|
مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين |
|
|
ثوابت العلاقات التونسية
الامريكية |
العدد
العـــاشر |
|||||||||||||||||||||
|
- ما وراء "الزنابق المائية"يشير تقرير الهريتاج فاوندايشن الى الاطار العام الذي يفسر ما يمكن ان يدفع الولايات المتحدة الى التفكير في إقامة قواعد عسكرية في تونس والمغرب، وهو تزايد النزاعات جنوب الصحراء مما يخلق ظروفا مناسبة حسب التقرير لتوغل القوى "الإرهابية"، وينعكس ذلك في النفوذ الذي مازالت تحافظ عليه بعض الجماعات المسلحة في الصحراء الجزائرية وشمال النيجر. ومن المهم الاشارة في هذا الاطار الى تقرير صدر اخيرا (30 ديسمبر 2003) عن المؤسسة البحثية النافذة في واشنطن "مجلس العلاقات الخارجية" بعنوان "افريقيا: محميات الارهاب"، حيث تم فيه إدراج تونس، الى جانب الجزائر ومصر ضمن الدول الافريقية التي تمثل تهديدا متوسط المدى في علاقة بامكانية تطور "التهديدات الارهابية" فيها ومنها.[23 وفي الواقع فإن الانباء الاخيرة عن مشاركة الامن التونسي في الشبكة العملياتية للمخابرات الامريكية والبريطانية في العراق والتي تستهدف ملاحقة المتطوعين العرب تأتي ضمن هذا الاطار حيث تقع الاشارة الى تونس كاحد اهم مصادر "الارهاب"، حيث يخلط الامريكيون بشكل متعمد ومتزايد بين التطوع مع المقاومة العراقية وبين الانضمام لتنظيم القاعدة.[24 من جهة أخرى، يشير الجنرال جونس الى عوامل أخرى، تدفع بقيادة الحلف الاطلسي للتفكير في التوسع جنوب المتوسط، وهو تحول نقطة الجاذبية في العلاقات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة عن اوروبا الغربية مقابل الاهمية المتزايدة بالنسبة للاستراتيجيا الامنية للولايات المتحدة للمنطقة التي يطلق عليها الجنرال تعبير "الشرق الاوسط الكبير"، ويعني بذلك العالم الاسلامي بشكل عام. كما يؤكد بدوره على ان الفراغ السياسي الكبير في كثير من المناطق الافريقية يستحث الولايات المتحدة لسده حتى لا تتحول الى مراكز لـ"الاصولية" و"الاجرام".[25] وقد تأكد في خلال الايام الاخيرة ان تصريحات جونس هذه جدية بشكل كبير، حيث تناقلت تقارير صحفية مختلفة منذ 22 جانفي2004 انباء عن جهود امريكية وتركية داخل الحلف الاطلسي لإقناع الحلفاء الاوروبيين على ضم دول عربية من جنوب المتوسط بما فيها تونس إضافة الى اسرائيل الى الحلف، وهو ما يمكن ان يُعلن عنه في قمة الناتو في جوان القادم.[26] وليس من الصدفة ان يكون الجنرال جونس احد المصادر الاساسية للتأكيدات الأخيرة حيث كرر بشكل واضح خطط تجديد تركيبة الحلف لتضم الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة وأشار بوضوح الى تونس.[27] وهو ما يشير الى ان إقامة قواعد عسكرية امريكية في تونس يمكن ان يكون تحت غطاء اطلسي يضع تونس ضمن موقع "الحليف" او على الاقل عضو بمرتبة ما ضمن الناتو كما يمكننا ان نضيف الى تغير الرؤية الاستراتيجية للمنطقة، الاهمية الدائمة التي توليها الولايات المتحدة للمنابع النفطية، وحرصها على البقاء بالقرب منها. نشير الى هذا العامل خاصة وان الفترة الاخيرة قد حملت تزايدا في الاكتشافات النفطية في تونس على سبيل المثال. وبالرغم من ان ذلك لا يجعلها دولة نفطية بالمقاييس الخليجية وحتى بالمقياس الليبي او الجزائري، فإن وجود هذه الاكتشافات الاخيرة في الجنوب التونسي ينسجم مع النوايا الامريكية لتركيز قواعد تشرف على الصحراء الكبرى. فقد أُعلن في شهر ديسمبر وحده اكتشاف شركة اجيب بالتعاون مع شركة بريطانية حقلا نفطيا ضخما في منطقة برج الخضراء، ومنح تراخيص للتنقيب النفطي لعدد من الشركات الاوروبية مع الشركة التونسية للانشطة البترولية في مناطق تطاوين ورمادة.[28 ومن المهم التذكير هنا ان أهم الاستثمارات الامريكية في تونس تتركز في مجال الطاقة وخاصة في المجال النفطي وذلك حسب تقرير امريكي صادر سنة 1996. [29] لكن بالاضافة الى النفط التونسي فإن قاعدة عسكرية ولو محدودة في الجنوب التونسي ستكون على مرمى حجر من احتياطيات اكبر بكثير تقع على امتداد المناطق الصحراوية الجزائرية والليبية، كما ان الولايات المتحدة كانت دائما مهتمة بـ"الحفاظ على امن" الاحتياطيات النفطية في غرب القارة الافريقية وخاصة منطقة خليج غينيا، وذلك في إطار توسيع مصادرها النفطية غير ان الرغبة الامريكية في إقامة قواعد عسكرية في المغرب العربي وفي تونس والمغرب تحديدا ليست بالجديدة، وبرغم تغير الظروف فقد كانت دائما حاضرة لدى المسؤولين الامريكيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث كانت التقارير السرية خاصة تلك الصادرة عن مجلس الامن القومي الامريكي حول منطقة شمال افريقيا والتي كانت تصدر مرة كل سنة تؤكد سواء في الفترة الاستعمارية او ما بعدها على اهمية البحث عن صيغ لإقامة قواعد عسكرية امريكية في كل من تونس والمغرب. وحتى خلال المحادثات الاولية الجادة مع الحركات الوطنية وذلك أثناء اقتراب تسلمها السلطة او إثر ذلك كانت هذه النقطة في اعلى سلم الاوليات الامريكية. وأثناء أزمة بنزرت على سبيل المثال وكما ينقل تقرير لوكالة المخابرات المركزية الامريكية بتاريخ 22 جويلية 1961 فقد كان هناك رغبة امريكية لتعويض الفرنسيين في ميناء بنزرت في حالة ما فشل الاخيرون في البقاء هناك.[30 ورغم عدم وجود خطط امريكية محددة ومعروفة خلال فترة طويلة، فإن الرغبة في اقامة قواعد عسكرية في تونس والمغرب تجددت اواخر التسعينات لدى الاوساط العسكرية الامريكية المتمركزة في اوروبا، وتحديدا في ايطاليا. فقد نقلت احد الصحف الامريكية بتاريخ 18 افريل 1999 عن اميرال القوات الجوية الامريكية في ايطاليا تفكير وزارة الدفاع الامريكية في "مواقع تدريب جديدة (للقوات الجوية الامريكية) في تونس والمغرب" بديلة للمواقع التي تعودوا استعمالها في ايطاليا، وذلك إثر الحادث الذي جد سنة 1998 في الاجواء الايطالية بعد اصطدام احدى الطائرات العسكرية الامريكية باحد الكوابل الكهربائية وهو ما ادى الى وفاة حوالي عشرين مواطنا ايطاليا. ويشير الاميرال الامريكي الى ان ما انجر عن الحادث الاخير من تقييد لطيران الطائرات الامريكية على مستوى منخفض، دفعهم للبحث عن مواقع جديدة لا تفرض فيها مثل هذه القيود.[31 ومن الواضح هنا ان الحديث لا يتم على اجراء مناورات مشتركة بل عن قواعد عسكرية جوية تستخدم رسميا لاغراض التدريب وفي الواقع فإن برامج التدريب العسكري المشتركة بين تونس والولايات المتحدة معروفة خلال عقد التسعينات. فهناك مثلا برامج التدريب الروتينية والتي يشارك فيها ضباط تونسيون في اطار برامج تدريب مضيقة تقام في الولايات المتحدة، والتي لا تتعلق فقط باستعمال الاسلحة بل ايضا بصيانتها. فقد نقلت على سبيل المثال احد الصحف في شيكاغو في نوفمبر 1999 مشاركة ضباط تونسيين من سلاح البحرية ضمن تدريبات تتعلق بصيانة الاسلحة الامريكية.[32 من جهة اخرى شارك عسكريون تونسيون ضمن تدريبات في ولاية نيو يورك شملت عددا من الدول وذلك في اطار التعاون بين حلف الاطلسي وقوات "شريكة".[33 مقابل ذلك فقد تم ارسال قوات امريكية مع طائراتها "في مهام عسكرية" الى تونس على الاقل مرة واحدة خلال السنوات الاخيرة. حيث اعلن ضباط امريكيون في حدود شهر افريل من سنة 1999 انه تم ارسال مثل هذه القوات الى عدد من الدول من بينها تونس.[34 لكن عموما لا تشير هذه المعطيات الى وضع جديد، فقد كان التركيز على الدورات التدريبية المشتركة احد النقاط الاساسية في "التعاون العسكري التونسي الامريكي" منذ فترة طويلة. ومن المعروف على سبيل المثال ان الرئيس التونسي الحالي قد شارك في دورات تدريبية مماثلة في بداية حياته العملية. كما ان جزء اساسيا من المساعدات العينية التي تقدمها الولايات المتحدة الى تونس، كانت تتعلق بدعم برامج التدريب العسكري المشترك. واخر ما هو معلوم حول مثل هذا الدعم هو منح الرئيس الامريكي بوش الابن في اوت 2002 (بعد سنة من عرض قرار المساعدة على الكونغرس) ما قيمته خمسة مليون دولار الى تونس في شكل مساعدات عسكرية خاصة ببرامج التدريب.[35 إلا ان النوايا الحالية لا تأتي في ظروف مغايرة فحسب بل تأتي ايضا لتحقيق أهداف مختلفة بعض الشيء عما كانت عليه الاهداف الامريكية خلال الحرب الباردة. حيث نرى في ذلك جزء من الاحاديث الدائرة حول برامج المحافظين الجدد لما يسمى بـ"دمقرطة" المنطقة العربية وهو ما ظهر خاصة من خلال محاضرات ومقالات وما يتسرب عن لقاءات كوندليزا رايس حول هذا الموضوع. وافتتحت رايس حملتها حول "دمقرطة" المنطقة العربية بمحاضرة يوم26 جوان في لندن دعت خلالها "الحلفاء الاطلسيين" للتعاون لتحقيق هدف جديد لا يقل عن هدف إسقاط المعسكر السوفياتي، وهو هدف "دمقرطة" المنطقة العربية التي أضحت في رأيها مصدرا اساسيا للخطر القادم الا وهو "الارهاب العالمي".[36 إثر ذلك بأكثر من شهر وفي مقال بصحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 7 أوت 2003 طرحت رايس نفس الافكار أعلاه بيد أن الروح الخطابية في هذا المقال لم تتح المزيد من وضوح الرؤية عن الخطوات العملية وراء هذا المشروع خاصة حول الدور الذي سيلعبه حلف الاطلسي (الناتو). إثر ذلك بأشهر وتحديدا يوم 6 نوفمبر 2003 تبنى الرئيس الامريكي الافكار العامة لرايس، مع التركيز على إمكانية "تعايش الديمقراطية مع الاسلام" وتجنب الاشارة الى دور الناتو في "استراتيجيا نشر الحرية" هذه، وذلك في خطاب روج له البيت الابيض بأنه "تاريخي" بالنسبة للرؤية الامريكية للمنطقة العربية.[37 وحتى تلك اللحظة لم تتوفر بعد اية تفاصيل عن الخطوات العملية لمشروع "دمقرطة" المنطقة العربية هذا. ولكن مع بداية شهر ديسمبر بدأت بعض الصحف العربية بنشر ما تسرب، على الارجح عبر مصادر اوروبية، من بعض الاجتماعات والمسودات الاولية لمشروع رايس. ففي عدد 1 ديسمبر من صحيفة الحياة، صدر تقرير بعنوان بوش سيطلق مبادرة "الشرق الأوسط الأوسع" للاعتماد على الـ"ناتو" في تحويل المنطقة الى ديموقراطيات". وفي التفاصيل يذكر التقرير ما يلي "وتولت مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي كوندوليزا رايس وضع نظرائها الأوروبيين في صورة هذه "المبادرة"، اذ عرضتها عليهم خلال مأدبة عشاء جمعتهم اخيراً في لندن، على هامش زيارة الرئيس بوش لبريطانيا. وعلم ان معاونها بوب بلاكويل مكلف ببلورة هذه المبادرة والتحضير لها. والفكرة كما عرضتها رايس هي بمثابة "خريطة طريق" لتغيير من المغرب الى المشرق، "على اساس الديموقراطية واحترام حقوق الانسان والحريات"، وتتولى مكاتب لـ"ناتو" تطبيقها ومتابعتها (...) وفي شرحها لـ"المبادرة" قالت رايس ان "أولوية الولايات المتحدة الآن هي تحويل الشرق الأوسط الى ديموقراطيات على النموذج الاميركي، وعبر فتح مكاتب للناتو في عواصم المنطقة لتتولى نشر هذه المبادرة ويضيف التقرير ان عددا من المسؤولين الاوروبيين قد عارضوا هذه الرؤى، وخاصة ما يرتبط منها من تحاليل خاصة في علاقة بالوضع الفلسطيني والدعم الامريكي لحكومة شارون وسياساته. كما علق بعضهم على إقحام الناتو في عملية "الدمقرطة" العربية وأشار الى مسألة اساسية في علاقة مباشرة بما نحاول قوله في هذا المقال، حيث حذر أحد المسؤولين الاوروبيين من "من خطورة"عسكرة العلاقة الاميركية - الشرق الأوسطية عبر استخدام الناتو لهذا "الغرض" وفي الواقع فإنه من المهم التفكير في مشروع "دمقرطة" المنطقة العربية الذي يروج له فريق المحافظين الجدد في علاقة بالخطط العسكرية الامريكية، بما في ذلك توسيع الوجود العسكري بيننا، من الوجود العسكري الكبير في العراق، والذي تحول الى قاعدة عسكرية امريكية كبيرة، الى "الزنابق المائية" في تونس والمغرب وقد أكدت تقارير لاحقة تقرير صحيفة الحياة، خاصة في سلسلة من المقالات التي صدرت في صحيفة الاسبوع المصرية بقلم مصطفى بكري (خاصة في عدد 8 ديسمبر 2003) والتي وفرت تفاصيل اضافية حول الورقة التي بصدد صياغتها مساعد رايس، روبرت بلاكويل. ويضيف احد هذه المقالات ان أحد البدائل المطروحة في "مراقبة وفرض انتخابات نظيفة" في البلدان العربية، والتي تعني بالمناسبة إبعاد "العناصر المشكوك في انها ارهابية او متطرفة" والتي سيتم تحديد قوائم بأسمائها بالتعاون مع الاجهزة الامنية التي تعينها الدكتاتوريات القائمة اصلا، هي الاستعانة بمكاتب للناتو او لهيئة عسكرية اوروبية امريكية مشتركة متفرعة عنها، تضيف الى أقسامها العسكرية اقساما لـ"التطبيق الديمقراطي" و"الحريات" و"احترام معايير حقوق الانسان".[38] وبيدو ان الاراء العامة التي يقوم بصياغتها بلاكويل، استاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، وحتى الاخبار المتعلقة به تستحق انتباها خاصا من الان فصاعدا بفعل تعاظم مكانته السياسية داخل البيت الابيض في الاسابيع الاخيرة (اواخر ديسمبر 2003). حيث تشير تقارير صحفية امريكية الى امساكه باهم ملفات السياسة الخارجية الامريكية وتجاوزه لاهم اعمدتها بما في ذلك رمسفيلد وباول وحتى رايس التي يُفترض انه مساعد لها، حيث اصبح مرتبطا مباشرة بالرئيس الامريكي، ومكلفا منه شخصيا بمهمة "منسق التخطيط الاستراتيجي".[39 وفي الواقع فرغم التهميش الظاهر لبلاكويل في السنوات الاخيرة، بما في ذلك ارساله سفيرا الى الهند سنة 2001، فإنه كان من اهم عناصر الفريق السياسي الحالي للمحافظين الجدد والذي شارك في حملة بوش الابن الرئاسية سنة 2000، والذي اشتهر في تلك الفترة المبكرة بتسمية "فريق البراكين".[40 ولعله من المهم الاشارة في اطار المسائل التي تناولناها اعلاه ان بلاكويل كان ولا يزال متميزا داخل هذا الفريق بدفاعه القوي، حسب بحوثه ضمن "مجلس العلاقات الخارجية"، عن سياسة دفاعية مشتركة بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، وهو ما يفسر على الارجح التركيز الامريكي المتزايد مؤخرا على اهمية دور الناتو في الخطة الامريكية المتوقعة لـ"دمقرطة" المنطقة العربية وعموما فهناك علاقة بين التوجه لإقامة قواعد عسكرية امريكية في المنطقة المغاربية ضمن إطار الناتو والحديث المتزايد عن إقحام الناتو في شؤون سياسية وخاصة فيما يسمى بمشروع "دمقرطة" المنطقة العربية. ويمكن حينها تصور ما هي "الديمقراطية" التي ينشدها المحافظون الجدد في منطقتنا العربية: إقامة تداول سياسي شكلي بدون استقلال فعلي، مع المحافظة على مبدأ اولية المصالح الامريكية على المصالح الوطنية، وطبعا من لا يوافق على هذا المبدأ سيتم تصويره كطرف خطير يهدد الاستقرار وبالتالي معادي لـ"الدمقراطية" خاتمة: حول زيارة ابن علي الى واشنطن وحول ان الاستقلال الوطني شرط اساسي للدولة الديمقراطية من غير المعروف هل ان الاعلان عن الرغبة الامريكية في انشاء قواعد في تونس والمغرب مع شهر ديسمبر كان مجرد مصادفة من حيث تزامنه مع الاعلان عن التفاهم الليبي الامريكي في اواخر نفس الشهر. وقد رافق الاعلان عن الوجهة الاستراتيجية الجديدة لنظام العقيد القذافي حديث عبر، خاصة في حوارات مع ابنه سيف الاسلام، عن استعداد ليبي لتعاون عسكري مع الولايات المتحدة وحتى عن استقبال قواعد عسكرية امريكية. ويأتي ذلك في نفس الوقت الذي تسربت فيه اخبار عن محادثات سرية لتطبيع محتمل بين ليبيا واسرائيل. واذا حاولنا الربط بين هذه الاعلانات، واعتبار تزامنها ليس مجرد مصادفة، فيمكن ان نتحدث انذاك عن ان الاعلان المبكر عن الرغبة في انشاء قواعد امريكية في تونس والمغرب كان ربما سيشوش على المحادثات الليبية الامريكية قبل الاعلان عن التفاهم بين الجانبين خاصة وان ليبيا كانت تنظر دائما بعيون متشككة للنوايا الامريكية. كما ان التوصل لتفاهم مع ليبيا ربما جعل الطرف الامريكي والاطراف المغاربية اكثر ارتياحا من حيث خياراتهم في المنطقة خاصة ان الجميع مؤهلون الان لاستقبال قواعد عسكرية امريكية حيث ستنضاف ليبيا الى قائمة الدول التي يمكن ان تنشئ فيها الولايات المتحدة قواعد عسكرية، وهو ما انعكس في الحوارات الاخيرة لسيف الاسلام القذافي، وبالتالي لن يشعر اي كان بحرج خاص، وكما يقول المثل "إذا عمت خفت". وبعيدا عن هذه التكهنات فمن المؤكد ان الاعلان عن التفاهم الامريكي الليبي ستؤثر على الاستراتيجيا العسكرية والسياسية الامريكية في المنطقة، خاصة اذا ارتمى النظام الليبي بشكل كامل في الحضن الامريكي، وهو ما سينعكس خاصة على الاهتمام الامريكي الخاص بتونس بشكل سلبي ويباشر الرئيس التونسي زيارة رسمية الى الولايات المتحدة للقاء الرئيس الامريكي بوش الابن وذلك اواسط شهر فيفري القادم، إن لم يطرأ اي طارئ كما حدث من قبل. وفي الواقع فإن على ابن علي ان يتوقع هذه المرة جدول اعمال مختلف عن جدول اعمال اللقاء الذي كان سيحدث مع الرئيس كلينتون اواخر الفترة الرئاسية لهذا الاخير والذي ألغي بسبب انشغال الرئيس الامريكي في المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية. وقد كان وزير الخارجية الامريكي قد حدد خلال الندوة الصحفية التي عقدها في تونس في زيارته الاخيرة الى هناك، مسألة "الحريات" كنقطة من النقاط التي ستم فيها الحديث في هذا اللقاء المرتقب. غير انه من الصعب التكهن بما سيطلبه الامريكيون في علاقة بهذا الموضوع من الرئيس التونسي، مثله في ذلك مثل نظرائه من الرؤساء والملوك العرب، خاصة وان مشروع "دمقرطة" المنطقة العربية لا يزال في مرحلة التداول ومن الواضح ان عددا من الدول الاوروبية ليست موافقة على اهم النقاط الواردة فيه. وهو ما يمكن ان نستقرئه على سبيل المثال في تصريحات شيراك اثناء زيارته الى تونس مؤخرا. غير انه من غير المستبعد ان يطلب الامريكيون في هذه المرحلة التهيئة لإقحام الناتو في المعادلات السياسية الداخلية من خلال طلب إقامة قاعدة او قواعد عسكرية محدودة في تونس بداعي محاربة "الارهاب" في افريقيا. بالإضافة الى ذلك سيضغط الامريكيون من اجل إعادة العلاقات الديبلوماسية مع اسرائيل على ما كانت عليه، ومواصلة الضغط في اتجاه ارسال تونس قوات عسكرية الى العراق في اطار "القوات العربية والاسلامية" المحدودة التي يرغب الامريكيون في ارسالها الى هناك في اطار التمويه على تواصل الاحتلال الامريكي للعراق، حيث لن يكتفي الامريكيون بالتعاون الامني القائم حاليا والذي يستهدف المتطوعين العرب في العراق. وفي علاقة بالموضوع الاخير سيستشهد الامريكيون على الارجح بالتجاوب المغربي مع المقترحات الامريكية، كما اعلن عن ذلك وولفويتز مؤخرا، لتشجيع ابن علي على الموافقة على هذه النقطة وفي مقابل ذلك سيواصل الرئيس التونسي التمسك بأهم ثوابت السياسة الخارجية التونسية المتمثلة في العمل على تمتين أهمية الدور التونسي في الاستراتيجيا الامريكية. وفي هذا الاطار سيؤكد على أهمية الدور التونسي في محاصرة المنظمات "الارهابية" بما في ذلك ما نُقل أخيرا عن الجهود الامنية التونسية للتجسس والكشف عن المتطوعين العرب في العراق. كما سيؤكد "دور تونس الايجابي" في خصوص الصراع في فلسطين ومن ذلك الدعم الكامل للمبادرات الامريكية لـ"السلام". غير انه سينتظر مبادرات من دول عربية مجاورة مثل المغرب قبل إعادة العلاقات الديبلوماسية مع اسرائيل، والتي لم تنقطع على كل حال، على ماكانت عليه، مع الابقاء على مستويات التطبيع الاخرى بل وتنشيطها. ومن المرجح ان يواصل ابن علي التقليد التونسي في طلب دعم مالي واقتصادي من الولايات المتحدة، وسيكون احد محاور مطالبه المالية على الارجح، دعم تنظيم مؤتمر المعلوماتية القادم، والذي بدأ في طلب دعمه علنا خلال الاسابيع الماضية. كما سيطالب على الاغلب بعودة المعونات الامريكية التي تتذمر الحكومة التونسية من قطعها. ومن جهة اخرى فحتى إن حاول التهرب من الالتزام باي شيء في علاقة بمسألة القواعد العسكرية، فليس من المستبعد ان يوافق عليها، خاصة في حالة الاتفاق على بقائها ضمن اطار السرية. وعموما فإن إقامة مكتب اقليمي خاص بـ"المبادرة الامريكية" لتغيير الشرق الاوسط في تونس يشير الى الاستعداد التونسي المبدئي للتماشي مع المطالب الامريكية الراهنة، والتي لازالت ضبابية على اية حال. بالاضافة الى ذلك فإن المصالحة القادمة بين النظام الليبي والولايات المتحدة ستؤثر بالتأكيد على المطالب التقليدية للجانب التونسي للحصول على معونات عسكرية حيث كان "الخطر الليبي الداهم" المبرر الرئيسي للنظام التونسي للحصول على مثل هذه المساعدات من الادارات الامريكية المتلاحقة. وبالتالي فمن الممكن ان يلعب الامريكيون في هذه الحالة ورقة المعونات المالية والعسكرية في اتجاه إقامة نوع جديد من "التعاون العسكري" يتيح إقامة قواعد عسكرية امريكية "شبه دائمة "مقابل استمرار تقديم المعونات والصفقات العسكرية الامريكية مع تونس لن نسعى في نهاية هذا المقال الى القيام باي خلاصات نهائية حول الافاق البعيدة المدى لتطور العلاقات التونسية الامريكية، فليس هناك داعي للقيام بذلك اذا لم نتوفر على المعطيات الضرورية. وعموما فلا تتعلق افاق هذه العلاقة فقط بما يجري في تلك "القلعة المنيعة" تونس، بل يتجاوزها الى ظروف اشمل ومنها تطور الوضع في العراق المحتل، وما سيؤول اليه المحافظون الجدد على مستوى نفوذهم في اوساط القرار في الولايات المتحدة. غير انه من اهم العوامل التي ستساهم في بلورة افاق هذه العلاقة هو ما سيقوم به عامة التونسيين، مثلهم في ذلك مثل بقية الشعوب العربية، حيث سيكون لتعاظم دورهم في المشاركة السياسية الاثر الكبير في تحديد تعاضم التأثير الامريكي والاطلسي في المعادلات السياسية الداخلية. وبالمقابل فإن العامل الاساسي الذي سيتيح تعاظم دور القوى الكبرى في تحديد الشؤون الداخلية التونسية، هو التخاذل الشعبي عن الإمساك بزمام الامور في البلاد. ومن المؤكد أن الثوابت التي تحدد رؤية النظام الحالي للعلاقة مع الولايات المتحدة بالاضافة الى ثوابت سياسته الداخلية والتي تقف بعناد ضد احقية الشعب التونسي في ممارسة حقوقه السياسية لن تقوم بإيقاف هذا النفوذ الخارجي المتزايد. وفي كلمة، فإن الثوابت التي يقوم عليها النظام الحالي تقف عقبة امام مستقبل افضل لتونس يحافظ على استقلالها ودورها في استقلال محيطها المغاربي والعربي وحاجزا لا يتيح تحولها نحو نظام ديمقراطي. وما يحاول النظام الراهن ترويجه من أقاويل حول ان سياسته الخارجية تعكس "المصلحة الوطنية" هو غير صحيح لسبب بسيط: على مدى النصف قرن تقريبا، سنحتفل بـ"اليوبيل الذهبي" لاستقلال تونس في سنة 2006، وباستثناء الرئيس وبعض مستشاريه لم يشارك اي من التونسيين في تقرير ليس السياسة الخارجية التونسية فحسب بل وايضا ماهية "المصلحة الوطنية"، والتي يبدو ان تعريفها في قصر قرطاج يقف عند حدود "تنشيط السياحة التونسية" واستمرار حكم الحزب الواحد ربما كان لبعض اراء الرئيس بورقيبة بعض الحكمة، خاصة في علاقة باهمية الحفاظ على توازن دولي. وبالرغم ان تلك المقولة لم تكن تترجم السياسة الفعلية التي كان يقودها، فإنه من الضروري الاقرار بصحتها. إن سياسة خارجية تهتم بالمشاركة في صياغة عالم متوازن القوى هي أحد المبادئ الاساسية التي يجب ان تسعى اليها حكومة ديمقراطية في تونس ولا نعتقد اننا سنقول حقيقة غير مسبوقة عندما نؤكد ان الحكومة الوطنية الوحيدة الممكنة في المنطقة العربية، بما في ذلك تونس، هي بالضرورة حكومة ديمقراطية. ولسنا مطالبين بالقيام بمعادلة جديدة في تونس، حيث تقوم قوى شعبية وسياسية عبر انحاء العالم وبشكل يومي بالتكيف مع الاوضاع الدولية الطارئة لمقاومة الزحف الامبراطوري الجديد وهي تكتشف من خلال تجربتها العملية علاقات اكثر وضوحا بين المسألتين الديمقراطية والوطنية. إن تكيف القوى الوطنية والديمقراطية مع الظروف الدولية الجديدة وتشكيلها لجبهة عالمية مناهضة للعولمة النيو ليبرالية المتوحشة - الرديف الاقتصادي والثقافي للمحافظين الجدد - قد جعلها تكرس فعليا العلاقة الوطيدة بين الخيارين الوطني والديمقراطي في عالم اليوم. ففي نماذج مثل ماليزيا والحكومات الجديدة في امريكا اللاتينية، حيث اعادت القوى اليسارية المتشددة والوطنية رسكلة برامجها وامسكت بالسلطة عبر الاقتراع الحر، وحتى في المثال التركي الى حد ما، نرى كيف ان إرساء ديمقراطيات في دول تواجه هيمنة الحيف الامبراطوري النيوليبرالي، هو الطريق الامثل للتعبير عن موقف وطني مجلجل ومتماسك إن الولايات المتحدة من خلال موقعها المميز وبجميع أطيافها هي أول من يعلم بحقيقة هذه التطورات. وهي تملك في الوقت الراهن بديلين: إما العمل ببرنامج المحافظين الجدد من خلال إرسال الجيوش والدبابات وإقامة القواعد العسكرية و"الزنابق المائية" وتنصيب اشباه الحكومات بشكل يدمر الاساس الاولي للديمقراطية: الاستقلال الوطني. وإما العمل برأي الحكمة، وليست قلة من تؤمن بهذه الرؤية في الولايات المتحدة، والاقرار بانه لا يمكن إقامة الديمقراطية في حالة سلب القوى الوطنية المحلية احقيتها في تمثيل شعوبها بداعي انها "متطرفة" نقول للمحافظين الجدد، الذين يفقهون جيدا تاريخهم الغربي، ولاتباعهم المتوترين من بعض نخبنا العربية، والذين لا يفقهون اي تاريخ: عندما يذكر الكثيرون اثينا في عهدها الكلاسيكي والديمقراطي البدائي، فإنهم يركزون على اهمية انجازها الديمقراطي ونجاحها في إقرار نظام سياسي بدون طغاة. غير ان ذلك لم يكن ليحدث لولا تخلص اثينا من عبودية الامبراطورية الفارسية. وخلال عصرها الديمقراطي كان التغني بملحمة اثينا الوطنية وهزمها للفرس عنصرا قارا يشيع هيبتها ولا يقل عن الافتخار بنظامها السياسي. وفي الدول الغربية الديمقراطية، بما في ذلك الولايات المتحدة، يشغل التغني بالشعور الوطني مكانة مماثلة للفخر بالتعايش الديمقراطي ومستوى الحريات السياسية التي تم تحقيقها، حتى ان اغلب العائلات الامريكية مثلا ترفع بطواعية العلم الامريكي على ابواب منازلها في مشهد يصدم من تعودوا على التفكير بأن مهمة نصب الاعلام هي من اختصاص المصالح البلدية ولجان الاحياء. وإذا زعزعت الاحداث الاخيرة مقولة "الدكتاتور الوطني" وأثبتت ان "دولة وطنية مستبدة" هي المرحلة التي تسبق نهاية الدولة الوطنية ومن ثمة عودة الاحتلال، فإننا يجب ان نتذكر في المقابل ان الديمقراطية، خاصة الاثينية والغربية الشكل، غير ممكنة التحقيق بدون الحفاظ على الاستقلال الوطني |
|
||||||||||||||||||||||
|
© Aqlamonline 2004 |