مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

الديمقراطية في العالم العربي بين المطلب الوطني والتدخل الخارجي

العدد العـــاشر
السنة الثالثة/ فبراير 2004


الأستاذ علي كردي

كثر الحديث في المدة الأخيرة عن مشاريع الديمقراطية وضرورة الإصلاح السياسي في البلاد العربية، حتى يكاد يخيل للمرء أن المنطقة قادمة على زلزال حقيقي من الديمقراطية والتغيير السياسي، خاصة بعد أن أصبح مطلب الديمقراطية علامة مميزة للخطاب السياسي لدى رموز الإدارة الأمريكية. فما حقيقة هذه الضجة؟ هل يتعلق الأمر بانقلاب في ميزان القوى الداخلي لصالح الشعوب في مواجهة سلطة الدولة حتى يرتفع رصيد مطلب الديمقراطية بهذا الشكل، أم أن الأمر مرتبط أساسا بالمطلب الأمريكي الذي ظهر فجأة قبل غزو العراق؟ وما هي حقيقة الدعوة الأمريكية لتحقيق الديمقراطية في الوطن العربي وما مدى صدقية مطلب الإصلاح السياسي؟ وهل هناك دول مرشحة أكثر من غيرها لتشملها رياح التغيير؟

كل هذه الأسئلة سيحاول المقال الإجابة عنها انطلاقا من استقراء الواقع ومتغيراته وكذلك عبر تحليل الخطاب والسياسات الأمريكية تجاه المنطقة.

الديمقراطية والإصلاح السياسي باعتبارهما مطلبا جماهيريا أصيلا

لقد استفاقت الشعوب العربية من غمرة الفرحة بالاستقلال من نير الاحتلال الأجنبي لتجد نفسها ترزح تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية، وقد تلبست  بثوب العلمانية تارة وبلبوس الملكية الوراثية تارة أخرى. ولم تكن الشعوب العربية تمثل استثناء في المطالبة بالديمقراطية والإصلاح السياسي وقد قدمت مئات الشهداء وعشرات الآلاف من المشردين بين السجون والمنافي إلا أن الاختلال الكبير في ميزان القوى لصالح الأنظمة المتترسة بكل ما تمتلكه الدولة الحديثة من وسائل القوة جعل حلم الشعوب العربية بإحلال الديمقراطية يكاد يتحول إلى حالة يأس مما دفع ببعض الجماعات السياسية إلى تبني خيارات العنف مثلما حدث في مصر ويحدث الآن في المملكة السعودية في حين انتهى الأمر ببعض التيارات السياسية المعارضة بالدخول لبيت الطاعة مثلما حدث في المغرب، في حين فضل الكثير من رموز المعارضة في الوطن العربي الانسحاب واعتزال العمل السياسي بشكل نهائي. أما الأطراف الدولية الفاعلة فقد كان الحفاظ على مصالحها أولى عندها من تحقيق الديمقراطية في الوطن العربي لذا كان الموقف الغربي يتراوح ما بين غض الطرف والمساندة بل حتى الترويج لبعض الأنظمة العربية الفاسدة واعتبارها نماذج لتجسيد الديمقراطية وحقوق الإنسان كما جاء في شهادة الزور التي قدمها الرئيس الفرنسي جاك شيراك في حق الرئيس التونسي ونظامه الذي تشهد سجون بلاده وعشرات التقارير للمنظمات الحقوقية بجرائمه السياسية والإنسانية وهو الرئيس المنتخب في "انتخابات نزيهة" بنسبة 99,99 بالمائة (أي العدد الإجمالي للناخبين التونسيين ناقص عدد مساجين الرأي وعدد التونسيين المشردين في المنافي) وهي نسبة لم يحصل عليها الرئيس شيراك نفسه. كل هذا شجع الأنظمة القائمة على الإبداع في مجال المحافظة على السلطة أطول فترة ممكنة. فالرئيس التونسي مثلا، بعد أن اكتشف أن شعبه الوفي لا يمكنه الاستغناء عن مواهب وخبرات رئيسه المحبوب ( حسب ما تبينه نتائج الانتخابات) اضطر إلى تغيير الدستور بشكل يخول له الاستمرار في الحكم إلى ما شاء الله. أما النظام البعثي في سوريا فقد تفتقت مواهبه عن إبداع طريقة جديدة في الحكم جمعت بين محاسن الحكم الملكي ومحاسن الحكم الرئاسي أو الجمهوري وهي  الطريقة الرئاسية الوراثية. ويبدو أن هذا الإبداع السوري قد لاقى استحسانا لدى بعض الرؤساء المتقدمين في السن ولعل من الدول المرشحة لتطبيقه في المرحلة القادمة كلا من مصر وليبيا خاصة بعد أن تم استيراد هذا النموذج وتطبيقه في دولة الكونغو "الديمقراطية" من دون مشاكل أو تعقيدات

هكذا يبدو المشهد العام للوضع السياسي في العالم العربي و لعل الاستثناء في إطار هذا المشهد يتمثل في التجربة اللبنانية التي أدت الحرب الأهلية فيها إلى إنهاء وجود الدولة وإعادة بنائها من جديد على أسس أكثر ديمقراطية ثم السودان التي يبدو أنها تسير في نفس المسار ولأسباب متشابهة

ما هي حقيقة الموقف الأمريكي الداعي إلى إحداث إصلاح سياسي ديمقراطي في الوطن العربي؟

كيف تخطط إدارة بوش لسياستها في المنطقة وهل تستهدف فعلاً إحلال ما تطلق عليه شرق أوسط جديد قائم على الديمقراطية؟ وإذا كانت تستهدف الديمقراطية فهل هذا بشكل مبدئي أم هو في إطار وظيفي يخدم مصالحها؟

جاء في صحيفة الواشنطن بوست أن الإدارة الأمريكية تعمل على صياغة مبادرة لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط على غرار معاهدة هلسنكي لسنة 1975التي ضغطت من أجل نشر الحريات في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية. وأن الإدارة الأمريكية ستطلب من الحكومات العربية تطبيق إصلاحات سياسية واقتصادية واسعة ومساءلتها عن سجلها في مجال حقوق الإنسان. وفي خطاب تاريخي للرئيس «جورج دبليو بوش» أمام مؤسسة «أميركان انتربرايز انستيتيوت» يقول فيه إن إقامة نظام جديد في العراق سوف يقود إلى تغيير دراماتيكي في الشرق الأوسط وسيلهم باقي الشعوب إلى التطلع لمسايرة نموذج حي للحرية في المنطقة. وبالعودة إلى وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» التي أطلقت في سبتمبر 2002 نلاحظ خلوها تماما من الإشارة إلى مسألة الديمقراطية. وقد أشارت هذه الاستراتيجية إلى رعاية السلام الأميركي والذي يقوم على تطوير القوة الأميركية في العالم وتطوير القوة الاقتصادية وتطوير القوة الإجمالية القومية، وقد نصت الفقرة الثالثة على أن مبدأ بوش يستوجب «دحر الراديكالية الإسلامية واحتواء جمهورية الصين التي تتجه إلى أن تصبح قوة عظمى» والى منع أي احتمال لتعاون استراتيجي محتمل بين الدول الإرهابية والمجموعات الإرهابية وبكين. في حين أن تقريرا سريا حصلت عليه «لوس انجلوس تايمز» في 15/3/2003 عنوانه «نظرية دومينو الديمقراطية لن يتم العمل بها» قالت الصحيفة إنه يتم توزيعه على القيادات الأميركية العليا. وأشار التقرير السري والذي أعده طبقا للرواية الصحفية مكتب «الأبحاث والمخابرات» في وزارة الخارجية إلى إيمان الإدارة بمخاطر قيام نظام ديمقراطي والذي يمكن ان يحمل أصوليين إلى الحكم. ومن أنصار هذا الموقف رموز اللوبي الصهيوني في إدارة الرئيس بوش خاصة بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأميركي وريتشارد بيرل رئيس مجلس السياسات الدفاعية

في ندوة سرية تحت عنوان «الديمقراطية العربية والاحتياجات الأمنية الأميركية» والتي انعقدت تحت رعاية «مركز نيكسون» في 27/3/2003، تم التوصل إلى أن هناك فرضيتين تتعلقان بمبدأ «بوش» في الشرق الأوسط: الأولى تفترض أن رعاية المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية الأميركية لن تتم على أكمل صورة إلا بواسطة أنظمة ديمقراطية وإزاحة أنظمة غير ديمقراطية، وتفترض الثانية أن تدمير نظام صدام حسين سوف يهيئ الفرصة لإقامة ديمقراطيات عديدة في المنطقة تبدأ بالعراق وتنتقل إلى كل المنطقة

وترصد دراسة «مركز نيكسون» ما تسميه بالصراع بين «شق قيم ويلسون» و«شق المصالح» داخل الإدارة الأميركية. ويطرح أحد السيناريوهات حلاً توفيقياً قائماً على ثلاث ركائز: الأولى هي ضمان أمن المنطقة «عبر نشر قوات عسكرية وتعاون أجهزة المخابرات في مقاومة الإرهاب وتفاصيل أخرى» والثانية هي ضمان البترول والثالثة هي ضمان أمن إسرائيل ثم بعد ذلك النظر في مسألة الديمقراطية العربية. ويستبعد هذا السيناريو إمكانية التحول الديمقراطي السهل ويرى أن العقبة لا تختزل في التيار الإسلامي وإنما في الحركة السياسية العربية بمجملها التي «تعارض القواعد العسكرية الأميركية وترفض وجود دولة إسرائيل وتسعى لإزالة قوتها النووية»

تشير كافة الخلفيات أن تبني الديمقراطية كهدف من أهداف الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط أقحم على الاجندة الرسمية بشكل مباغت قبل غزو العراق  في إطار وظيفي يخدم المصالح الأمريكية. وهو ما عبر عنه  الرئيس الأمريكي بشكل اكثر وضوح  في خطابه في المجلس الوطني لتنمية الديمقراطية بشأن الديمقراطية في الشرق الأوسط عندما تبنى لأول مرة فكرة التطبيق التدريجي للديمقراطية في دول المنطقة، وهو ما يعني أنه سيتم التحايل على هذا التطبيق بما يخدم المصالح الأمريكية عبر سياسة غض الطرف في التعامل مع الدول التي تحافظ على المصالح الأمريكية الإسرائيلية مثل النظام التونسي. كما يعني أن الولايات المتحدة- بعد تجربة العراق- ستصبر على الدول التي تتهمها بالابتعاد عن الديمقراطية إلى أن ترضخ لمطالبها بما يضمن أمن الولايات المتحدة وإسرائيل وهو ما حدث مع ليبيا ويحدث الآن مع سوريا وإيران


 

ملف العــــــدد

مستقبل الديمقراطية في المغرب العربي


حلم الشعوب وغياب الديمقراطية
أحمد السميعي


في اطار تحليل الرؤية الامريكية لمسألة الديمقراطية السياسية في تونس
الطاهر الأسود


الديمقراطية في العالم العربي بين المطلب الوطني والتدخل الخارجي
علي كردي


هل يمكن لابن علي أن يكون ديمقراطيا حتى لو أراد ذلك؟
أحمد قعلول


بيان من أجل الديمقراطية مرة أخرى
جلال ورغي

قضايا وتحاليل


تأثيرات العولمة الليبرالية في إصلاح التعليم في تونس
عبد الوهاب عمري


حدود "الثورة الديمقراطية" في منظور الإمبراطورية الأمريكية
توفيق المديني


ثوابت العلاقات التونسية الامريكية وافاقها في ظل رؤى المحافظين الجدد للمنطقة العربية
الطاهر الأسود


المتوائمون الجدد و"السلفية الجهادية" - وهم الثقافة وعمى القوة
أنور أبو طه


الإصلاح، فكرة ومشروعا
أحمد الرحال


نشاة التيار القومي العربي في تونس
علي بن سعيد


من أجل عقل إسلامي عام
فريد خدومة

© Aqlamonline 2004