مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

ثوابت العلاقات التونسية الامريكية
 وافاقها في ظل رؤى المحافظين الجدد للمنطقة العربية

العدد العـــاشر
السنة الثالثة/ فبراير 2004


الأستاذ
الطاهر الأسود (*) 

ربما يعتقد بعض المحللين والباحثين الصدئين في تونس ان مسائل "الاستراتيجيا الاستباقية" وهيمنة المحافظين الجدد على السلطة في الولايات المتحدة وحتى احتلال العراق مسائل بعيدة ولا تمس تونس "المنيعة" والتي تقبع في برجها العاجي كالعادة سائرة في طريقها الذي لا يتأثر بالامواج العاتية للتغيرات الهائلة التي تصيب وأصابت العالم. وطبعا يعتاد بعض المحللين من الصنف الروبوتي الشائع في بلد يحوز المراتب الاولى في التخلف الاعلامي على الترويج لافكار بهلوانية من نوع ان التحولات العالمية "الايجابية" فقط تمس تونس في حين لا يطالها اي من التأثيرات "السلبية"، والتي لا تتعلق بالازمات المالية الدولية فحسب بل تشمل ايضا اوبئة من نوع "حرية الصحافة" و"مكافحة الفساد" و"النضال المعادي للعولمة والصهيونية وعودة الاحتلال". ففي تونس يُمنع التداول في هذه المسائل ووحدها مشيخة الحكم في قرطاج قادرة على التفكير والتدبير والحل والعقد. مقابل ذلك هناك حاجة ملحة ومتزايدة في تونس  للتصدي بشكل أكبر لمواضيع الوضع العربي والدولي وموقع تونس في إطارها العربي الاسلامي والمغاربي. كما ان هناك حاجة ملحة للتخلص من العادات القديمة لبعض الاطراف المعارضة والتي تختزل تحليلها للسياسة الخارجية للنظام التونسي في مقولات "العمالة" و"الخيانة"

وتتواتر المؤشرات سواء العامة والتي تتعلق بالاستراتيجيا الامريكية في المنطقة العربية ككل أو تلك الخاصة بالرؤية الامريكية الراهنة لشمال افريقيا وبتونس بشكل أخص، لتشير الى بعض العناصر بل والمشاريع الجديدة التي يمكن ان تحدد السياسة الامريكية المستقبلية تجاه تونس. غير اننا لن ننحو منحى إخباريا في هذا المقال، فرغم ان الإخبار أمر لا مفر منه بالخصوص عند معالجة التاريخ الراهن فإننا نحتاج الى نظرة اشمل تحاول تحديد الثوابت وتحلل اسباب وآفاق الوضع الحالي. ولهذا سنقوم في هذا المقال بتحليل الثوابت العامة للسياسة الخارجية التونسية، والتي نعتقد انها تعتمد رؤية استراتيجية واضحة - وبالمناسبة ليس وجود استراتيجيا واضحة امر ايجابي في ذاته - أرساها الرئيس الراحل بورقيبة، وهو ما سيأخذنا في احيان كثيرة الى فترات تسبق حكم الرئيس الحالي وحتى الى مراحل الخمسينات والستينات. كما سنحلل الرؤية الامريكية الراهنة لتونس على ضوء المستجدات الطارئة عليها وبهدي الثوابت التي لاطالما حددت سياساتها على اساسها، وهو ما سنقدمه في الاطار الطبيعي لتونس والذي تحرص الولايات المتحدة على معاملتنا ضمنه اي الاطار العربي والاسلامي عامة، ثم الاطار الشمال افريقي خاصة. وسيكون الهدف الاساسي من هذه الورقة التناول الموضوعي وإثارة نقاش مثمر حول العلاقة بين الاستراتيجيا العسكرية العدوانية للولايات المتحدة ودعواتها الراهنة الى "التحويل الديمقراطي" للمنطقة العربية، والتي يجب ان نتذكر - وهو الامر الذي تحرص على نسيانه بعض القوى السياسية في تونس - انها تشمل تونس. ثم سنتعرض بعجالة وفي شكل خاتمة الى المواضيع التي نخمن انها ستدور حولها زيارة الرئيس التونسي الى واشنطن خلال شهر فيفري، بالاضافة الى بعض التأملات حول العلاقة الوطيدة بين المسألتين الديمقراطية والوطنية. ونوضح هنا اننا لن نتعرض الى السياسة الخارجية التونسية بشكل عام، بل الى العلاقات التونسية الامريكية بشكل خاص. وأخيرا نشير الى ان الوثائق التي اعتمدنا عليها، وبعضها يتم نشره للمرة الاولى، حددت بشكل كبير المحاور التي ينتظم حولها هذا المقال.

1.الاستراتيجيا الخارجية التونسية: الحرص على لعب دور في الاستراتيجيا الامريكية

لم يعد لا من الغريب ولا أمرا جديدا ان الحكومة التونسية تلعب دورا اقليميا يبدو للكثيرين أكبر بعض الشيء من حجم البلاد السكاني والمادي. فقد قامت بدور خاص في المبادرات والسياسات الامريكية ليس في المغرب العربي فحسب بل على المستوى العربي بشكل عام. ففي تونس تمت أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات جولات أساسية من الاتصالات السرية ثم المفاوضات الرسمية الاولى من نوعها لمنظمة التحرير الفلسطينية مع الادارة الامريكية (من خلال سفيرها في تونس جورج بيليترو الابن ثم بمشاركة دنيس روس). وعلى سبيل المثال فإن المعطى الاساسي الذي ركزت عليه الصحف الامريكية اثناء زيارة الرئيس الحالي الى الولايات المتحدة في شهر ماي 1990 كانت الاقاويل حول رسالة شفوية حملها من زعيم منظمة التحرير الى الرئيس بوش.[1 كما لا ينفك النظام التونسي عن التركيز وبشكل علني على الدور الاساسي الذي لعبه في التوصل الى اتفاقيات اوسلو وفي الاتصالات السرية التي سبقته. وفي تونس أو عن طريقها تمت اتصالات هامة ومباشرة بين الحكومتين الليبية والامريكية في اتجاه تحريك ملف لوكربي وإنهاء القطيعة الليبية الامريكية، وليس تسرب أخبار عن لقاء في تونس خلال شهر ماي الماضي بين العقيد القذافي وجورج تينيت، مدير وكالة المخابرات المركزية الامريكية، إلا مؤشرا على ذلك (صحيفة الشرق الأوسط  24  ماي 2003). وبعد التطور الكبير للمحادثات الليبية الامريكية مؤخرا يبدو ان الجانب التونسي قد اصر  على الجانب الامريكي ان يعلن عن "الدور الايجابي الذي لعبته تونس"، كما صرح بذلك كولن باول خلال زيارة بن يحيى الى الولايات المتحدة بداية شهر جانفي 2004. أما في الحالة العراقية فقد دار بعض الحديث حول احتمال ان تكون زيارة وزير الخارجية التونسي الحبيب بن يحيى الى العراق ولقائه الرئيس العراقي قبيل بدء الحرب بايام تبليغا لرسالة من اطراف دولية الى صدام حسين بالتنحي عن السلطة من جملة عدد من الرسائل التي وجهت اليه بشكل غير مباشر من الطرف الامريكي في تلك الفترة شديدة التوتر. والاهم من ذلك ان هناك معطيات كافية مؤخرا تشير الى ان الطرف التونسي قد انتقل عمليا الى المساهمة في محاربة المقاومة العراقية تحت غطاء محاربة "الارهاب" حيث اشارت صحيفتا التايمز والاستراليان مؤخرا (23 جانفي 2004) ان عناصر سرية من الامن التونسي بالاضافة الى الاجهزة الامنية الجزائرية والمغربية هي بصدد المشاركة في الشبكة العملياتية للمخابرات الامريكية والبريطانية في العراق، حيث يلعب هؤلاء دورا اساسيا في اوروبا، وعلى الحدود العراقية السورية، وحتى في داخل العراق (الفلوجة والرمادي)، في الكشف عن شبكات المتطوعين العرب التي تدعم المقاومة العراقية.[2  

وليست هذه المؤشرات العامة لاسس السياسة الخارجية التونسية اثر 7 نوفمبر 1987 الا استمرارا لاستراتيجيا وضع اسسها وقادها الرئيس السابق الحبيب بورقيبة منذ قيام الدولة الوطنية بل وقبلها بسنوات. وبالرغم انه لا توجد وثائق كثيرة من تحرير النظام تنظٌر لهذه الاستراتيجيا فإن ذلك لا يعني غيابها. وسنحاول هنا توضيح الملامح العامة للاستراتيجيا التونسية من خلال وثائق ودراسات نادرة الاستعمال

- الاهتمام الكبير بتوثيق العلاقات مع اسرائيل كحجر زاوية لعلاقات تونس الدولية وخاصة مع الولايات المتحدة

في مقال نادر للحبيب بن يحيى - وزير خارجية النظام في أغلب الفترة الممتدة من 7 نوفمبر 1987 الى الان - عندما كان سفير تونس في الولايات المتحدة سنة 1985، وضح المسؤول التونسي اهم اسس السياسة الخارجية التونسية.[3 وفي اطار حديثه عن الدور الاقليمي للحكومات المغاربية بشكل عام حرص بن يحيى على التركيز على ان رؤية بورقيبة، ومن ثمة تونس، لـ"حل سلمي" للصراع العربي الاسرائيلي تلعب دورا رئيسيا في تعميق العلاقات التونسية (والمغاربية) الامريكية.

وربما يعتقد الكثيرون خطأ ان الطريق التونسي الى تل ابيب كان اساسا من خلال واشنطن. وبالرغم من صحة ذلك جزئيا، فإن الطريق المعاكس - من تونس الى واشنطن عبر تل ابيب - كان اكثر اهمية. وفي الواقع توضح احدى الدراسات الهامة المتعلقة بتطور علاقات دول المغرب العربي باسرائيل منذ اواسط القرن، والتي اعتمدت على عديد الوثائق الاسرائيلية التي رفعت عنها السرية مؤخرا، ان حرص بورقيبة الشديد - وذلك حتى قبل وصوله الى السلطة- على تمتين علاقته بالولايات المتحدة كان مرتبطا بقوة بمسار تقوية علاقاته بأطراف اسرائيلية مختلفة بما في ذلك الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة.[4 وكانت هذه الاتصالات المستمرة قد بدأت بشكل مبكر وذلك منذ 25 جوان 1952 من خلال لقاء الباهي الادغم في نيويورك بممثل اسرائيل في الامم المتحدة انذاك والتي قام خلالها المبعوث التونسي بـ"طلب الدعم الاسرائيلي" لمطلب الاستقلال التونسي، كما اكد الباهي الادغم في نفس اللقاء ان حزب الدستور لم يكن وراء الهجمات "المعادية لليهود" في تونس انذاك. وبشكل متزامن دعا بورقيبة في حوار مع صحيفة لوموند الفرنسية في جوان 1952 الى ضرورة قيام الاطراف العربية بتسوية سياسية مع اسرائيل. واكد نفس الرؤية حين وجوده بالمنفي ضمن المجال الفرنسي سنة 1954  لـ"ألك استرمان" مدير المكتب السياسي للمؤتمر اليهودي العالمي بلندن. ومن المثير ان الطرف الاسرائيلي - اكثر ربما من الطرف التونسي- كان مترددا في إعلان هذه العلاقات لتجنب إغضاب سلطات الاحتلال الفرنسي 

غير انه وبعد سنوات قليلة ستأخذ هذه الاتصالات التونسية الاسرائيلية منحى اكثر جدية وذلك في اطار عمل الجانب التونسي على تطوير علاقاته بالولايات المتحدة. ويأتي في هذا الاطار لقاء مهم جدا بالنسبة لصياغة رؤية بوقيبة للسياسة الخارجية التي يجب ان تلعبها تونس في المستقبل وهي على ابواب إنهاء الاحتلال العسكري الفرنسي. ففي شهر فيفري 1956 وخلال المفاوضات الدائرة في فرنسا حول الاستقلال التقى بورقيبة السفير الاسرائيلي بباريس ياكوف تسور، وبعد سماعه ملاحظات عديدة لبورقيبة تتلخص في "كرهه" لعبد الناصر وسياسته في المنطقة، نصح السفير الاسرائيلي بورقيبة النصيحة التالية: ان عليه "ضمان دعم اليهود الامريكيين للحصول على دعم اقتصادي امريكي".

وبالاضافة الى التعاون الاقتصادي المباشر بين الحكومتين والذي انطلق بشكل فعلي مع لقاء السفير الاسرائيلي تسور في 3 اكتوبر 1956 بوزير المالية التونسي، فإن اهم ثمار هذه العلاقة خاصة بالنسبة لتطوير العلاقات التونسية الامريكية كان مع اواسط الستينات. ففي ماي 1965، أي بعد اقل من شهرين من خطاب اريحا الشهير وجولة بورقيبة المثيرة في المشرق العربي في مارس 1965، سافر بورقيبة الابن والذي كان وزير الخارجية التونسي وحامل اسرار ابيه انذاك الى واشنطن في زيارة هدفها طلب الدعم المالي الامريكي. واستجابة لطلبه فقد طلبت وزارة الخارجية الامريكية من اسرائيل التوسط للجانب التونسي مع حكومتي فرنسا والمانيا الغربية للحصول على دعم مالي يقدر بـ20 مليون دولار، كما طلب الامريكيون في نفس الاطار من اسرائيل شراء الخمور التونسية. وتلاحظ الوثائق الاسرائيلية في هذا الاطار ان موافقتها على الاستجابة للمطالب الامريكية كان في اطار املها ان تساهم الحكومة التونسية في تشجيع حكومات عربية "معتدلة" اخرى من اجل "إفشال أو تخريب الجهود المصرية والسورية للوحدة العربية".[5

وتزايدت اثر ذلك العلاقات التونسية الاسرائيلية توثقا حسب هذه الوثائق لتشمل احيانا الجوانب الامنية، حتى انها تشير على سبيل المثال الى تنسيق جهاز المخابرات الاسرائيلي الموساد مع الامن التونسي في ترتيبات حماية بورقيبة خلال زيارته الى ليبيريا في نوفمبر 1965. كما قامت وزارة الخارجية الاسرائيلية - من خلال طرف ثالث مقرب منها (رئيس "جامعة البرازيل") وذلك تجنبا "لإحراج بورقيبة"- باقتراح اسمه كأحد المرشحين لجائزة نوبل للسلام لسنة 1966. وخلال نفس الفترة أقام الطرفان خلية اتصال دائمة من خلال سفيريهما في باريس: السفير التونسي محمد المصمودي والسفير الاسرائيلي والتر ايتان وذلك بحضور الموساد الاسرائيلي. كما التقى المصمودي مرة على الاقل بوزير الخارجية الاسرائيلي انذاك ابا ايبان وذلك بمنزل البارون دي روتشيلد. بالاضافة الى وجود قناة اتصال اخرى من خلال استرمن مدير مكتب لندن للمؤتمر اليهودي العالمي والذي كانت له علاقة قديمة ببورقيبة كما اشرنا الى ذلك سابقا.

ومن اهم النقاط التي يمكن التأكيد عليها في علاقة بالنقاشات التي تمت عبر قنوات الاتصال هذه هي الطلب التونسي  من خلال محمد المصمودي (مثلا في لقاء يوم 4 اكتوبر 1966 بين الاخير واسترمن) لدعم اليهود في الغرب لتونس ماليا واقتصاديا عموما، وذلك لتجنب علاقة مباشرة ومكشوفة بين الطرفين وهو الامر الممكن في حالة الاعتماد على يهود يحملون جنسيات اخرى غير الاسرائيلية. وقد أثمرت هذه الاتصالات الاتفاق على ما يلي:

أولا، الاتفاق على إقامة علاقات على اعلى المستويات بين الجانبين التونسي والاسرائيلي مع الحذر والامتناع في الظرف الراهن عن ترفيع هذه الاتصالات الى مستوى العلاقات الديبلوماسية. في نفس الوقت دعا الجانب الاسرائيلي الجانب التونسي إلى مواصلة الدعوة لـ"حل سلمي" مع اسرائيل الى ان  تنضم اصوات اخرى اليه، وحتى "يغرق العقل العربي" في مثل هذه الاطروحات

ثانيا، تكريسا لمطلب دعم يهود غربيين لتونس فقد التقى مسؤول مالي تونسي رفيع المستوى (محمد صفر) باسرائيليين لمناقشة امكانيات الاستثمار الاسرائيلي في تونس تحت اغطية مختلفة للتمويه. وقد تم الاتفاق حسب هذه الوثائق على مجموعة من المشاريع وهي كالتالي: بناء نزل في المهدية برأسمال مشترك بين محمد صفر والمجموعة المالية للبارون ادموند دي روتشيلد، وتطوير مصنع للزجاج في تونس العاصمة، وتوفير اثاث للنزل من اسرائيل عبر شركة في بريطانيا

ثالثا، تم الاتفاق على عمل اسرائيل على تحسين العلاقات التونسية الفرنسية والتي تدهورت منذ سنة 1961، بالاضافة الى التدخل لدى الحكومتين الامريكية والالمانية للحصول على مساعدات مالية وعسكرية

رابعا، "تفاعلت اسرائيل" مع رغبة الجانب التونسي في مساعدته من اجل توسيع استثماراته السياحية، وذلك بدعم خطوات تم بدؤها منذ الاشهر الاخيرة لوجود غولدا مائير في منصبها بوزارة الخارجية الاسرائيلية، حيث طلبت من السفير الاسرائيلي بواشنطن حث اليهود الامريكيين على اضافة تونس الى قائمة رحلاتهم السياحية، وحسب هذه الوثيقة فقد وصلت وفود منهم الى تونس منذ نهاية سنة 1965

خامسا وأخيرا، العمل على تكثيف التعاون في المجال الزراعي.

وتشير الوثائق الى انه تم الاتفاق على الحفاظ على السرية المطلقة بالنسبة لهذه النقاط.

إثر ذلك لا توجد وثائق مهمة عن طبيعة تطور العلاقة. غير أنه من المعروف ان تونس كانت من اول الدول العربية إثر اتفاقيات اوسلو تفتح مكتبا للاتصال في اسرائيل، رغم تقطع هذه العلاقة بسبب وصول حكومتي نتنياهو وشارون الى السلطة، وعودة توتر الصراع في المنطقة. غير ان اللقاءات الرسمية والزيارات المتبادلة (اخرها زيارة الوفد الصناعي الاسرائيلي الى مؤتمر دولي في تونس اواسط ديسمبر 2003) لم تنقطع. كما ان هناك تقارير متزايدة حول امكانية اعادة تنشيط التطبيع السياسي مع اسرائيل وتزايد الاتصالات مع وزير الخارجية الاسرائيلي شالوم كوهين ذي "الاصل التونسي" خاصة في الاسابيع الاخيرة من شهر جانفي 2004، ولا يبدو ذلك منفصلا عن الزيارة المرتقبة للرئيس التونسي الحالي الى الولايات المتحدة.[6  

بقي ان نشير الى ان النشاط المخابراتي الاسرائيلي في تونس قد وصل الى مستوى قياسي منذ وصول منظمة التحرير الفلسطينية الى تونس سنة 1982، ولا يتعلق ذلك بوجود بعض العملاء من الاوساط الفلسطينية للموساد مثل (نائب السفير الفلسطيني في تونس عدنان ياسين وابنه هاني) فحسب بل شمل ايضا - حسب تصريحات مصادر مخابراتية اسرائيلية نقلتها عنها صحف امريكية - "مسؤولين تونسيين رفيعي المستوى" بالاضافة الى عناصر من الامن التونسي ساهمت مثلا بعلم ومن دون علم (معتقدة انها تعمل مع مخابرات اوروبية) في التحضير الاسرائيلي لعملية اغتيال ابو جهاد.[7] لكن ذلك وحده إن كان صحيحا لا يعني بالضرورة وجود تنسيق مخابراتي بين الجانبين خاصة في علاقة بهذه الاحداث

وعموما فإن تواصل المراهنة على علاقات خاصة ولو سرا مع اسرائيل مثلت وستمثل نقطة ثابتة بالنسبة للنظام الحالي والذي لا يقوم الا بمواصلة السياسة التي ارساها الرئيس الراحل. وكما اشار الى ذلك الحبيب بن يحيى بالاضافة الى دراسات أخيرة فإن الرؤية التونسية لتسوية "سلمية" مع اسرائيل كانت احد مفاتيح العلاقة القوية للحكومة التونسية بالحكومات الغربية بما في ذلك الحكومة الامريكية.[8] ولعلنا نتذكر ان احدى الخطوات التي قام بها الرئيس التونسي الحالي أثناء زيارته الى الولايات المتحدة سنة 1990 هي مخاطبته بشكل خاص الجالية اليهودية التونسية المقيمة في امريكا ودعوته لها لزيارة تونس، وهو ما يذكرنا بالنصيحة التي وجهها السفير الاسرائيلي في باريس الى بورقيبة سنة 1956 حول اهمية الاعتماد على اليهود الامريكيين للتقرب من الولايات المتحدة

- رؤية بورقيبة لنفسه كشخصية دولية تدعم الولايات المتحدة: رسالة بورقيبة الى الزعيم الفيتنامي هو شي منه نموذجا

رغم مرور اكثر من ست عشرة سنة على نهاية حكم بورقيبة فإن طيفه لايزال يحوم على السياسة الخارجية التونسية، كما ان الثوابت التي ارساها في علاقة بقراءة الساحة الدولية تتجاوز شخصه ولا تزال مطابقة لقراءة النظام الراهن. ولقد كان دائما من الواضح ان من العناصر الاساسية المكونة للسياسات التونسية هي الشخصية الخاصة والمعقدة للرئيس الراحل. غير ان ما يجب توضيحه هنا ان الخصائص الشخصية لهذا الاخير لم تكن منفصلة بل كانت منسجمة مع إجماع لدى جزء من الطبقة السياسية في تونس - ولا يشمل ذلك التيار المهيمن في حزب الدستور فحسب بل ايضا بعض الاطراف المعارضة خاصة منها تلك المقربة من بعض الاوساط الغربية والفرنسية تحديدا - على إستراتيجيا عامة للسياسة الخارجية التونسية والتي تواصلت حتى في غياب شخصه. وبمعنى آخر فشخصية بورقيبة كانت تخدم تلك الاستراتيجيا اكثر من العكس.

وليس خفيا ان من الملامح المشهورة عن شخصية الرئيس الراحل هي اعتقاده بأنه كان شخصية عظيمة تستحق بلدا اكبر من تونس ودورا اقليميا بل دوليا اكبر بكثير مما كان يقوم به. وفي الواقع فإن احد وثائق أرشيف وزارة الخارجية الامريكية التي رُفعت عنها السرية مؤخرا تعطينا فرصة نادرة للتوغل في رؤية بورقيبة لدوره الشخصي على المستوى الدولي، كما تؤكد النقطة الرئيسية في الاستراتيجيا الخارجية التونسية والتي اشرنا اليها اعلاه: الحرص التونسي الشديد على إيجاد دور في الاستراتيجيا الامريكية

الوثيقة "سرية" بتاريخ 24 افريل 1968 مرسلة من السفارة الامريكية في تونس الى وزارة الخارجية الامريكية ورفعت عنها السرية في 6 فيفري 1992 تتمثل في ترجمة سريعة (وكثيرة الاخطاء اللغوية) الى اللغة الانجليزية لرسالة مكتوبة باللغة الفرنسية موجهة من بورقيبة الى الزعيم الفيتنامي هو شي منه بتاريخ 20 مارس 1968. وتشير ملاحظات السفير الامريكي المكتوبة على نص الوثيقة الى أنه تسلمها من قبل وزير الخارجية التونسي، وحسب التواريخ المذكورة فإن الجانب التونسي لم يسلم الامريكيين الرسالة الا بعد حوالي الشهر من إرسالها، لأسباب غير واضحة.[9

وتبدأ الرسالة بأسلوب ليس غريبا على بورقيبة، إذ يقول، موجها حديثه الى هوشي منه:

"أنتم وأنا من الشيوخ الحكماء الذين ينتمون الى تلك المجموعة الصغيرة من الرجال الذين وهبوا حياتهم لتحرير وبناء بلدانهم (...) أنتم وأنا، سيدي الرئيس، اتجهنا لتحقيق هذا الهدف اخذين في الاعتبار خصوصيات بلداننا المختلفة (...)وذلك، بدون شك، هو السبب الذي يُفسر لماذا (...) نظهر كأننا نقف على الطرف النقيض من بعضنا البعض. وهذا انطباع خاطئ بطبيعة الحال لأن كلاّ منا قد جعل من الاساسي الحفاظ على استقلال بلاده بالاضافة الى الاحترام الذي يكنه كل منا للاخر، ولهذا السبب أتوجه اليكم مرة أخرى كمقاتل يخاطب مقاتلا."

وبعد الإشارة الى رسالة سابقة وجهها بورقيبة الى هو شي منه في سنة 1967 والى جواب من الاخير ارسله الى بورقيبة بتاريخ 23 فيفري 1967، يكرر بورقيبة طلبه من الزعيم الفيتنامي العمل على "إعتماد كل الاساليب الممكنة بما في ذلك التفاوض، تجنيبا للشعب الفيتنامي ويلات الحرب". لتفسير هذا المطلب يقدم بورقيبة تحليله للحرب الفيتنامية كالتالي (نقدم هذه المقتطفات من الرسالة ليس لاهميتها في سياق هذا المقال فحسب بل لأنها ايضا هامة في ذاته لندرتها ولاهمية التحليل السياسي الوارد فيها خاصة بالنسبة للظروف الدولية الراهنة): 

"لقد درست تاريخ شعبكم وأعرف قدرته الاستثنائية على التحمل وحبه للحرية. وبالاضافة الى ذلك اخذ في الاعتبار ما تفرضه الظروف الجغرافية لبلادكم عليكم من ضرورات. كما أعرف الولايات المتحدة، والرجال الذين يحكمون ذلك البلد، ونفسيتهم والظروف التي تحكمهم في تقرير سياساتهم الداخلية والخارجية (...) وأخذا بالاعتبار كل ذلك بالاضافة الى الوضع السياسي والعسكري في الفيتنام الجنوبية، والرأي العام الامريكي والعالمي، فإنني ارى انه من الضروري اكثر من أي وقت مضى البحث عن حل مشرف يخرج الفيتنام من هذا الصراع المدمر. ففي الميدان العسكري النصر الجزئي ممكن غير ان النصر الكلي مستحيل. طبعا انا على علم ان البعض يرى ان للعمليات العسكرية اثر نفسي كبير (...) وانه مع طول الحرب فإن المواطن الامريكي سيتعاظم قلقه وسيدفع حكومته للانسحاب. غير أنه يجب التخوف، وعلى الزعيم المسؤول قراءة حساب هذه الفرضية، من ان مثل هذه الحسابات يمكن ان تنتهي الى الفشل (...) وبالنسبة لي فإنني اضيف ان انتصارا على الولايات المتحدة في مثل هذه الظروف، على ما يسمى بـ"النمر من ورق" الامريكي، لن تكون لا في مصلحة التوازن الدولي ولا في مصلحة سلام واستقلال الفيتنام".

ويمضي الرئيس التونسي الراحل لينصح الزعيم الفيتنامي بأنه "من الضروري ان يبقي المرء باب التعاون مفتوحا مع كل القوى الكبرى.&quo