|
مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين |
|
|
في اطار تحليل الرؤية الامريكية
|
العدد
العـــاشر |
|
|
ملاحظات حول المواقف الامريكية من دورالاسلاميين عامة والحركة الاسلامية في تونس خاصة في عملية البناء الديمقراطي الأستاذ الطاهر الأسود (*) "هؤلاء الاوتوقراطيين (في العالم العربي) يحاولون القول: 'حسنا لولانا لوجدتم انفسكم وجها لوجه مع هؤلاء الاسلاميين 'الاصوليين'. هؤلاء الاشخاص يعشقون هذه الحجة اي ان الاسلام يقف عقبة في الطريق لأن ذلك يبرر تواصل حكمهم الاوتوقراطي." 1 نوح فلدمان - كبير مستشاري بريمر ومؤلف كتاب "ما بعد الجهاد" - 30 سبتمبر 2003 "(...) مثلا رجل علماني قوي (مثل بن علي تونس او صدام من دون وحشية). فهذا المخرج سيكون له بعض ملامح ترسيخ الاستقرار (في العراق) على الاقل على المدى القصير."2 مقتطف من تقرير لـ"مجلس المخابرات القومي" التابع لوكالة المخابرات المركزية الامريكية في الاحتمالات المستقبلية التي سيتطور اليها نظام الحكم في العراق - 8 ديسمبر 2003 لا يخفى على اي كان ان احد المسائل الرئيسية بالنسبة للنقاش حول المسار الديمقراطي في المنطقة العربية عموما بما في ذلك تونس، هي مسألة وضع الحركات الاسلامية في علاقة بهذا المسار. و بالنسبة للولايات المتحدة فمن المعروف ان احد المخاوف الشائعة لدى السياسيين الامريكيين هو "خطر" سيطرة المناهضين للسياسات الامريكية، بما في ذلك الاسلاميين، على اي انتخابات جدية يمكن ان تقام في الاقطار العربية. لهذا نرى ان احد الزوايا الاساسية التي يمكن من خلالها التعرف على حقيقة الرؤية الامريكية لمسألة الديمقراطية السياسية في الاقطار العربية بما فيها تونس هي موقفها من الحركات الاسلامية ودورها بالنسبة للبناء الديمقراطي. ويلخص الاستشهادان اعلاه بعناية احدث المؤشرات على وجهتي نظر تتنازعان الادارة الامريكية الحالية في علاقة بمسألة موقفها من "ديمقراطية اسلامية" ومن الدكتاتوريات العربية الحالية. و يشمل هذا النزاع مسائل اخرى متداخلة وبنفس الاهمية الاجرائية بالنسبة للسياسة الامريكية في المنطقة مثل: الموقف الواجب اتخاذه من الحركات الاسلامية وهل فكر كل الاسلاميين مماثل لفكر القاعدة؟ وهل هناك اسلاميون معتدلون؟ وهل من الضروري بالنسبة للولايات المتحدة فرض إقامة أنظمة علمانية في المنطقة العربية؟ وهل ان حكومة يقودها اسلاميون هي بالضرورة حكومة غير ديمقراطية؟...الخ. خلفية وجهة النظر الامريكية المتطابقة مع الموقف التونسي القائل بتعميم تهمة "الارهاب" على جميع الحركات الاسلامية على العكس من الموقف الفرنسي العام - بفصائله اليمينية واليسارية المهيمنة على الساحة السياسية - والذي يعرف انسجاما فيما يتعلق بالموقف الاستئصالي تجاه الحركات الاسلامية من اللعبة السياسية، وفي التعصب ضد اي مشاركة اسلامية فعلية في الحكم، فإن الموقف الامريكي يعرف انقساما معلنا، و لم تغير احداث 11 سبتمبر من جوهر هذا الانقسام. غير ان الاستتباعات السياسية للموقف الفرنسي، تتطابق مع موقف امريكي سائد لدى عديد الاطراف الامريكية المؤثرة في تقرير السياسية الامريكية. فبالرغم من اختلاف اسس مثل هذا الموقف الامريكي عن الموقف الفرنسي الا انه يلتقي معه على مستوى الاستنتاجات والسياسة العملية الواجب اتباعها، و التي تتلخص في اقصاء الاسلاميين من المشاركة السياسية الداخلية وتعميم تهم "التطرف" و"الارهاب" عليهم، اي عمليا موقف يدافع عن إقامة "ديمقراطيات" عربية من دون اسلاميين، حسب وصف تقرير صحفي امريكي تمت صياغته اثناء تصاعد الازمة الجزائرية سنة 11992.[3] و الازمة الجزائرية مدخل مناسب هنا، ليس لأهميتها بالنسبة لتطور الاوضاع في تونس فحسب بل ايضا لملاحظة التقارب الامريكي الفرنسي من جهة والنزاع الامريكي الداخلي حول مسألة المشاركة السياسية الفعلية للاسلاميين في السلطة من جهة اخرى. وبطبيعة الحال ليس هناك الى حد الآن وثائق رسمية تكشف اسرار الموقف الامريكي خلال الازمة الجزائرية، غير ان كتابات حديثة تكشف لنا ما خلف كواليس الموقف الرسمي. ففي مقدمة مؤلفه الهام الذي نشر أخيرا "ما بعد الجهاد" (After Jihad)، لاحظ القانوني الشاب نوح فلدمان Noah Feldman المقرب من الاوساط الرسمية الامريكية والذي يلعب دورا مهما في صياغة الموقف الامريكي الراهن تجاه الظاهرة الاسلامية أهمية تطور الوضع الجزائري في صياغة الموقف الامريكي من الظاهرة الاسلامية بشكل عام. 4 ويكشف فلدمان كيف ان توتر الحكومة الفرنسية وموقفها المناهض من قيام حكومة جزائرية بأغلبية اسلامية قد ساهم في حسم الموقف الامريكي في اتجاه دعم انقلاب الجيش الجزائري على المسار الانتخابي، وهو ما تجسد في تصريح لمساعد وزير الخارجية الامريكي في بداية التسعينات ادوارد دجيريجيان لمح فيه الى اعتقاد الادارة الامريكية بحتمية انقلاب اي حكومة اسلامية الى الدكتاتورية حتى لو وصلت الى الحكم عبر المسار الديمقراطي، وهو ما يشير الى الموقف الذي ستتمسك فيما بعد بترديده الحكومة التونسية في جميع المحافل الدولية، حول تعميم تهمة "التطرف" على ظاهرة الاسلام السياسي. مثال آخر عن موقف بعض الساسة الامريكيين المعادي للحركة الاسلامية اساسا، لكن في علاقة بالحركة الاسلامية التونسية هذه المرة، هو ما أحاط بمحاولة زيارة رئيس حركة النهضة، الشيخ راشد الغنوشي، الى الولايات المتحدة سنة 1994 من اشكالات. 5 فقد كان مقررا ان يشارك الغنوشي كمتحدث رئيسي في لقاء حول الشؤون الاسلامية بجامعة "جنوب فلوريدا" في اواسط شهر ماي من تلك السنة، غير ان احتجاجات قوية صدرت رئيسيا من بعض الاوساط المؤثرة في الكونغرس الامريكي، اتهمت الغنوشي بـ"التحريض على الارهاب" وبالتالي دعت الى عدم تمكينه من الحصول على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة. وبفعل قوة نفوذ هؤلاء، ومع التردد الواضح انذاك للموقف العام لوزارة الخارجية الامريكية، مُنع الغنوشي في النهاية من دخول الولايات المتحدة وهو ما ادى الى احتجاج الباحثين الامريكيين المنظمين للندوة، والغائهم لها. ومما يثير الانتباه بالنسبة للتصريحات التي ادلى بها المعارضون لهذه الزيارة هو حرصهم على تشبيه الغنوشي بشيخ الجماعة الاسلامية المصرية عمر عبد الرحمان، والذي اتهمته الحكومة الامريكية بالتورط في هجمات ارهابية في نيويورك قبل ذلك بسنة. و قد بالغ البعض انذاك في مدى تأثير معارضة الحكومة التونسية للزيارة في قرار منعها، وخاصة حول "الضغوطات" التي قامت بها. فسبب تجند اسماء كبيرة من الاوساط السياسية الامريكية في تلك الحملة لا يرجع بالتأكيد لتدخل النظام التونسي. ومن الاسماء المعروفة التي قادت الحملة لمنع الزيارة عضوا مجلس الشيوخ الجمهوريين والمعروفين بدعمهما المطلق لاسرائيل، الفونسو داماتو وجيسي هلمز. و لم تكن مشاركة اوساط اللوبي الاسرائيلي في التصدي لهذه الزيارة محصورة في اعضاء الكونغرس، بل شملت بشكل علني الجمعية الاساسية الممثلة للمصالح اليهودية في الولايات المتحدة "جمعية مكافحة التشهير". وفي الواقع لم يكن هذا الموقف مبنيا على فراغ فقد قدم المعترضون على الزيارة سواء في رسالتهم الى الخارجية الامريكية او في حملتهم الصحفية، مؤشرات كثيرة، تفسر موقفهم المتصلب. وتتلخص اساسا في تصريحات معادية للاحتلال الاسرائيلي وللحرب الامريكية على العراق يدعو فيها الغنوشي لشرعية المقاومة المسلحة للاحتلال. غير انهم لم يقدموا اية معطيات جديدة حول التهمة الاساسية التي قدموها للخارجية الامريكية والقائلة بتخطيط الغنوشي لعمليات ارهابية في تونس وذلك بناء على نص محاكمة النظام التونسي له بداية التسعينات والتي شككت في عدالتها الاوساط الامريكية المهتمة بحقوق الانسان. وفي الواقع تعكس لنا هذه الحادثة مسألة اساسية تفرق بين موقف بعض الساسة الامريكيين القاضي بتجريم الاسلاميين جملة وتفصيلا عن نظرائهم الفرنسيين. فالخلفية الاساسية لموقف الامريكيين هو موقف الحركات الاسلامية من اسرائيل، وبالنسبة لهم فما دام هؤلاء يرفضون التطبيع ويدعمون المقاومة فإنهم "متطرفون". وبالتالي فالموقف الامريكي المناهض للتيارات الاسلامية هو بالاساس موقف سياسي وليس له علاقة بحجة تهديد الاسلاميين للديمقراطية وبالتاكيد ليس له علاقة بمسألة فصل الدين عن الدولة. وحتى تكتمل الدائرة نشير في المقابل الى حرص الحكومة التونسية منذ امد طويل على كسب الاطراف الامريكية المؤثرة من خلال دعم علاقتها بالاسرائيليين (انظر مقالنا حول العلاقات الامريكية التونسية في هذا العدد). من جهة اخرى فإن الاشارة الواردة أعلاه في تقرير 8 ديسمبر 2003 لخبراء "مجلس المخابرات القومي" التابع لوكالات المخابرات المركزية والذي يضم في الواقع مسؤولين تنفيذيين سابقين في عدد من الادارات الاستخبارية الامريكية، حول "الاستقرار" الذي يمكن ان يجلبه "رجل علماني قوي" مثل بن علي الى العراق، تعكس لنا اسبابا اضافية تفسر عقلية نافذة في قطاعات مهمة من اوساط القرار في الولايات المتحدة تدعم "علمانية" النظام التونسي الحالي ومن ثمة تناهض الحركات الاسلامية. فـ"استقرار" نظام يقبل بالتطبيع مع اسرائيل ويعمل على استئصال الحركة الاسلامية معادلة لم تتحقق بالنسبة للامريكيين الا في امثلة قليلة في المنطقة العربية، خاصة عند استحضار المقارنة الازلية بين الوضعين في تونس والجزائر. فليس من الغريب ان يفضل هؤلاء الخبراء في بقية سردهم لاحتمالات تطور الوضع في العراق نظاما "علمانيا" مثل النظام التونسي على ديمقراطية توصل الاطراف الاسلامية الى السلطة. وتتردد تفس هذه الرؤية في الولايات المتحدة في اوساط سياسية نافذة ومنابر اعلامية مؤثرة ومن آخر المؤشرات على ذلك مقال "كيف يحارب العرب التيار الاسلامي: رسالة من تونس" صادر في عدد الخريف لنشرية ناشيونال انترست وهي مقربة من تيار المحافظين الجدد حيث أنشأها مؤسس مدرستهم النظرية ارفينغ كريستول. ويدافع كاتب المقال مارشال بريغر بوضوح عن ان افضل طريقة للتعامل مع التيار الاسلامي هي تلك السياسة الاستئصالية التي تعرض لها في تونس، و ينهال في المقابل بالنقد على المنظمات الحقوقية لتقاريرها التي تكشف وضعية المساجين الاسلاميين في تونس. 6 حول الموقف الامريكي القائل بضرورة تشريك "الاسلاميين المعتدلين" في المسار الديمقراطيلقد اعتقد البعض ان احداث 11 سبتمبر وما تلاها من تعليقات كثيرة في الاوساط الامريكية مست حتى الاسلام كديانة "تحرض على الارهاب" بالاضافة الى الحملة الامريكية التي طالت حتى اطرافا معروفة بعلاقتها بتنظيمات بعيدة عن القاعدة مثل محاصرة نشاط الاخوان المسلمين في اوروبا من خلال استهداف شخص يوسف ندا وغيره من الشخصيات الاسلامية، دفع كل ذلك الى الاعتقاد بأن الموقف الامريكي من الحركات الاسلامية سيزداد تصلبا، وان "الحرب على الارهاب" ستعمها جميعا. وهو ما اعتقده بكل تأكيد النظام التونسي الذي سارع مثله في ذلك مثل انظمة عربية اخرى كالنظام المصري، الى الترويج "لصحة خياره" في استئصال الحركات الاسلامية وصحة اتهامها جميعا بدعم "التطرف" و"الارهاب". وهو ما عبر عنه على سبيل المثال السفير التونسي في الولايات المتحدة، في احدى المقابلات التلفزية اياما قليلة اثر احداث 11 سبتمبر. 7و لم يكن الكثيرون يتوقعون ان تخرج من بين ركام احداث 11 سبتمبر مواقف امريكية يمكن ان تدعو للتفريق بين الاسلاميين اوحتى وصف بعضهم بالاعتدال. غير انه وبعكس أغلب التوقعات والاماني فإن التورط الامريكي المباشر والمتزايد في المنطقة العربية والذي استدرجته اليها استراتيجية المحافظين الجدد الدوغمائية "الاستباقية" قد استثار في الادارة الامريكية حاستها البراغماتية التقليدية وهو ما تجسد ليس في تزايد اصوات اكاديمية مقربة من الادارة الامريكية تدافع عن وجود "اسلاميين معتدلين" وعن ضرورة اشراكهم في بناء "ديمقراطيات اسلامية" فحسب، بل وايضا في ارتقاء مثل هذه الاصوات الى مواقع تنفيذية، والاكثر من ذلك في التعبير عن رؤيتهم والترويج لها بقوة على اعمدة أهم الصحف وعبر البرامج التلفزية الرئيسية. وقد عبر عن هذه التطورات تعيين استاذ القانون الشاب في "جامعة نيويورك" نوح فلدمان على رأس مستشاري بريمر ضمن ادارة الاحتلال الامريكي في العراق.وقبل التعرض الى مسار فلدمان الشخصي نشير الى أن وضعه الخاص ورغم ما يحمله ذلك من مفارقات هو ببساطة مؤشر على تزايد في درجة نفوذ الاراء المنادية باشراك الاسلاميين في بناء المسار الديمقراطي في الاقطار العربية داخل الاوساط الرسمية الامريكية. وفي الواقع ليس من الجديد ان تعبر اصوات امريكية عن مثل هذا الموقف خاصة قبل 11 سبتمبر. وليس النفوذ الاكاديمي الواسع بالاضافة الى الارتباطات السياسية بادارة كلنتون لباحث كبير مثل استاذ دراسات الشرق الاوسط في جامعة جورج تاون بواشنطن، جون اسبوزيتو، والذي عرف بمثل هذه المواقف الا تعبيرا عن علاقته ببعض الاوساط النافذة في الولايات المتحدة. ومن المعروف ان اسبوزيتو قد دافع بشكل دائم عن ضرورة تشجيع الاوساط الاسلامية المعتدلة في المشاركة في بناء الديمقراطية في الاقطار العربية، و هو يكن بشكل خاص احتراما كبيرا للتجربة الاسلامية في تونس ولرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، عبر عنه بشكل متواصل سواء في كتاباته السابقة او اللاحقة لاحداث 11 سبتمبر والتي تتمتع برواج كبير سواء لدى الاوساط الاكاديمية او السياسية الامريكية. ومن المهم ان نعرف في هذا الاطار ان اسبوزيتو يلقى نقدا لاذعا ويتعرض لهجوم لا يتوقف من الاوساط الداعمة لاسرائيل وخاصة من "باحثين" من نوع دانيال بايبس، والذين يعملون بوسائل مختلفة للتقليل من تفوذه ومن ذلك محاولتهم مؤخرا دفع الكونغرس الى سن قوانين خاصة للتقليل من تأثير رؤى باحثين مثل اسبوزيتو في الاوساط الاكاديمية الامريكية.غير ان اهم الاصوات السابقة لاحداث 11 سبتمبر والتي يمكن ان نشير اليها في علاقة بمواقف مسؤولين امريكيين مساندة لإشراك الحركة الاسلامية في المسار الديمقراطي نجدها في اوساط الاجهزة البيروقراطية المخابراتية والديبلوماسية الامريكية المختصة في شؤون المنطقة العربية، والتي تعتبر من اكثر الاوساط معرفة بالاوضاع العربية، وهي تتعرض منذ صعود نجم المحافظين الجدد الى اتهامات من نوع "الاستشراق" - بمعنى تحولهم الى التعبير عن الرأي العربي في الولايات المتحدة عوض التعبير عن الموقف الامريكي امام العرب. ومن الملاحظ ان مثل هؤلاء الاشخاص قد تمتعوا بمواقع تنفيذية خاصة في اواخر الثمانينات وبداية التسعينات. ومنهم بالنسبة للاوساط المخابراتية المسؤول الكبير سابقا في وكالة المخابرات المركزية الامريكية اواخر الثمانينات ونائب رئيس "مجلس المخابرات القومي" اواسط التسعينات، غراهم فولر، والذي لايزال يحظى بمكانة خاصة في الاوساط الاعلامية الامريكية كاحد اهم الخبراء الامريكيين في شؤون المنطقة العربية. وقد كان فولر في اغلب مشواره ضمن دوائر المخابرات الامريكية يعمل في المشرق العربي وخاصة في المناطق الساخنة منه، مما ساهم في صياغة اسلوبه للتعامل مع الاوضاع السياسية هناك على اساس براغماتي وعملي. وقد عبر فولر في السنين الاخيرة عن اعتقاد جازم بأهمية تشريك الاسلاميين المعتدلين في بناء الديمقراطية في الاقطار العربية. ومن اهم عناصر تحليله هي رؤيته للحركة الاسلامية كأحد التعبيرات المعاصرة عن الطموحات الوطنية للشعوب العربية، وبالتالي يرى ان وجودها غير قابل للاستئصال ولذلك ليس هناك من خيار حسب رايه الا التعاون مع الاطراف المعتدلة فيها لصياغة وبناء الديمقراطية، و التي يرى في إقامتها خيارا ضروريا ونقطة دفاع اساسية عن الامن القومي الامريكي، و قد عبر عن هذه الرؤية قبل احداث 11 سبتمبر ولكن خاصة بعدها.8اما في الاوساط الديبلوماسية فنشير بشكل خاص الى روبرت بليترو الابن، السفير الامريكي السابق في تونس اواخر الثمانينات، والذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية الامريكي بين سنتي 1994 و1995. وقد كان بليترو ولايزال يتمتع بنفوذ وسمعة خاصين في اروقة الخارجية الامريكية، رغم اتهامه من قبل اوساط متعصبة لاسرائيل بالدفع الى تطبيع متسرع للولايات المتحدة مع منظمة التحرير الفلسطينية، ورغم ابتعاده الرسمي عن صياغة السياسة الامريكية وانهماكه في ميدان الاعمال خاصة تلك المرتبطة بالمنطقة العربية، انضم بليترو مؤخرا الى مجلس ادارة الشركة الضخمة اي. جي. م. التي يديرها رجل الاعمال المصري المعروف محمد تيمور. وربما يعتقد البعض ان بليترو مساند قوي لسياسات النظام التونسي الحالي، خاصة انه يرأس جمعية "حنبعل" والتي يُعتقد ان النظام التونسي يدعمها كإطار لتجميع مؤيدين لسياساته من داخل الاوساط الامريكية النافذة، وللترويج لتونس كموقع سياحي مهم عبر اجهزة الاعلام الامريكية. وفي الواقع فإن بليترو يزور تونس بشكل متواصل، كما ان تواصل اهتمامه بالوضع السياسي التونسي الداخلي بدا واضحا من خلال لقائه بالرئيس التونسي بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الاخيرة، وادلائه بتصريحات حول الوضع في البلاد. غير انه بالرغم من العلاقة القوية ظاهريا التي تربط بليترو ببن علي، فإنه قد عبر اكثر من مرة وبشكل علني عن اعتقاده بوجود اسلاميين معتدلين، وبأنه "ليس كل اصولي هو ضرورة ارهابي". ففي حوار مع احد الدوريات الامريكية عندما كان يباشر مهامه كمساعد لوزير الخارجية الامريكي، وذلك في سبتمبر 1995، سُئل بليترو عن موقف الرئيس التونسي الذي ينفي "بشدة" وجود اسلاميين معتدلين، والذي يؤمن بان هدف "كل الاصوليين هو إقامة دولة شمولية واوتوقراطية"، حينها اصر بليترو في الدفاع عن موقفه ولو بشكل ديبلوماسي من خلال الاشارة الى ان موقف الرئيس التونسي او غيره ينبع من "ظرفية سياسية خاصة" وانه لا يعبر عن "تحليل موضوعي واكاديمي للظاهرة الاسلامية".9 ويمثل هذا الموقف الرسمي عمليا، لسفير امريكي سابق في تونس، امتدادا لمؤشرات عن تفكير امريكي غير جديد يرجع لما قبل 7 نوفمبر 1987، في التفكير في "الحوار" مع الحركة الاسلامية التونسية، كما اشار الى ذلك احد الصحفيين الامريكيين المقربين من الاوساط الرسمية الامريكية سنة 1986.10إن هذه المواقف لمسؤولين ولشخصيات نافذة في الولايات المتحدة قبل احداث 11 سبتمبر تدعمت اخيرا من خلال الموقع الذي يحتله نوح فلدمان، والذي يدافع بوضوح ومن دون مواربة، سواء في مؤلفه "ما بعد الجهاد" او في مقالاته ولقاءاته التلفزيونية اللاحقة، عن ضرورة إقحام الاسلاميين المعتدلين في العملية السياسية ومن ثمة العمل على بناء ديمقراطية اكثر مصداقية من الديمقراطيات الشكلية المنتشرة عربيا والتي لاطالما دعمتها الادارة الامريكية فيما مضى. ومؤلفه "ما بعد الجهاد" هو أصلا مقتطع من بحث الدكتوراه الذي انجزه في القانون الدستوري الاسلامي، والذي لم يكن يتوقع ان يحظى بشعبية خاصة لدى الادارة الامريكية، حيث لم يمض وقت طويل على شغله منصب استاذ القانون الدستوري في الجامعة المرموقة "جامعة نيويورك" حتى اقترحت عليه الادارة الامريكية الحالية الالتحاق بادارة الاحتلال الامريكي في العراق للاشراف على كتابة الدستور العراقي وللمساهمة في وضع اسس نظام الحكم القادم. وقد وجه فلدمان في كتابه ملاحظات مباشرة عن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، تعكس فهما شاملا وعميقا للظاهرة الاسلامية والاجتهادات المتعلقة بمسألة الديمقراطية السياسية. ومن هذه الملاحظات ما يلي:"كيف يمكن تحديدا للاسلام والديمقراطية ان يتعايشا؟ (...) في السنوات الاخيرة ظهرت مقترحات متنوعة لاسلام ديمقراطي مبني على التشاور، ومبدأ مشاركة المحكوم، والتعددية السياسية. اسلاميون ديمقراطيون - من مثقفين مثل التونسي المنفي راشد الغنوشي، الى سياسيين مثل الرئيس الايراني محمد خاتمي، والى الناخب المسلم العادي - لديهم مواقف مختلفة من الديمقراطية الاسلامية. غير ان مختلف ارائهم تتجه في نقطة معينة للالتقاء ويمكن ان تتظافر لتقديم فكرة عامة عن نظرية الديمقراطية الاسلامية." 11و في مكان اخر يذكر فلدمان الغنوشي كأحد الاسماء الاساسية للمسلمين الديمقراطيين، وأفكاره كمصدر ضمن مصادر الافكار التي يدافع عنها في كتابه:"الديمقراطية والا | |||