|
مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين |
|
|
|
العدد
العـــاشر |
|
|
مرة أخرى تتأجل القمة المغاربية النائمة في الجزائر منذ ما يقارب العشر سنوات بعد أن تأجلت عدة مرات سابقة ولكن هذه المرة " إلى أجل غير مسمى". وقد بات واضحا أن القادة المغاربيين لم يبذلوا الجهد اللازم لانجاح هذه القمة أو ما كانوا قادرين على أن يفعلوا ذلك. ولربما كانوا يرغبون في تأجيلها ثم وضعها في الثلاجة بعد أن اعترفوا بعجزهم واستسلموا كلهم لارادة الغرب. وقد بذلت السلطة الجزائرية كل ما في وسعها للتخلص من عبء الرئاسة بينما قبلت ليبيا على مضض تحمله وهي مدركة أن موضوع المغرب العربي قد "وضع في الثلاجة" فعلا. فشلت إذا القمة المغاربية في الانعقاد وما كان لها في الحقيقة أن تؤول إلى غير ذلك. فالمشكلة الصحراوية المستعصية قد ألقت بظلالها في الآونة الأخيرة على العلاقات المغربية-الجزائرية التي شهدت توترا قويا وصل إلى حد تبادل الاتهامات بين العاهل المغربي والرئيس الجزائري زيادة عن المواجهة عن طريق الحملات الإعلامية الهوجاء التي قامت بين البلدين. كما أن العلا قات الليبية-الموريطانية المتوترة بطبيعتها منذ سنوات شهدت تفجرا عنيفا اثر محاولة الانقلاب الفاشلة التي حصلت في موريطانيا في جويلية الماضي والتي أعربت السلطة الليبية صراحة عن تأييدها لها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد في تدهور العلاقات بين البلدين فلقد أصدرت السلطة الموريطانية بيانا تتهم فيه القيادة الليبية بتحريض ولد هيدالة على التمرد على السلطة بعد أن "فشل" في الانتخابات الرئاسية وذلك عشية الموعد المحدد لانعقاد القمة المغاربية. فكان هذا البيان بمثابة الضربة القاضية التي سددت لهذه القمة. وان ما يثير الاستغراب والدهشة بالخصوص هي تلك اللامبالاة التي أبدتها النخب المغاربية تجاه هذا الموضوع الخطير وذلك الفتور الذي تعاملت به معه. وحتى بعض الذين اهتموا بالموضوع فقد اكتفوا بنعي المشروع المغاربي برمته أو رددوا بكثير من التسرع وبشيء من التندر هذه الدعاية الجديدة التي تقول ان الوحدة المغاربية أصبحت شأنا غربيا )أوروبيا وأميركيا( أكثر منها شأنا مغاربيا!!! وان المساعي الحثيثة التي تقوم بها بعض الدوائر الإعلامية والدبلوماسية والسياسية والأكاديمية لترسيخ هذه الدعاية في الأذهان تثير مخاوف كثيرة وتفرض علينا الانتباه والحذر. ما هي حصيلة التحركات الغربية الأخيرة في المنطقة؟ لقد قام كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية بزيارة فجائية وخاطفة إلى بلدان المغرب العربي الثلاث تونس والجزائر والمغرب يوم03/12/2003 وذلك قبل زيارة شيراك لبلادنا بيوم واحد وقبل تاريخ انعقاد القمة الأورو- متوسطية (5+5) بيومين. ولقد رأى البعض ممن يعتقدون في وجود تناقض بين المصالح الأوروبية والمصالح الأميركية ووجود صراع بين الطرفين على النفوذ في بلدان المغرب العربي أن هذه الزيارة تدخل ضمن هذا الصراع وتمثل محاولة من الإدارة الأميركية لاستباق المجموعة الأوروبية إلى المنطقة وتعزيز موقعها هناك... ولا أعتقد البتة في صواب هذا التصور رغم كل المظاهر. فالأوروبيون والأميركان متحالفون منذ القدم تحالفا استراتجيا متينا لا يتزعزع. فهم يشتركون في الانتماء إلى حضارة غربية واحدة تحتل اليوم مركز العالم ويتقاسمون الاعتقاد في تفوق حضارتهم على كل الحضارات الأخرى كما يعتقدون أن عليهم مسؤولية تمدين أو قل ترويض كل الشعوب. وهم ينعمون اليوم سوية بدفء الغطاء الأطلسي المدجج بمختلف الأسلحة الفتاكة ولا حول ولا قوة لأي قوة في العالم أن تتحدى إرادتهم. وإن ما يطرأ من خلافات بين بعض قادتهم من حين إلى آخر لا يرقى إلى تناقض من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة هذا إذا لم يكن من باب تقاسم الأدوار. ودول الحلف الأطلسي معترفة بزعامة الولايات المتحدة ولا تنازعها في ذلك وتقف وراءها بكل انضباط في الأوقات الحرجة وفي الأمور الحساسة. وقد اتضح ذلك أثناء الحرب التي قامت في البوسنة ثم في كوسوفو كما اتضح في غزو أفغانستان اثر قيام ما سمي بـ"التحالف الدولي لمقاومة الإرهاب". وان التباين في وجهات النظر بين الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية بخصوص كيفية التعامل مع العراق لم يؤثر في هذا التحالف الاستراتيجي بين الطرفين والذي يهدف بالأساس إلى محاربة الإسلام كدين وثقافة وحضارة بعد أن حققت الليبرالية الغربية انتصارا ساحقا على الشيوعية السوفياتية )وهذا ما أكده جورج بوش الأب سابقا (. وان التصريحات المطمئنة التي تصدر من حين لآخر عن بعض المسؤولين الغربيين إنما تهدف إلى تهدئة المشاعر عند المسلمين وتجنب إثارة مسلمي العالم دفعة واحدة. ولا يمكن لكل الشعارات المطروحة الآن مثل الحرب على الإرهاب وحماية السلم والأمن في العالم ونشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان... أن تحجب هذه الحقيقة المفزعة عن الأنظار. وانه لا يمكن أن نفهم التحركات الأخيرة لكل من باول وشيراك في المنطقة المغاربية خارج هذا السياق. فزيارة كولن باول الخاطفة جاءت لتوضح وجهة نظر الإدارة الأميركية في الأنظمة القائمة بالجهة ولتعلن عن التحركات المقبلة التي تنوي القيام به هناك ولتنبه القادة المحليين والأوروبيين إلى هذه التحركات. ويمكن اعتبار هذه الزيارة عملا مكملا للقمة الأورو-متوسطية لا متعارضا معها. ففي الندوة الصحفية التي عقدها في مقر سفارة بلاده إثر وصوله إلى تونس في بداية الزيارة ركز باول على قضية الصحراء الغربية قائلا: "إن الولايات المتحدة ترى أنه قد حان الوقت لكي يقدم المغرب والجزائر على مناقشات جدية لإحراز تقدم فيما يخص البحث عن تسوية سلمية لهذه المسألة". هذا الكلام يجب فهمه كالتالي:
1- الولايات المتحدة عازمة على إيجاد حل لقضية
الصحراء. يبدو إذا أن هناك رغبة أميركية-أطلسية في الضغط على الجزائر لإجبارها على القبول بالتفاوض مع المغرب حول موضوع الصحراء بما يعني إجبارها على التخلي عن كل مواقفها السابقة بخصوص هذا الموضوع وبالتالي التخلي عن حركة البوليزاريو حليفتها في هذا النزاع. وهذا الموقف يمثل صفعة قوية للسلط الجزائرية وللشعب الجزائري الذي ارتبطت عنده قضية الصحراء بكل جراح الماضي الناتجة عن علاقة الجوار المتوترة مع المغرب والتي تعود حتى إلى ما قبل الاستقلال )وهذا لا يعني البتة أن الجزائر كانت حكيمة في طريقة طرحها للموضوع(. ولم يكتف باول بتوجيه هذه الصفعة من تونس بل أعادها في المغرب وفي الجزائر نفسها ثم زاد فأعلن في الندوة الصحفية التي عقدها بالجزائر أنه تباحث مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة حول تنظيم الانتخابات الرئاسية بحيث تكون حرة ونزيهة ولم يتحرج عندما قال انه حث الرئيس على توسيع قاعدة المشاركة السياسية واحترام حقوق الإنسان وحماية حرية الصحافة والتعبير ثم أردف أنه وجد استجابة لدى الرئيس بوتفليقة. وإنه لمن الغريب حقا أن يقبل بلد المليون ونصف شهيد هذه الإهانات على أرضه ولم يحرك ساكنا، فكل الأحزاب السياسية الرسمية رحبت بتصريحات باول باستثناء حركة مجتمع السلم فقد صرح زعيمها الشيخ بوجرة سلطاني أن هذه التصريحات تعتبر" تدخلا في شأن داخلي جزائري". وفي نفس الندوة الصحفية أكد باول أن كل بلدان المنطقة هم "حلفاء" الولايات المتحدة ولم يستثن إحداها إلا أنه أسهب في امتداح "تقدم الحريات" في المغرب. وإذا ما قارنا هذه التصريحات بالتصريحات التي أدلى بها في تونس نستنتج أن المغرب تعتبر عند الأميركان أنموذجا للديمقراطية في البلاد المغاربية. أما تونس فقد حصلت من الولايات المتحدة على شهادة تشجيع بخصوص "تقدم الإصلاحات" فيها وقد حدد باول بنفسه برنامج الزيارة التي سيقوم بها الرئيس التونسي إلى الولايات المتحدة في فيفري المقبل وأعلن أن هذا البرنامج سيكون مقتصرا على موضوع الحريات السياسية في تونس )يفهم أن الرئيس التونسي سيأخذ تعليمات جديدة بهذا الخصوص(. ولكن الأهم في تصريحات باول في تونس هو تأكيده بأن الولايات المتحدة قد "قررت فتح مكتب جهوي في العاصمة التونسية للإشراف على المبادرة الأميركية بخصوص الشراكة مع الشرق الأوسط". ومعنى هذا الكلام أن التحرك الأميركي يدخل ضمن الاستراتيجية الغربية-الأطلسية التي تهدف إلى "مقاومة الإرهاب" في المنطقة وليست لها أية علاقة بمشروع توحيد بلدان المغرب العربي. أما السكوت عن ليبيا وموريطانيا والاكتفاء بالقول إن كل بلدان المنطقة هم حلفاء الولايات المتحدة فيفهم منه أن الولايات المتحدة قبلت الصفح عن القيادة الليبية التي أعربت عن قبولها بالدخول تحت الطاعة معتذرة على ما فات. كما يفهم من هذا الصمت أن الولايات المتحدة قد غضت الطرف عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في موريطانيا الحليف المحلي للمغرب)فما دامت هذه الانتهاكات موجهة ضد الإسلاميين فهي تعتبر مساهمة في الحرب على الإرهاب(. ولم تخرج قمة) 5+5 (على تقديم هذه الصورة العامة للوضع في المنطقة. فتونس التي نظمت اللقاء وقع تقديمها على أنها رائدة في السير على طريق "الحداثة" ومقاومة "التطرف". والرئيس الفرنسي شيراك أمعن في إهانة الشعب التونسي دفاعا عن النظام " الذي استطاع أن يوفر له الغذاء" كما أمعن في الاستخفاف بالرئيس الجزائري وذلك باستدعائه إلي باريس محاولا دفعه إلى الجلوس مع العاهل المغربي الذي استفزه بطريقة أقل ما يقال فيها أنها غير دبلوماسية عندما قال في افتتاح القمة أن قضية الصحراء هي قضية مفتعلة )ويعني من طرف الجزائر(. أما ليبيا فان مشاركة رئيسها في مؤتمر القمة يعني أن الشعارات الثورية التي كان يطرحها في الماضي قد انتهى دورها وأنه سينخرط )على انفراد مثل باقي الدول المغاربية( فيما يسمى بالشراكة الأورو-متوسطية وان التطبيع مع الكيان الصهيوني يسير في الطريق. و المتأمل في النتائج التي أفضت إليها القمة يدرك جيدا أن هدفها لم يكن سوى تشجيع الأنظمة المغاربية على المضي قدما في قمع الحركات الإسلامية "الارهابية" من جهة والقيام بدور الشرطي في حماية السواحل الأوروبية من تسرب المهاجرين السريين إليها من جهة أخرى وأن المساعدات التي يمكن أن تقدمها أوروبا لهذه الأنظمة مشروطة بنجاح هذه الأخيرة في تحقيق هذه المهام وأن الوحدة التي تدعوها إليها هي وحدة في هذا الاتجاه وليست لها أية علاقة مع الوحدة التي تتطلع إليها الشعوب المغاربية والتي توفر لهم العزة والكرامة والمناعة. لكن هذه الصورة المخزية لواقع الحالة المغاربية وقع لفها في رداء أسود كتب عليه: أوربا وأميركا تحرصان على توحيد بلدان المغرب العربي!!! فهل يعقل أن تحرص أميركا على توحيد المغرب العربي وهي التي تسعى إلى تفتيت كل الشعوب وإخضاعها والسيطرة على ثرواتها؟ وأي مصلحة للاتحاد الأوروبي في توحيد البلاد المغاربية والحال أن تفرقها هو الذي يعطيه فرصة أكبر للمناورة والضغط وإملاء الشروط؟ وهو الذي بادر بإمضاء اتفاقيات شراكه منفردة مع هذه البلدان؟ أما في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط فلم تبرز بعد انعقاد القمة الأورو-متوسطية أية إشارة تفيد بوجود أي نية لدى البلدان المغاربية في المضي قدما على طريق التوحيد أو حتى تعزيز التعاون فيما بينهم. فبعد سعيهم إلى التخلص من انعقاد القمة المغاربية كل على طريقته شهدنا في المنطقة سعيا حثيثا للتذكير بإعلان أغادير من خلال حملة إعلامية و إشهارية مركزة رافقت الزيارة التي قام بها العاهل المغربي لمصر. وهذا الإعلان الذي برز للوجود سنة2001 بمباركة أوروبية بعد أن تلاشى إعلان برشلونة ووصل المشروع الأورو-متوسطي إلى مأزق بسبب اعتراض عدة أطراف عربية على وجود إسرائيل في هذا الفضاء يبدو أن له بالأساس أهدافا استراتيجية ولو كان في ظاهره يحمل صبغة تجارية بحتة)تكوين منطقة تبادل حر( وذلك لأن الأطراف المعنية بهذا الإعلان )المغرب وتونس ومصر والأردن( تتميز كلها برغبتها الملحة في التطبيع مع الكيان الصهيوني وهي تشكل قطبا أساسيا في" التحالف الدولي لمقاومة الإرهاب" في منطقة الشرق الأوسط بمفهومه الواسع الذي يشمل بلدان شمال إفريقيا. وكنا قد لاحظنا من قبل أن التتفجيرات التي هزت الدار البيضاء في شهر ماي الماضي كانت مناسبة لدخول المغرب من الباب الكبير وبكل حماس في هذا التحالف. ولقد رأينا أن السلطات والنخب العلمانية المغربية مجتمعة سارعت بعد هذه الأحداث إلى اتهام الحركات الإسلامية كلها بأن لها "مسؤولية معنوية" في تدعيم الإرهاب. و في الآونة الأخيرة وقع المضي قدما إلى ما هو أخطر في طريق مقاومة الحركات الإسلامية في المغرب وذلك بتحريك دعوى قضائية ضد شخصيات إسلامية مغربية تتهمهم فيها بتكوين جمعية خيرية ) ائتلاف الخير (تسعى إلى جمع تبرعات لفائدة الشعب الفلسطيني)نفهم أن هذا الإجراء يدخل ضمن ما تسميه الولايات المتحدة تجفيف منابع تمويل الإرهاب باعتبار أن المقاومة الفلسطينية هي عمل إرهابي( وأما الإفراج عن بعض المساجين السياسيين الذي قامت به المغرب أخيرا والذي فاجأ الجميع وان كان لا بد من مباركته وتشجيعه والتنويه به والهتاف له فان الاحتراز بشأنه يكون مبررا لأن الأنظمة العربية لم تعودنا بالتبرع بالحرية لفائدة شعوبها وانه لا يستبعد أن يكون لهذا الإجراء هدف دعائي يمهد لخلق مساندة قوية إقليمية ودولية للنظام المغربي ولتبرير كل ما سيقوم به في المستقبل من أعمال تدخل ضمن " الحرب على الإرهاب وتدعيم الديمقراطية" في المنطقة. ومن يدر لعلنا سنشهد في المستقبل "عاصفة" أخرى في الصحراء الغربية تكون مدخلا لإرساء قواعد أطلسية في المنطقة لتطويق العالم الإسلامي من الغرب بعد أن وقع تطويقه من الشرق في أفغانستان و بعد أن وضع خنجر على صدره و تمت محاصرة أهم رموزه في كل مكان. والأمر يمكن أن لا يكون مجرد خيال إذا ما أخذنا في الاعتبار- زيادة عن التحركات والتصريحات المذكورة- السباق المحموم نحو التسلح الذي ظهر في المدة الأخيرة بين المغرب والجزائر وقد تكفلت الولايات المتحدة بتدعيم القدرات العسكرية المغربية وأهدتها في العام الماضي عن طريق بعض الدول الخليجية ما يزيد عن عشرين طائرة من طراز " أف 15 " . أما السلطات الليبية فيبدو أنها قد رتبت أمورها بالكامل للدخول تحت الطاعة بما تقتضيه هذه الطاعة من وضع أسلحتها تحت الرقابة ومن تطبيع مع الكيان الصهيوني. وقد أثبت النظام الليبي منذ سنوات أنه حليف متين في التصدي للحركات الإسلامية وذلك من خلال الشراسة التي أبداها في التعامل مع الإسلاميين التونسيين والجزائريين الذين لجئوا إلى أراض ليبيا فضلا عن القمع الرهيب الذي يمارسه في الظلام على الإسلاميين الليبيين. ولم ينتظر كولن باول طويلا حتى يوظف التوبة الليبية في تدعيم الاستراتجية الغربية بخصوص "الحرب على الإرهاب" .فلقد حاول التأثير على سوريا ناصحا إياها أن تحذو حذو شقيقتها في جبهة الصمود والتصدي سابقا فتنزع أسلحتها وتكف عن إيواء " الارهابيين" أو مساعدتهم. إلا أن العملاء في "المعارضة السورية" استجابوا بسرعة أكبر لنداء باول فأعلنوا من بلجيكا عن مساندتهم لقانون العقوبات ضد سوريا الذي أعده الكنجرس الأميركي كما طالبوا من الاتحاد الأوروبي بعدم قبول سوريا في الشراكة الأورو-متوسطية وذلك قبل أن تتمكن السلطات السورية من تلقي الرد على مبادرتها بقبول استئناف التفاوض مع اسرائيل بدون شروط وانطلاقا "من نقطة السفر". فهل سنشهد في المستقبل تسابقا في العمالة وتقديم الولاء للغرب بين السلط والمعارضات في البلاد العربية؟! نظرة سريعة لنشأة الفكرة المغاربية وتطورهاتشكل منطقة المغرب العربي- أو جزيرة المغرب كما سماها العرب في السابق- وحدة طبيعية جغرافية وبشرية محصورة بين مياه البحر ورمال الصحراء. وإذا كانت الصراعات القبلية الدائمة لم تسمح عبر التاريخ بتكوين وحدة سياسية على كامل هذه الأرض إلا في فترات قصيرة أقصاها الدولة الموحدية التي دامت حوالي مائة سنة والتي كانت تشمل بلاد الأندلس فإن فكرة الوحدة المغاربية )أو وحدة شمال إفريقيا كما سميت في السابق( برزت إلى الوجود في هذا العصر منذ أن وطئت أقدام جيوش الاحتلال أرض بلادنا ومثلت ردة فعل طبيعية على هذا الاحتلال. ففي تونس وقفت جل القبائل في وجه الجيوش الفرنسية وقاومتها بكل بسالة منذ دخولها إلى بلادنا إلا أن موازين القوى ما كان ليسمح لها بالانتصار في ذلك الوقت فأجبرت على التراجع إلى الجنوب حتى اضطرت في النهاية إلى اللجوء إلى الأراضي الليبية. وفي سنة 1911 لما قامت إيطاليا باحتلال ليبيا هرع التونسيون إلى الحدود الليبية ليؤازروا إخوانهم الليبيين إما بالتطوع في صفوف المقاومين للاحتلال و إما بجمع المال والأسلحة والعتاد. وقد امتلأ التونسيون غيضا ضد الاستعمار الإيطالي والفرنسي وكانوا يترصدون الفرصة للتعبير عن غضبهم الذي انفجر يوم 7 نوفمبر من نفس السنة فيما سمي فيما بعد بمعركة الجلاز. و أثناء الحرب العالمية الأولى تكونت في المهجر اللجنة الجزائرية-التونسية وأصدرت "مجلة المغرب" التي أعلنت بوضوح في عددها الأول أنها "تعبر عن طلبات السكان الأصليين لبلاد المغرب هذا الجزء من شمال إفريقيا الذي يشمل المغرب والجزائر وتونس وليبيا الخاضع أو هو في طريق الخضوع لفرنسا وإسبانيا وإيطاليا". ولما انتهت الحرب قامت اللجنة الجزائرية-التونسية بتحرير مذكرة بعثت بها لمؤتمر السلم المنعقد في فرساي تطالب "بالاستقلال التام للشعب الجزائري-التونسي" وتتوجه إلى الضمير العالمي" لضمان حقوق الإنسان والشعوب" وقد اغترت كما هو واضح بإعلان ولسن الشهير عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. وفي أواسط العشرينات تكون في باريس حزب سياسي يحمل اسم" نجم شمال إفريقيا" يطالب بالاستقلال التام لبلدان شمال إفريقيا الثلاث تونس والجزائر والمغرب وينادي بتكوين " ولايات متحدة شمال إفريقية". وكذا تأسست بارتباط مع هذا الحزب منظمة طلابية تحمل اسم "جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا". وفي أواسط الثلاثينيات لما تقلدت السلطة في فرنسا حكومة الجبهة الوطنية اغتر الوطنيون المغاربة بالشعارات الثورية التي كانت تطرحها هذه الحكومة فتقدموا لها" بطلبات شمال إفريقيا الملحة" إلا أن الرد كان قد خيب آمالهم وقد شهدت سنة 1937 موجة عارمة من القمع ضد الوطنيين المغاربيين. وجاء الرد على هذا القمع بتنظيم إضراب عام مغاربي يوم 20 نوفمبر 1937 وقع الإعلان عنه من تونس. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية وما تبعها من خيبة أمل الشعوب المغاربية مرة أخرى في الحصول على استقلالها تجذرت فكرة الوحدة المغاربية لدى الوطنيين المغاربة وقد شهدت سنة 1947 انعقاد "مؤتمر المغرب العربي" وانبثق عن هذا المؤتمر "مكتب المغرب العربي" ثم " لجنة تحرير المغرب العربي". وقد أشاد التقرير الختامي لمؤتمر المغرب العربي بالزعيم فرحات حشاد باعتباره زعيما مغاربيا. وبالفعل كان الزعيم النقابي فرحات حشاد زعيما مغاربيا بامتياز. وهذه هي من الحقائق التي يراد طمسها والتعتيم عليها باستمرار . فلفرحات حشاد نداء مشهور توجه به للعمال المغاربيين يوم 21 مارس 1947 يدعوهم فيه إلى بعث " فدرالية نقابية لعمال شمال إفريقيا". وكل المنظمات النقابية التي تكونت في باقي بلدان المغرب العربي قد اعتمدت على التجربة التونسية وتلقت دعما مباشرا من فرحات حشاد نفسه. ولما تم اغتياله في تونس يوم 5 ديسمبر 1952وقعت ردود فعل شعبية عنيفة وحاشدة في المغرب والجزائر كما توترت الأجواء في ليبيا توترا شديدا. أما لجنة تحرير المغرب العربي برئاسة الزعيم المغاربي الكبير عبد الكريم الخطابي فقد دأبت منذ تكوينها على بعث حركة مقاومة مسلحة ضد الاستعمار على المستوى المغاربي. وكانت أخر محاولة في هذا الغرض قامت بها اللجنة بتنسيق مع المجموعة الراديكالية الجزائرية قد تمت بالقاهرة يوم 29 ماي 1954 إلا أن كثرة المناورات الاستعمارية وأطماع بعض القيادات الوطنية حالت دون تحقيق هذا الهدف. وبعد أن تحصل كل من المغرب وتونس على "الاستقلال" بينما كانت الثورة الجزائرية ملتهبة لم يفلح مؤتمر طنجة سنة 1958 في بعث وحدة مغاربية حقيقية وبدأ الحلم المغاربي يتبخر وذلك لأن المشروع خرج من دائرة المجتمع المدني إلى دوائر الحكومات التي نصبها ودعمها الاستعمار ليواصل مهامه الاستغلالية و"التمدينية" بأساليب جديدة. وبعدما نالت الجزائر استقلالها تأسس سنة 1964 مجلس وزراء الاقتصاد المغاربة و بعث للوجود "اللجنة الاستشارية القارة" وعدة لجان فنية مختصة كما أنشأ "مركزا للدراسات الصناعية". ورغم الدراسات العديدة والمعمقة التي قام بها خبراء مغاربيون متحمسون يعملون في صلب هذه اللجان والتي فاقت الثمانين دراسة تمس معظم القطاعات فإن هذه الدراسات لم يقع استغلالها إلا في حالات قليلة وبطريقة مبتورة وذلك لسبب أساسي يشهد به العام والخاص هو انعدام الإرادة السياسية. وشهدت منطقة المغرب العربي تجاذبات وتكتلات داخلها عند كل أزمة من الأزمات الإقليمية والدولية وكانت أهم هذه الأزمات وهي التي ساهمت بشكل أساسي في شل المسار المغاربي هي أزمة الصحراء الغربية التي بدأت سنة 1975 عندما عمدت إسبانيا إلى تقسيم هذه المستعمرة القديمة بين المغرب وموريطانيا دون تشريك المقاومة الصحراوية القائمة هناك والتي كانت تتلقى الدعم من الجزائر. وهذا ما أثار حفيظة السلطات الجزائرية وأجج الصراع بينها وبين السلط المغربية. وبقي هذا الصراع قائما منذ ذلك الحين إلى الآن تارة يطفو على السطح وتارة ينزل تحته حسب الظروف والملابسات. ولما تم توقيع اتفاق الوحدة المغاربية في 18 فيفري 1989 استعادت بعض النخب المغاربية الأمل في إمكانية استئناف بناء هذا المشروع الحضاري الواعد. لكن هذا الأمل سرعان ما تبخر بعد أن تعطلت مؤتمرات القمة عن الانعقاد منذ سنة 1994 وتعطل معها كل تعاون مغاربي. وفي الواقع فإن الأحداث أثبتت أن توقيع اتفاق الوحدة المغاربية بين قادة البلدان الخمس لم يكن نابعا من إرادة صادقة في بناء وحدة مغاربية بقدر ما كان يهدف إلى التصدي للحركة الإسلامية الاحتجاجية المتنامية في المنطقة ومحاولة سحب البساط من تحت أقدامها. وقد سارعت فرنسا برئاسة ميتران آنذاك إلى مباركة هذا العمل وطرحت فكرة إمكانية بعث فضاء للتعاون بين أوروبا و البلدان المغاربية الموحدة والذي انتهى في الأخير إلى اتخاذ اسم مجموعة 5+5)). لكن الحكومات ليست وحدها في الواقع هي المسؤولة عن فتور المسيرة المغاربية ثم تعطلها. فالمجتمع المدني المغاربي لم يبذل منذ الاستقلال أي جهد لتدعيم هذه المسيرة وانجاحها. فلم نشهد بعث جمعيات مغاربية فاعلة ثقافية وأدبية وعلمية ومهنية وغيرها تساهم في تعميق الوعي بهذا المشروع الحضاري وتعزز اللحمة بين أبناء المغرب العربي. كما لم نشهد لقاءات ومهرجانات مغاربية قام بها المجتمع المدني المغاربي من خارج دواليب السلطة. وحتى التنسيق الذي كان يتم من حين إلى آخر بين بعض مكوناته فلقد كان د | |||