثم انتقل إلى الدعم الأمريكي الآن القوة الرئيسية التي يعتمدون عليها يقومون بمناوشتها والتضييق عليها بينما ليس لهم بديلا عنها فهم مكروهون من جهة القوى الشعبية وفي نفس هم في حالة عدم وفاق مع الأنظمة وحكومات العربية والنخب الرسمية وهذا يجعلهم في مأزق اذ على من سيقوم مشروع الإصلاح هذا؟

أحمد قعلول: هو مأزق وذلك أنهم مضطرون إلى أن يكون الجندي الأمريكي موجودا بشكل مباشر، وهو أمر لا يرغبون فيه، فهم أرادوا صناعة جيش وإدارة تحكم باسمهم، ودول أخرى معهم، وهذا لم يعد متوفرا الآن، ولذلك هم يضطرون إلى الزيادة في عدد جنودهم.

رفيق عبد السلام: هم يراهنون كما عبر مشروع رند على أن الصيرورة الثقافية والاجتماعية تفرز نخبة منسجمة مع مصالحهم واجندتهم اي التيار التحديثي والعلماني الذي هو اقرب حليفا لهم في العالم الإسلامي فهم يرغبون في تشكل هذه الطبقة المنسجمة مع اجندتهم بحيث تكون مثل الرمح وتكون قوة فاعلة في انفاذ سياساتهم في العالم العربي والإسلامي ولكن هذا اشبه بالحلم.

عز الدين عبد المولى: الدليل على ذلك أن الذي يحصل هو معاكس لذلك تماما لأن السياسات الأمريكية تفرز عداء لأمريكا من هذه النخب فهم لو يدرسون موقف النخب العربية من سياسات الأمريكان لتبين لهم أن الخط البيان نازل وحتى النخب الليبرالية والعلمانية التي يعتبرونها اقرب إليهم الان لا يعبرون عن رضا عن أمريكا.

نور الدين العويديدي:

أنا اختلف مع الأخ الطيب في تركيزه على مجموعة من النقاط السلبية في الأمة، وليس الاختلاف مع الطيب نابعا من أني أنكر تلك السلبيات، فهذا غير ممكن، لأن السلبيات موجودة وكثيرة، ولا يستطيع أحد أن ينكرها، وإنما أختلف معه في التركيز على السلبيات، وإبرازها، وعدم إبراز الإيجابيات وهي كثيرة جدا في الأمة. فالتركيز على السلبيات يحطم البناء. أما إبراز الإيجابيات، مع الانتباه للسلبيات، يتيح لنا أساسا سليما نبني عليه ونطوره.

وأتفق في المقابل مع الأخ أحمد في ما يخص حديثه عن القبيلة والعشيرة، والإشارة إلى عودة الناس إلى أشكال التضامن التقليدية. صحيح أن الطائفية تلعب دورا سلبيا، ويمكن استغلالها في العراق مثلا من قبل الأمريكان، لتقسيم الشعب العراقي، ودفعه إلى الحرب الأهلية والتقاتل الداخلي.

ولكن القبيلة والعشيرة ليست مؤسسة سلبية دائما. فهي مؤسسة لعبت أدوارا بالغة الأهمية في تاريخنا القريب والبعيد، إذ كانت من الحواضن الأساسية للأمة حين ضعفت أشكال التضامن الأخرى، ففي المجاعات والكوارث الطبيعية والحروب، تكون القبيلة وثقافة التضامن بين أفرادها حام مهم لشطر كبير من الأمة. ولك أن تأخذ مثالا قريبا وحيا أمامنا، فمدينة الفلوجة، التي استطاعت أن تصمد في وجه أعتا قوة عسكرية، وتمكنت من إذلال الأمريكيين، هي مدينة تتميز بميزتين اثنتين: التدين والروح القبلية. فالمقاوم العراقي في الفلوجة لا يخشى على أهله وعياله، فهو يعلم أنهم في كفالة القبيلة والعشيرة، إذا كان يقاوم، أو إذا استشهد.. فتراه يقدم على الموت طلبا للشهادة أو النصر، وهو لا يخشى على عياله شيئا، لأنه يعرف أن عشيرته وراءه تحفظ عائلته وأطفاله من بعده.

ثم خذ موضوعا آخر يرتبط بالقبيلة، هو موضوع الثأر، ونحن نسمع كثيرا كلاما يرذّل الثأر ويحقّره، ولا شك أن الثأر قد يتحول في بعض الأحيان إلى دافع لحروب لا تنتهي. لكن هذا مجرد وجه من وجوهه، وله وجه آخر إيجابي. فالأمريكان دخلوا الفلوجة، عقب احتلال العراق من دون قتال، لكنهم حين قتلوا بعض شباب المدينة، انطلقت المقاومة ضدهم، بخلفية الثأر، مثلما هي بخلفية الجهاد وطلب التحرير. وهكذا تجد أن أكثر المظاهر سلبية في ثقافة القبيلة، قد تصبح في أحيان كثيرة سببا لخير كثير.

من الخطإ النظر إلى القبيلة باعتبار الولاء لها نقيضا للولاء للدولة الجامعة الموحدة. فقد أقام الإسلام، على امتداد قرون طويلة دولة عظيمة، ممتدة الأطراف، وضمن لها ولاء كبيرا من مواطنيها، طالما ضمنت لهم العدل والكرامة، لكن الولاء للدولة لم ينقص شيئا من الولاء للعشيرة أو القبيلة، كما لم يكن الولاء للقبيلة على حساب الولاء للدولة. والخطأ كل الخطإ وضع الولاء للقبيلة نقيضا للولاء للدولة. وتجربتنا التاريخية نجحت في ضمان الولاء للدولة، من دون الحاجة للقضاء على القبيلة، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل تنظيم الجيوش يقوم على أساس الانتماء العشائري والقبلي، بعد أن نظم ذلك الانتماء في إطار ثقافة كبرى جامعة، فعّلت الإيجابيات التي في القبيلة والعشيرة، من دون أن تسقط أسيرة لها.

وبما أننا في موضع ذكر الإيجابيات الكثيرة في وضع الأمة، وإبرازها، من أجل البناء عليها، أضيف لما قاله الأخ أحمد أمرا بالغ الأهمية، وآخذ العراق مجددا مثالا على الإيجابيات في وضع الأمة. فمعلوم أنه كان بوسع دولة غربية واحدة، قبل قرن، أو أقل من ذلك، أن تحتل عددا كبيرا من دولنا. لقد احتلت بريطانيا لوحدها نصف الكرة الأرضية. لكننا صرنا نرى الآن ثلاثين دولة غربية بما فيهم الدولة العظمى: أمريكا، عاجزة عن السيطرة عن العراق.. فماذا يعني هذا؟ هل يعني أن الأمة تتأخر أم يعني أنها تتقدم؟

هناك إيجابيات كثيرة لا نلمسها ولا ندركها "بالعين المجردة"، حصلت في وضع الأمة، والحالة العراقية تكشف واحدة منها.. أليس استعصاء دولة واحدة من دولنا على دول كثيرة معادية، بعد أن كانت دولة واحدة قادرة على أن تسيطر على عدد كبير من دولنا، يعد من علامات التقدم؟.. إن وضع الأمة انتقل انتقالا كبيرا من السلب إلى الإيجاب، وهذا تحول غير بسيط لابد من الانتباه له، ولابد من الكف عن إدمان النقد المدمر، الذي لا يرى في الأمة إلا كتلا من السلبيات، بعضها فوق بعض. فالأمم إذا أرادت أن تنهض يجب أن تنظر لما فيها من إيجابيات وتفعّلها، لا أن تعكف على ما فيها من سلبيات، وتظل تجلد ذاتها باستمرار.

أوضاع أمتنا تتقدم، ولو ببطء، وعلينا أن ندرك ذلك ونطوره. ومن منطلق الإقرار بهذه التطورات، علينا أن نواجه المشروع المضاد لأمتنا وتطلعاتها، بمشروع يقوم على قاعدة المقاومة. نحن نحتاج إلى أن ندعم فكر المقاومة وثقافة المقاومة في أمتنا، وأن نشيعها على أوسع نطاق ممكن. وتبقى إشكاليتنا الرئيسية في الأنظمة، فنحن إن أسقطتنا هذه الأنظمة في هذا الوضع الصعب الراهن، قد نجد أنفسنا في حضن هؤلاء الأعداء، وهذه هي الفتنة..

نور الدين العويديدي: إذا لم نسقطهم فأكثرهم عوامل توهين، تضعف مناعة الأمة، وإذا واجهناهم فقد نجد أنفسنا في حضن التنين.. هذه هي المشكلة العويصة، التي نواجهها. وأعتقد أن حلها هو بالمغالبة والمدافعة طويلة الأمد، التي تمكننا من فرض إصلاحات حقيقية على هذه الحكومات، أو تغييرها في ظروف مناسبة لنا إقليميا ودوليا.


© Aqlamonline 2004