مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

حدود "الثورة الديمقراطية"
في منظور الإمبراطورية الأمريكية

العدد العـــاشر
السنة الثالثة/ فبراير 2004


الأستاذ توفيق المديني (*)

مقدمة

      إذا كان أهم مقوم من المقومات الأساسية التي ينطوي عليها تاريخ الإمبراطريات هو الميل المتواصل نحو توحيد العالم، تجسيدا لكونية الروح الشري وكونية العقل، فإن الإمبراطورية الأمريكية تفتقد إلى مبدأ العمومية، أي القدرة على التعامل بالمساواة مع الأفراد والشعوب والأمم الأخرى. وفضلا عن ذلك، لم يدرك منظرو الإمبراطورية الأمريكية في طورها الراهن أن أشكال توحيد العالم، ما تحقق منها في عهد الإمبراطوريات السابقة الرومانية، والعربية الإسلامية، والفرنسية داخل النطاق الأوروبي، والسوفياتية،  وماهو قيد التحقيق الآن في ظل العولمة الرأسمالية المتوحشة بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، كانت دائما أشكالا تناقضية، ينبع تناقضها من واقع التعدد والاختلاف السائد على صعيد عالمي، وصيرورة الفروق الملازمة فروقا تناقضية

   ولذلك كان الميل التاريخي للامبراطوريات السابقة نحو توحيد العالم يقوم على مبدأ المغالاة في المساواة، وهو المبدأ الذي طبقته الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية العربية الإسلامية حيث يجمع كل دارسي التاريخ الإسلامي على القول إن التوسع الفائق السرعة للفتوحات ولبناء هذه الإمبراطورية العربية المترامية الأطراف يعود في جانب أساس منه إلى مبدأ المساواة الذي يعتمده الدين الإسلامي في تعامله مع الشعوب والأمم التي اعتنقت الإسلام

وكذلك الأمر عينه بالنسبية إلى الإمبراطورية السوفياتية التي اعتمدت على إيديولوجية الشيوعية بوصفها الإيديولوجيا الأكثر عمومية منذ الثورة الفرنسية التي نادت بمبدأ المساواة والحرية لجميع الشعوب. ومهما كانت عيوب ونقائص الشيوعية، فلا يمكن نكران أنها عاملت جميع الشعوب المغلوبة بالتساوي، وكانت مصدر إغراء شديد للعديد من الثورات الوطنية في البلدان المستعمرة  شبه المستعمرة 

أما الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها أمة حديثة التشكل ومناطة بهوية عضوية، و تاليا بملاذ مفتوح أمام المهاجرين الجدد، فقد قامت على أساس الاستبعاد والعنصرية، لأن النواة الصلبة لهذه الأمة قوامها البروتستانت الأنكلوسكسون البيض الذين يشكلون "عرقا" خاصا، ينبغي الانصهار في مصهره، للإنتماء إليه، ولا يدخل فيه السود، مهما فعلوا، والهنود اللهم إلا إذا تخلوا عن "زنجيتهم" و"هنديتهم" على حد قول الكاتب الفرنسي ميشال بوغنون. وهكذا فإن الأمة الأمريكية التي قامت على أساس الاستبعاد الاقتصادي والإثني والعنصرية بامتياز لا تتبنى مبادىء  قيم المساواة بين الشعوب والأمم على اختلاف مشاربها الثقافية والحضارية، بل على النقيض من كل ذلك تتقرب من الدول والشعوب التي تعتمد التمييز كإيديولوجيا، وتحمي الأنظمة الديكتاتورية والعنصرية في كل أصقاع الأرض. من هنا كان التوتر الشديد بين العمومية أي مبدأ المساواة والتمييز يحكم النهج السياسي برمته لكل التاريخ الأمريكي، مهما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تقدم صورة عن نفسها مغايرة عن الازدواجية التي تتحكم في خطابهاالسياسي والإيديولوجي

ومنذ انهيار الشيوعية، وبالتالي انهيار القطب المنافس أي الاتحاد السوفياتي، داعب الأمل الولايات المتحدة الأمريكية لكي تكون الإمبراطورية التي تقود عالم ما بعد الحرب الباردة، وهو عالم بكل تأكيد شديد الاتساع والتنوع ونزاع إلى الظفر بالديمقراطية بعد سقوط أعتى الأنظمة الشمولية. لكن الولايات المتحدة الأمريكية كامبراطورية شديدة الإفراط في قوتها العسكرية  تفتقر افتقارا كليا إلى مشروع ثقافي وإيديولوجي تحتل فيه المسألة الديمقراطية مركز الصدارة. ففي ظل غياب هذا المشروع الذي يقوم على نشر مبدأ المساواة والعمومية على مستوى كوني، بوصفه مصدرا لا غنى عنه لأي إمبراطورية تريد قيادة العالم، تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد تراجعت كثيرا عن القيم التي كانت تدافع عنها خلال حقبة الخمسينات الستينات من  القرن الماضي. ففي تلك الحقبة كانت الولايات المتحدة الأمريكية تجمع في صيرورتها القوة الاقتصادية  والعسكرية والتسامح الفكري والثقافي، وتتجه إلى الخارج للدفاع عن الليبرالية الاقتصادية من أجل ضم الدول الصناعية الكبرى والبدان المستقلة حديثا في العالم الثالث إلى فضاء الاقتصاد الحر المتجانس، حيث كانت أمريكا تعتبر نفسها بلد ديمقراطية الجماهير وحرية التعبير، كما شجعت التخليعن الاستعمار في سائر أنحاء  العالم، وإن كانت هذه المسألة لها علاقة بسعيها المحموم لإرث الدولتين المستعمرتين بكسر الميم فرنسا وبريطانيا، وشهدت في داخلها أعظم حركة نضال ضد التمييز العنصري ومن أجل الظفر بالحقوق المدنية يقيادة مارتن لوثر كين

لقد ولى ذلك الزمن، فنحن نعيش في ظل  التطور غير المتكافىء في مجال العلم والتكنولوجيا الذي يدخل في  إطار التبادل غير المتكافىء ليزيد  في تأخر وتبعية وفقر بلدان العالم الثالث، وتدويل دورة الإنتاج والتوزيع والتبادل والإستهلاك على مستوى عالمي بفضل الثورة العلمية، والتكنولوجية التي شملت الاقتصاد القومي لكل أقطار العالم، وتدويل الأزمة التي تتحول أكثر فأكثر إلى أزمة عالمية، كونية، حيث كانت عناصر الأزمة العالمية تتراكم بادئة  بضرب وإخفاق حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، وفي القلب منه الوطن العربي منطقة العواصف. ولم تلبث هذه الأزمة حتى انفجرت بصورة مفاجئة، عاصفة هذه المرة بالاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية، وبحرب الخليج الثانية على العراق

  وقد اتخذت هذه الأزمة العالمية شكل حركة عالمية من أجل دمقرطة النظم السياسية في العالم الثالث، وإطلاق قوى السوق، مشفوعة بعودة الشعارات اليمينية المتطرفة إلى واجهة المسرح الإجتماعي- السياسي، خاصة لدى اليمين المحافظ الأمريكي. و إذا كانت إيديولوجية المحافظين الجدد في أمريكا المتطرفة تنسجم مع قوانين السوق والعولمة الرأسمالية المتوحشة، ومنطق التوسع الرأسمالي، فإنها تعبر في الوقت عينه عن التراجع المأساوي للقدرة الإقتصادية الأمريكية الحقيقية، ونفيها وجود هذا العالم المستقل وتنوع شعوبه وأممه على المستويين الثقافي والحضاري، وكذلك لتراجع مبدأ المساواة والعمومية في أمريكا، وفقدان الولايات المتحدة الأمريكية قدرتها على السيطرة على العالم في ظل سعيها نحو بناء نظام القطبية الأحادية على صورتها ومثالها تحت ستار أيديولجيا الليبرالية الجديدة، وخوض الحرب ضد مايسمى الإرهاب، وتبني الرئيس بوش مبدأ الحرب الاستباقية في عقيدته الإيديولوجية

فالامبراطورية الأمريكية تسعى للسيطرة لا إلى الحرية وليس الديماغوجيا التي يطلقها الرئيس الأمريكي  بوش حول تعايش الديموقراطية والقيم الاسلامية في العالم العربي وسياسته الرامية الى تغيير المنطقة وإدخال دولها ومجتمعاتها في "الثورة الديموقراطية العالمية" إلا مظهرا من مظاهر العداء للديمقراطية عينها، بسبب الطابع العدواني والرجعي للإمبريالية الأمريكية، وميلها المتنامي، ولكن المتفاوت الشدة، إلى الأوليغارشية في المراكز والأطراف يتجليان في عدائها الشديد للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب. وليس احتلال العراق إلا تعبيرا عن هذا العداء الذي ينبع من جوهر الإمبريالية الأمريكية ذاتها بوصفها اميراطورية آيلة للأفول تقاتل من أجل إحكام سيطرتها على العالم وفرض نفسها زعيمة له بوساطة القوة العسكرية، وإكتساب إحتكار عالمي للعنف المشروع 

    خطاب بوش وخطب غيره من المسؤولين البارزين حول الديمقراطية في الشرق الأوسط وحملته على أنظمة الشرق الأوسط المعادية والصديقة للولايات المتحدة الأمريكية ليسا نابعين من إيمان الولايات المتحدة الأمريكية بأن الديمقراطية يجب أن تكون في خدمة الشعوب العربية بما هي ذوات فاعلة، وبما هي صانعة لنفسها ولحياتها الفردية والجماعية،  ولتاريخها السياسي والإجتماعي، وعلى اعتراف المؤسسات المجتمعية بالحرية الفردية والجماعية التي لا قبل لها بالوجود ما لم يكن المحكومون قادرين على اختيار حكامهم بملء إرادتهم، ومالم يكن القسم الأعظم من هذه الشعوب قادرا على المشاركة في إيجاد المؤسسات المجتمعية وغيرها

 على عكس ذلك تماما، الرئيس بوش لايملك من مشروع للتغيير في العالم العربي سوى مشروع الهيمنة الإمبريالية الأمريكية، التي في سياق  توسيعها وتعزيزها تتهيأ "لإسرائيل" فرصة التحول إلى "إسرائيل العظمى". كما أن الديمقراطية ما كانت ولن تكون  يوما قرارا أمريكيا، وإنما هي تخص الشعوب والمجتمعات العربية التي لا تنفك أبواق موتورة في إدارة الرئيس بوش نفسها ترشقها بالاتهامات والإهانات

  خطاب الرئيس بوش حول الديمقراطية ليس نابعا من إعادة قراءة للسياسة الأمريكية الخاطئة في العقود الستة الماضية أو رغبة في نقد الذات بعدما اكتشفت واشنطن أن هذه السياسات التي طبقتها في المنطقة العربية، خاصة تلك المصحوبة بضمان التدفق الحر للنفط من دول المنطقة الى الغرب، ودخول بعض الدول العربية في تحالفات مع واشنطن ضد الاتحاد السوفياتي السابق، قد كانت لها نتائج عكسية. فقد تفادى بوش الاشارة مثلا الى الدعم الاميركي المادي والسياسي للأنظمة العربية والاسلامية السلطوية وتجاهل أمريكا لانتهاكات حقوق الانسان ولاعتقادها الفعلي بتضارب الديموقراطية وقيمها مع التقاليد الاسلامية، بالاضافة الى احتضانها القوي "لإسرائيل"، وخاصة بعد توسعها في أعقاب حرب 1967.

خطاب الرئيس بوش يعبر عن مأزق لأن هذا "الاجتياح الديمقراطي" لا يعكس قناعة صادقة، على الاقل من بعض المسؤولين بأن الاصلاح الحقيقي في العالم العربي يخدم مصالح العرب، ولن يضر بالضرورة بمصالح اميركا في المدىالبعيد، وإنما  يكمن سببه في حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مبررات لتسويغ أسباب وجودها العسكري في المنطقة لا سيما بعدما بدأ هذا الوجود يرتد تكلفة مادية وبشرية باهظة على الولايات المتحدة الأمريكية التي أضحت تواجه التحديات المتنامية في العراق، في سياق الحرب ضد ما تسميه "الارهاب" من جهة ولنشر الديموقراطية في المنطقة من جهة اخرى

    ولكن الخطاب أيضا مبني على قناعة مشكوك فيها، تقول إن انتشار الديموقراطية وقيمها في بعض الدول التي ذكرها بالاسم، سوف يؤدي بحد ذاته إلى تخفيف مشاعر الاستياء وحتى العداء لأميركا المنتشرة في تلك المجتمعات، وخاصة إذا لم يصاحبها تغيير جذري في السياسات الأميركية ليس فقط تجاه الأنظمة السلطوية، ولكن أيضا تجاه "اسرائيل" وممارساتها، والتخلي عن مبدأ من ليس معنا فهو ضدنا، أو التهديد بالحروب الاستباقية، وغيرها من الممارسات

  وكيف يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تركز  إيديولوجيتها على الديمقراطية في الشرق الأوسط، في حين أن العالم أجمع يشهد تراجع العمومية الخارجية الأمريكية من خلال التحالف العضوي الإستراتيجي القائم بين أمريكا والكيان الصهيون، والدعم غير المحدود الذي تقدمه إدارة الرئيس بوش لحكومة المجرم شارون وعصابته، حيث يعتبر بوش الكيان الصهيوني "دولة ديمقراطية " بالمواصفات الأمريكية البحتة، ليبارك كل دوسها على القوانين الدولية و ليبرر إرهابها وإبادتها للشعب الفلسطيني بحجة "الدفاع عن النفس"، و يتفهم بناء الجدار العازل وجرف الأراضي المزروعة وقطع أشجار الزيتون وضم الأراضي وسكانها عدا الاغتيالات لقيادات فصائل المقاومة وتهديم المنازل والأبنية

  خطاب الديمقراطية مهم بكل تأكيد، لكنه يتناقض جذريا مع الإستراتيجية الأمريكية الواقعية التي تمارس على الأرض، والتي  قوامها: إعطاء الأولوية للعلاقة مع الكيان الصهيوني الذي يحتل الأراضي العربية وفي القلب منها فلسطين ويمارس الظلم ضد الشعب الفلسطيني كل يوم. إضافة إلى علاقة معادية  شاملة من جانب الولايات المتحدة للعالم العربي. وهذا بحد ذاته نفي لمبدأ المساواة الذي هو أساس الديمقراطية. فبالنسبة للإمبراطورية الأمريكية وإستراتيجيتها في المنطقة، تعتبر مساندة الكيان الصهيوني، الذي يمتلك أقوى جيش في كل منطقة الشرق الأوسط قادر على تدمير أي جيش عربي في مدة قصيرة، أكثر أهمية من أي اعتبار أو تقدير حاجة العالم العربي للديمقراطية

 ويبدي المحافظون الجدد في إدارة الرئيس بوش تعاطفا قويا مع دولة الكيان الصهيوني، يقابله من جانب آخر حقد دفين يكنونه للعالم العربي والإسلامي. ثم إن هذا التأييد المفرط في حماسته من جانب اليمين الجمهوري  الأمريكي للكيان الصهيوني في ساحة الشرق الأوسط، فضلا عن التغييب المتعمد الذي اعتمده بوش لأي نقد لعصابة شارون، يؤكد للمرة الألف تفضيل الولايات المتحدة عدم المساواة الذي يميز الإمبراطورية الأمريكية الحالية. وبذلك تكون أمريكا فضلت ممارسة سياسة المعايير المزدوجة والكيل بمكياليين، واللامساولاة والظلم والتمييز ضد العرب والمسلمين، وهذا ليس عاملا مساعدا على  بناء ديمقراطية في العالم العربي، فضلا عن أنه يتناقض على طول الخط مع إيديولوجيا العمومية التي تنادي بالتكافؤ بين الشعوب، وبتطبيق مبدأ المساواة بوصفه مبدأ ضروريا لبناء تحالف بين الشعوب

    إن مجرد التبشير بالديمقراطية لا يكفي لتحقيقها، لأن حجر الزاوية في البناء الديمقراطي في العالم العربي هو في القضاء على أسباب الاستبداد، والإحتلال الصهيوني لفلسطين وباقي الأراضي العربية الأخرى، والاحتلال الأمريكي للعراق. فاستمرار هذين الاحتلالين الصهيوني والأمريكي للأراضي العربية لا يساعد في إحلال الديمقراطية. من هنا فإن الدعوة الأمريكية إلى الديمقراطية تفتقر إلى الصدقية

وترمي الإمبريالية الأمريكية المندرجة في الإطار العام لهجوم ليبرالي كوني، إلى توحيد قسري لكل الشعوب والأمم تحت هيمنتها، يكون الهدف الأخير منه حصر البشرية في كتلتين متواجهتين: كتلة شرائية قوامها زبائن محتملون، شراة ومستهلكون للسلع الأمريكية وتسهم أفعالهم في إغناء الإمبراطورية الأمريكية. وكتلة أقلوية، قوامها باعة وسماسمرة ووسطاء تجاريون، ينظمون الدورات التجارية التي تغنيهم، والتي يعاد تثمير أرباحها الفاحشة. فهل هذه هي رسالة الليبرالية التي تنادي الإمبراطورية الأمريكية بتطبيقها على صعيد كوني؟

1- ديالكتيك الليبرالية والديمقراطية

الليبرالية الغربية التي تشكل أيديولوجية المجتمع المدني، تعتبر الحرية المبدأ أو الغاية التي يجب أن تسود فيه. وقد استطاعت الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية الغربية أن تبني منظومة مكتملة من الأفكار تتعلق بالحرية داخل المجتمع المدني خلال المراحل الأربع التي مرت بها. ففي المرحلة الأولى من تطور الليبرالية، كان التركيز على مفهوم الفرد، ومفهوم الذات، الذي يميز الفلسفة الغربية الحديثة جميعها، إذ ينطلق التحليل الفلسفي الغربي من الإنسان باعتباره الفاعل صاحب الاختيار والمبادرة، وفي المرحلة الثانية تم تشييد علمين عصريين مهمين وهما من أهم إنجازات الثورة البرجوازية في القرن الثامن عشر، أي علم الاقتصاد السياسي  العقلاني، المتناقض جذريا مع الاقتصاد الإقطاعي المفكك والمجزأ، وعلم السياسية النظرية المتأسس على العقلانية، والعلمانية في العلاقة الحرة بين الأفراد المستقلين والمتساوين، في تناقض جذري مع سياسة الاستبداد الإقطاعي التي كانت سائدة في النظام القديم

    و قد عرفت المرحلة الثالثة من الليبرالية في الغرب نزعة المبادرة الفردية الخلاقة والمبدعة. وجدير بنا أن نذكر أن مبدأ الحرية، الذي يعتبر من المكونات الأساسية للمجتمع المدني، قد استفحل من جانب الدولة السياسية البرجوازية الحديثة والمعاصرة، وحولته إلى مذهب للاضطهاد، لأن في سلطة الدولة هناك قد باعت حقوق الفرد المالك الخلاق باسم حقوق مجردة للفرد العاقل، في أن الإنسان الواقعي الذي تبلور عبر سيرورة معقدة وطويلة على مر الحقب التاريخية، هو الذي يجب أن يكون هدف السلطة السياسية، على نقيض الفرد العاقل الذي يعيش حالة من السيادة الوهمية داخل الدولة السياسية البرجوازية

وإذا كان المفهوم الأساسي للحرية في المرحلة الرابعة من الليبرالية، حيث يسود مبدأ عدم التدخل هو حق الاختلاف أو التباين، والمعارضة، فإن شرور حرية المشروع الاقتصادي الفردي والنظام الاقتصادي والاجتماعي والقانوني للدولة السياسية البرجوازية السائدة في كل البلدان الرأسمالية الصناعية، المتسق مع متطلبات صعود الطبقة البرجوازية، حيث تسود الثورات الصناعية المتلاحقة التي أطلقت قوى الإنتاج، والنزعة الاقتصادية الفردية غير المحدودة، والمزاحمة الرأسمالية، قد حولت الأغلبية المسحوقة في المجتمع المدني، التي تتمتع بالحقوق القانونية في ظل سيادة القانون الانتخابي، والبرلمان، إلى مجرد قطيع خاضع لأقصى درجات الاستغلال، والمزيد من التفاوت الاجتماعي والظلم

    فالحرية في هذه المجتمعات المدنية، هي في يد الفئات أصحاب المصانع والتجار وأصحاب الأراضي والملكيات العقارية الكبيرة، والبنوك، والمصارف المالية، وذريعة تدخل الدولة السياسية أو بعض الهيمنات الفعالة الأخرى، لكي توفر للأفراد ظروف الحرية الإيجابية المتمثلة في مشاركة المجتمع المدني في الانتخابات البرلمانية، لانتخاب ممثلين عنه، باعتبار هذه المشاركة السياسية تمثل ركيزة الإيديولوجية الليبرالية، وأساس الديمقراطية الغربية

النزعة الفردية

    كما أن صعود القوة المتطرفة للنزعة الفردية الليبرالية، والدعاوى الإيديولوجية والسياسية الطنانة للحرية الإيجابية، ونعني بها سيادة الديمقراطية الليبرالية، باعتبارها أسلوبا تقنيا للتوفيق ما بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية، كل هذه المفاهيم المقترنة بتطبيق سياسات هدامة اجتماعيا، واقتصاديا، لأنها كانت ولا تزال، تسلح الأقلية من الأقوياء والمتوحشين وغير الأخلاقيين من الرأسماليين، ضد الأغلبية الساحقة من المجتمع المدني الفقراء والضعفاء، الذين يعيشون من بيع قوة عملهم، مازالت ماثلة للعيان بشكل واضح تؤدي دورها التاريخي في المجتمعات الصناعية الرأسمالية، كقناع للطغيان، والاستغلال، والظلم الاجتماعي، الذي تمارسه الدولة السياسية ضد المجتمع المدني عامة، والطبقات المضطهدة والمستغلة بخاصة، تحت ستار قدر اكبر من الديمقراطية الليبرالية، وبالتالي من الحرية في إطار المفهوم البرجوازي العام

    فالأيديولوجية الليبرالية التي تؤمن بسلطان الحرية غير المحدودة ومحاربة الاستبداد على الصعيد السياسي، وسلطة العقلانية والعلم على الصعيد المعرفي ضد الوحي والميتافيزياء، عملت على تقوية الحكم البرجوازي للدولة السياسية، حيث تكمن السياسة الاقتصادية الرأسمالية المتوحشة في أجهزتها وفي أحزابها ومنظماتها السياسية، وفي بيروقراطيتها الإدارية، وليس في معاقل المجتمع المدني

المشاركة السياسية للمجتمع المدني عبر آلة الديمقراطية

    تم تأمين ضمان ولاء الطبقات الشعبية بواسطة إخضاعها وإسهامها وتبعيتها بأشكال ديمقراطية لحكم البرجوازية. والديمقراطية في الدول الإمبريالية والدول الملحقة بها، والتابعة لها، أضحت عملية إشراك رئيسية، واستيعاب شمولية، للمجتمع المدني من جانب الدولة السياسية البرجوازية بواسطة حقيقة دولة القوانين المسيطرة. وعلى هذا الأساس كانت الدول الإمبريالية قادرة على تقرير وتوقيت طبيعة الديمقراطية كتعبير سياسي عن مجتمع القصر في صيغته الحديثة، حيث يتم تكييف طبيعة الانتخاب والترشيح العام، والانتخابات الحرة ومسؤولية الحكومة تجاه الناخبين بحيث تتلاءم جميعها مع جهاز الدولة البرجوازية، وعملية تركيز الثورة والقوة في أيدي السلطة الحاكمة، وعملية إعادة إنتاج رأس المال، والميكانزمات البرجوازية لإعادة الإنتاج الرأسمالي

    الإيديولوجية الليبرالية التي تعرف عليها المفكرون والتقدميون العرب، هي منظومة الأفكار والقيم والمبادئ التي تكونت في المراحل الأخيرة من التطور الليبرالي في الغرب، والتي حاربت بها الطبقة البرجوازية الصاعدة منظومة الأفكار والمؤسسات الوسطوية الإقطاعية

    غير أن الليبراليين العرب الذين تمثلوا الإيديولوجية الليبرالية عبر محاولة انتاج الحقبة الليبرالية في التاريخ العربي، إنتاجا دعائيا كما يقول عبد الله العروي يستغل شتى أساليب الأدب والصحافة والتأليف والقانون الذي يتكون من ترجمات لأمهات المدونات الليبرالية الغربية، لم يروا الفرق الموجود بين ليبرالية القرن الثامن عشر وليبرالية القرن التاسع عشر في أوروبا. وكان كره المجرد والتجريد والنقد الفلسفي العميق للأيديولوجية الليبرالية، وعدم استيعابها في مسارها التاريخي، أحد أبرز كرهات الفكر العربي عند أنصار الليبرالية وعند خصومها على حد سواء

    و مع ذلك، فإن المذهب الليبرالي الذي يركز على الفرد باعتباره أصل المجتمع المدني، وعلى الملكية الخاصة باعتبارها هي "وحدها ما يجعل البشر أهلا للحقوق السياسية"، وحيث بواسطة "الملكية حضر الله العالم ونقل الإنسان من الصحراء إلى المدنية، ومن القوة إلى الرقة، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الجهالة إلى الحضارة "، وعلى الحرية الإيجابية التي تفتح عادة الأبواب للمشاركة السياسية للمجتمع المدني، والمرتبطة بهذا المعنى منطقيا على الأقل بالديمقراطية، هذا المذهب الليبرالي لا يمثل نظرية بين نظريات الحرية، بل إنه يكره التجريد والتنظير للحرية

    وقد أثبتت التجربة الغربية أن الحرية الليبرالية متناقضة في ذاتها لأن مصالح العلاقة بين الديمقراطية والحرية الإيجابية هي أشد غموضا. ولأن ممارسة الحرية الإيجابية في الواقع بقدر ما هي تعبير عن رغبة عميقة للشراكة السياسية من جانب المجتمع المدني في إدارة شؤونه، بقدر ما أفضت في النهاية إلى الاصطدام الكبير بالأيديولوجيات البرجوازية، والشمولية التي تسيطر على عالمنا المعاصر لأن هذا التصور الإيجابي للحرية، ليس التحرر من أن يعيش الفرد شكلا واحدا مقررا من الحياة، بل الحرية في أن يعيش هو ما يمثله دعاة الحرية السلبية بأنه في بعض الأحيان ليس أكثر من قناع خادع للطغيان الوحشي، أي طغيان الدولة السياسية مهما كانت برجوازية أو عن طريق الحزب والطبقة والبرلمان

الديمقراطية هي التخطي الجدلي لليبرالية

    اجتماعيا وطبقيا، كحركة سياسية تاريخية، الليبرالية حركة حزب طبقة وسطى ميسورة، متنوعة الفئات أي الأعمال والفاعليات، محدودة ومثقفة، مع مثقفين ومهن حرة أو ليبرالية. وعلى الصعيد السياسي العربي، الليبرالية هي موقف اعتراف بنخبة، بطبقة وسطى، ببرجوازية، بمثقفين وأحزاب، بدائرة حديثة من مجتمعنا، أي بشكل من أشكال "شعب الله المختار" حديث وإيديولوجي. كنخبوية من السهل أن تنقلب هذه الليبرالية إلى فاشستية حسب قول الياس مرقص

    أما الديمقراطية فهي موقف اعتراف بالكائن والواقع، بذات الواقع والتاريخ، موقف اعتراف بالبشرية الأمية صانعة التاريخ. الديمقراطية كما يقول لينين، حركة عوام، إنها ديمقراطية فلاحية وديمقراطية عمالية، في روسيا. وعلى صعيد عربي، الديمقراطية هي اعتراف بجماهير هذه الأمة، وهي كتل كبيرة مهملة ويجب أن تتحول إلى ذات تاريخية سياسية فاعلة

    الديمقراطية ليست الليبرالية، ولكن يمكن تحديد مسار العلاقات بين الليبرالية والديمقراطية بالاستناد إلى ثلاث صيغ

- التعايش بين الليبرالية والديمقراطية بما يعني ذلك إمكانية وجود دولة تكون ليبرالية وديمقراطية في الوقت عينه من دون عدم استيعاب وجود دولة ليبرالية غير ديمقراطية كما يراها الليبراليون المحافظون ودولة ديمقراطية غير ليبرالية كما يراها الديمقراطيون الثوريون الراديكاليون

- الديمقراطية في تناقص مع الليبرالية، أي أن الديمقراطية لا يمكن تحقيقها تحقيقا كاملا إلا في دولة تحقق العدالة الإجتماعية، وقبلت بالتخلي عن نموذج الدولة الليبرالية. وهذا هو رأي الديمقراطيين الثوريين الراديكاليين

- الترابط الضروري بين الليبرالية والديمقراطية، بمعنى أن الديمقž