مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

بيان من أجل الديمقراطية مرة أخرى

العدد العـــاشر
السنة الثالثة/ فبراير 2004


الأستاذ جلال ورغي (*)

( الجزء الأول)

لا تخطيء عين المتابع للوضع السياسي التونسي اليوم حالة الانسداد التي تعيشها البلاد على مختلف الأصعدة. ولا يختلف اثنان في أن طبيعة النظام السياسي والسلطة التي تدير شأن البلاد لها القسط الأبرز في حالة الانسداد هذه وما آلت إليه من فراغ سياسي قاتل، وحالة اجتماعية متدهورة، وانحطاط ثقافي مريع. وقد انعكس كل ذلك سلبا على انحلال مؤسسات المجتمع المدني وتدجينها الواحدة تلو الأخرى في إطار مسلسل من القمع والاحتواء استمر منذ مطلع التسعينات، ولا زالت آلته تشتغل إلى يومنا هذا لتتبدل استراتيجيتها اليوم للحيلولة دون أي شكل من أشكال النهوض والرفض. ولا شك أن هذا النزوع الاستبدادي القائم على تجفيف ينابيع القوة لدى المجتمع بمختلف قلاعه قد ألحق أقدارا من الأضرار البليغة في جسم المجتمع، تراوحت بين الإجهاز الكامل على بعضها (الحركة الطلابية، الاتحاد العام التونسي للشغل، مؤسسات اجتماعية، ودور المساجد في التثقيف والتوعية)، إلى تقليم أظافر البعض الآخر وتحويله من مؤسسات ومنظمات تدافع عن المجتمع وتشكل دروعا له إلى أطر لا تقوى بالكاد على الدفاع عن نفسها ومحاولة توفير الشروط الدنيا للبقاء والحفاظ على الوجود. فتحولت الرابطة من منظمة عتيدة تدافع عن حقوق الإنسان تضع أسئلة حرجة أمام السلطة إلى منظمة تلملم جراحها وتخوض معركة الوجود والقانونية من جديد، تراجعا عن مكسب كان قد أنجز منذ أكثر من عقدين من الزمن. وسقط الاتحاد في فخ لعبة التوازنات الداخلية وابتزاز السلطة لقيادته ما جعل التيار الوطني داخله يتحول من مدافع عن حقوق الإنسان، إلي جزء من منظمة ينحصر اجتهاد قادتها في الحفاظ على مواقعهم المتقدمة داخل الشغيلة أكثر من انشغالهم بحقوق آلاف العمال الذين تقذف بهم ماكينة اللبرلة والخصخصة خارج سوق الشغل، بين متقاعد جبرا ومطرود عسفا. وانكمش دور المسجد وتحول من محضن وإطار للتثقيف والتربية والتوجيه وإخراج الفرد الصالح اجتماعا، وثقافة، إلي منبر للدعاية والتبرير والجمود على الموجود، بعد أن ألغيت أدواره الطبيعية وأعطي أخرى لصناعة الموالين لسلطة تريد البيعة إجماعا لا إجمالا.

لا شك أن كل ذلك التوصيف هو من المعلوم لدى كل المتابعين للشأن التونسي. ولكن ما لا يزال محل النقاش والاعتبار، وما يجب أن يكون محط الأنظار هو دور الأحزاب السياسية المعارضة وإسهامها في ما وصلت إليه البلاد اليوم من تآكل وترد. تآكلٍ لما حققه المجتمع من مكتسبات  قبيل مجيء السلطة الحالية، التي تسمي نفسها اعتباطا/ العهد الجديد، وهي التي مضى على بداية تحكمها ما يقرب من العقدين من الزمن، استهلكت خلاله مشروع "الإنقاذ" الذي بشرت به حيلة وتحايلا. وتردٍ إلى حال صنفت به تونس على رأس الدول الأكثر اعتداء على الحقوق والحريات العامة، وإجهاضا لكل المشاريع التغييرية بأشكالها المختلفة علمانية كانت أم ليبرالية أم إسلامية. وبقدر اقتناعنا بأن حالة الانسداد التي عاشتها وتعيشها البلاد تتحمل السلطة والنظام القائمان المسؤولية الأكبر فيها، بقدر ما يقتضي استمرار هذا الانسداد والتأزم اليوم شجاعة في قراءة الواقع، واقع الأحزاب السياسية، والمنظمات المدنية، والنخب الفكرية التي تصنف جميعها في إطار الاعتراض على المشروع السلطوي القمعي السائد، كل منها بحسب موقعه وطبيعة المهام التاريخية التي اختار القيام عليها.

ومما يلفت النظر في هذه الجماعات على الرغم تبدل الأحوال، وتغير الأزمان انشداد مجملها إلى رؤى قديمة، وجمودها على تصورات عتيقة تحول فيها النسبي إلى مطلق، والأطروحات الفكرية إلى عقائد، والمؤسسات إلى معابد "مقدسة" لا بل وأمَم البعض مفاهيم واحتكر آخرون صفات، حتى غدت "الديمقراطية" معبدا لا يؤمه إلا من تواطؤوا على الاحتفاظ بمفاتيحه عندهم، بل وحكرا عليهم ليس لغيرهم دخوله، حتى يعلنوا توبتهم عن الاختلاف.

النخبة التونسية: أين الخلل؟

من السهل علينا أن نحذو حذو الكثير من الباحثين في تفسيرهم لأزمة النخب التونسية بأنها تتلخص أساسا في ظاهرة الخوف* والجبن، وإن كان من الممكن أن يكون هذا العامل هو الأكثر بروزا. فإن المتأمل في التجربة التاريخية الحديثة والمعاصرة للنخبة التونسية في سياق حركة التحرير الوطني، ثم في ظل دولة الاستقلال سيجد أن ظاهرة الخوف ليست السمة البارزة ولا العامل المحدد والمفسر لحال النخبة التونسية المعاصرة. ونزعم أن من يجيل النظر في تاريخ تونس الحديث والمعاصر سيقف عند الفاعلية والعطاء الذين ميزا فعل النخب التونسية، وما عبرت عنه من دور تاريخي في الإصلاح (تجربة المصلحين التونسيين قبل انتصاب الحماية)، فالتحرير (تجربة رواد الاستقلال بدء بالثعالبي والنقابات وعلماء الزيتونة، وانتهاء بالتجارب الحزبية مع الحزبين القديم والجديد) فالتصحيح (بداية من الحركة اليوسفية، وعلماء الزيتونة، وصولا إلى تجربة التيار القومي، ثم اليساري، ثم الإسلامي، وانتهاء بالمنظمات والهيئات المدنية والحقوقية التي وإن تباينت خلفياتها الأيديولوجية فقد جمعتها اليوم معركة الحرية، التي تمثل فيها هذه الهيئات والمنظمات رأس الحربة وتلعب فيها الدور الطلائعي، دفاعا عن حقوق الإنسان، وانتزاعا للحريات المغتصبة من أجل تحقيق الاستقلال الثاني2.

 لقد عرفت تونس تجربة نضال ومقاومة فريدة، فرضت على الدولة أن تكون - على الرغم من اندراجها في السياق العام للدول العربية الأخرى، استئثارا بالقرار الوطني، واحتكارا لإدارة الشأن العام بما يخدم مصالحها- على الرغم من كل ذلك فإن تونس ظلت باستمرار الأقل تضررا في هذا المستوى، بل لا نبالغ إذ قلنا أن مستوى الجرأة الذي تقاوم به النخبة التونسية يندر في باقي الدول العربية، وهذا راجع في جزء كبير منه إلى المكاسب التاريخية للنخبة التونسية في مواجهة الدولة، وللتقاليد التي فرضتها حتى لم يعد معه ممكنا ممارسة الاستئصال والقمع إلا بغطاء وإخراج "قانوني" و"دستوري" متلاعب فيه. وعلى الرغم من كل ذلك فالأكيد أن أمام هذه النخب كقوى اجتماعية وسياسية وثقافية أن تستكمل نضالها السياسي والثقافي والحقوقي حتى يتقوض حكم الاستبداد، ثقافة وممارسة، وينبسط حكم الشعب، عدلا وشورى، وذلك لا شك مشروع التغيير المنشود.

1-    اضطراب الرؤية واهتزاز المفاهيم:

الذي يحيط بمكونات الساحة السياسية التونسية لا يحتاج إلى جهد كبير في الوقوف على التيارات الفكرية والسياسية التي تعبر عن نفسها بأشكال مختلفة لعل أبزها على الإطلاق، الحزب السياسي، أو الجمعية المدنية. ولكن بقدر ما تنفرز الساحة السياسية التونسية على هذا الأساس بقدر ما يتحول هذا الفرز نفسه إلى ظاهرة مرضية عندما يتعلق الأمر بالفعل السياسي. بحيث يفترض في الساحة السياسية الوطنية أن تخفف من حدة الفرز الأيديولوجي، والنزعات الفكرية، باتجاه التعبير عنها وفق مقتضيات السياسة، بما يعنيه ذلك من "اجتماع"، بالتعبير الخلدوني، يجتمع الفرد مع الفرد والجماعة مع الجماعة حول الفعل السياسي الوطني، الذي يعبر عادة عن المشاريع الوطنية. ويتم التخفف من خطاب الأيدولوجيا المتعلق بالأفراد ولاء، لصالح خطاب السياسة المتعلق بالجماعة الوطنية انتماء. بحيث يكف كل زعيم عن التمثيل الحصري للجماعة الأيديولوجية، إلى التمثيل الشامل للجماعة الوطنية. لهذا السبب تجد عجز الخطاب "السياسي" لجل التيارات التي تنتظم الساحة السياسية التونسية عن أن يتأسس على أرضية وطنية، بحيث يؤخذ فيها المختلف بعين الاعتبار، وتعتبره جزء من مشروع البناء والتغيير. الحقيقة هنا أن العكس هو الذي يحدث بحيث إذا قرأت نصا لـ "حزب سياسي" لا تعثر فيه على احتواء واستيعاب، وإنما تجده مؤسسا على مقارعة الخصوم، وشيطنتهم، بحيث، هم الأصل والمختلف هو الجحيم بدل التنوع والثراء، هم حملة مشاريع التنوير والحداثة، والآخر هو  الظلامية والرجعية، هم "الديمقراطيون" والآخر ليس هو غير الاستبداد. هم الأسوياء والآخر لا بد من علاجه نفيا وإقصاء واستنثاء، وإن لم ينفع معه ذلك نعمل على "إدماجه" واحتوائه لا بمعنى الاعتراف به، والإقرارا به جزء من الذات، ووجها مختلفا للحقيقة، يمكن التعرف فيه على الذات عبر إدراك ما لا يدرك فيها. وإنما هو احتواء بما هو نفي، وإقصاء عبر الدمج و"الإدماج"، ومحاولة إعادة تشكيل الآخر المختلف بصورة جديدة، وإعادة إنتاجه على الوجه المقبول، بالضبط كالذي مارسته دول حداثية عريقة في حق السكان الأصليين، إما القبول بالمسخ الكامل، والخضوع القسري - لا الطوعي - لعملية التحديث أو المسخ الشامل، ومن ثمة الخضوع لأقصى أشكال النفي والإبادة. وليس غريبا أن تجد اتجاها داخل هذا التيار "الديمقراطي" جدا وحتى الحقوقي جدا من لا تعنيه قضية العنف والنفي ضد خصومه كثيرا. بل قد تكون مطلوبة ومقبولة كلما كانت هذه "العملية الجراحية" (3) تمثل وحدها السبيل لتحقيق الوجود المنفرد، الأوحد دون "تهديد" من الآخر المغاير.

ثمة معضلة حقيقية تعاني منها التيارات "السياسية" التونسية، وتكمن في أن النظر للفعل السياسي لا يقوم على فكرة البناء الوطني لثقافة، ثم لمؤسسات جادة تعالج القضايا الوطنية الكبرى، وتتصدى للتحديات الجسام التي تواجهها البلاد. وإنما ينظر للفعل السياسي باعتباره بذل الوسع في تحييد الآخر، والتخلص منه، وتوسيع قاعدة التيار الأيديولوجية طوعا وكرها. وقضايا المجتمع ليست الظلم الاجتماعي، وليست تحسين ظروفه المعيشية، والتعاون معه على البناء الحضاري في جو من الحرية، واحترام كرامة المواطن، إنما القضايا التي يدافع عنها هذا التيار أو ذاك هي الحرص على تحشيد أكثر ما يمكن من الموالين لفكرته الأيديولوجية، وإلهائه بقضايا الكثير منها مفتعلا، لا يعتبرها المواطن العادي من اهتماماته في شيء. فتتحول قضايا مثل الربا، أو تعدد الزوجات، أو المساواة التامة بين المرأة والرجل في الإرث إلى قضايا دونها خرق القتاد. بل أكاد أجزم أن هؤلاء قد لا يقبلون بخروج سجين سياسي واحد إلا إذا أعلن توبته للسلطة منافسة، وللمعارضة "الديمقراطية" توبة عن الاختلاف. 

2-    في العلاقة بالسلطة/الدولة:

تنتظم حركة المعارضة في العلاقة بالدولة في وجهين، يصلان حد التناقض والتمايز الكامل. فمن جهة نجد من يعتبر أن المدخل الوحيد للتمكين للفكرة وللمشروع هو الدولة، بما هي مجموعة من الآليات، وأدوات الإكراه التي تحمل الرأي العام على القبول بالمشروع تعبئة وإقناعا، وإن أبى قمعا وإكراها. والنتيجة والمطلوب هو أن تؤول إليها الأمور، وتستقر وتنبسط لها، رغبة أو رهبة. وتجد من جهة أخرى من يحاول أن يجمع خيار التعويل والاعتماد على الدولة إلى استخطاطية (استراتيجية) التعويل على المجتمع تأهيلا واستقواء.

اليسار التونسي، من الابن العاق لبورقيبة، إلى حامي للبورقيبية

فبالنسبة إلى اليسار التونسي، على اختلاف مدارسه الفكرية والسياسية، وعلى الرغم من تنوع أشكال أدائه وفعله، في العمل السياسي التغييري، اختراقا وتأثيرا في مؤسسات المجتمع المدني، كانت الفكرة المركزية التي تبلور حولها مشروع التغيير، هي "الدولة"، لا باعتبارها خلاصة لهذا العمل التغييري بل أداته الأساسية. بحيث لم ينظر لهذه المؤسسة باعتبارها المجسد والممثل للمشروع السياسي، بل مثلت الدولة الأداة التي من خلالها، وبها تنجز عملية التغيير، استعمالا لجهازي الدولة بالمفهوم الغرامشي، الأيديولوجي طوعا، والقمعي إكراها. ولذلك وعلى الرغم مما يتراءى في تجربة اليسار التونسي من بعض مظاهر التصادم والاحتكاك مع الدولة، فإن السمة الأكثر عمقا على الرغم  من عدم بروزها أحيانا، هي تقوية الدولة وتجييرها باتجاه مزيد الترسخ في العلمنة توجها، ومطاردة الدين لا من المجالات العامة فقط، بل والخاصة أيضا (ألم ينزع بورقيبة حجاب امرأة أمام أعين الناس)، وفي التعبير عن نفسها بما يتماشى وتوجهات هذا التيار. وليس غريبا في هذا الصدد أن يعتبر رمز من رموز هذا التيار وهو الوزير "المطرود" محمد الشرفي أن بعضا من جيوب اليسار، أفسد على التيار اليساري العام مشروعه في دعم وتقوية الدولة التونسية الحديثة. إذ اعتبر أن نزوع بعض "المجموعات اليسارية المتطرفة" إلى التصادم مع الدولة شوش على استراتيجية التيار "الآفاقي" الذي كان يرغب في حماية الدولة ودعمها في توجهاتها الخادمة والمتقاطعة إجمالا مع مشروع اليسار. ولا تعجز المتأمل في تلك التجربة الأمثلة على هذا التوجه، فلقد أبانت الدولة في شخص زعيمها الأوحد "بورقيبة" عن عداء وسخرية من الدين، واستهتار بشعائره بلغت حد التجاهر بالإفطار في رمضان، هذا طبعا إلى ما عرفته تلك الحقبة من ضرب للتيار العروبي، ونزوع الدولة الكامل باتجاه حالة من التغريب، تعليما وثقافة. ولقد أعلنها بورقيبة صراحة أنه سيحول قبلة تونس عن النهضة شرقا، ودفعها إلى "الحداثة" غربا.

وفي كل الأحوال، وعلى الرغم من طبيعة العلاقة غير المستقرة التي طبعت علاقة اليسار ببورقيبة، تصادما ووفاقا، إلا أن الخيط الناظم الذي ميزها في عمقها، وشكل استراتيجية هذا التيار هو ترويضها لصالحه، واختراقها، في إطار القبول بالتمشي القائم على "خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء". ولا تكاد تمر حقبة من تاريخ دولة تونس "الاستقلال" لم يكن في صلبها وداخل مؤسساتها رموز يسارية، ظاهرة حينا ومتخفية أحيانا. وكلما خفت صوت "المشوشين منهم" كلما تسرب منهم إلى شرايين الدولة وأنسجتها الكثير. ولذلك من يتأمل في طبيعة الدولة التونسية وحجم تسلطها وسطوتها، ومركزيتها يكاد يقنع بأنها ذات "الطبيعة الستالينية" الشمولية متخفية في ثوب لبيرالي، كبعض رموزها*. يمكن بسهولة أيضا كشف تداعيات الحضور اليساري العلماني داخل نسيج الدولة من خلال طبيعة العداء الجذري والقاطع الذي ميز سياسة الدولة تجاه التيار العروبي بصفة عامة، والإسلامي بصفة خاصة. فقد تشكلت أيديولوجيا "دولة الاستقلال" على العداء للدين وإخضاعه، والسيطرة عليه لا حرصا عليه بل تدجينا له، واستعمالا له بما يحقق أغراضها الشمولية في السيطرة الشاملة على المجتمع. بل وتقديم الدولة باعتبارها وحدها الراعية للدين، والمجتهدة فيه. ولقد كان بورقيبة في هذا الصدد، "المجاهد الأكبر" يجيز الإفطار في رمضان، ويتدخل في فرض تشريعات محددة ومقيدة، معتبرا أنها من صميم الدين، بل هي الدين نفسه، ولذلك نقلها عبر أدوات الدولة المسخرة، من مجرد اجتهادات فقهية إلى تبنيها كقوانين وضعية من يخالفها فقد خرج عن الدين والقانون في نفس الوقت.

لا أحد ينسى حالة الاستنفار التي عمت أوساط اليسار التونسي قبيل، وبعيد سقوط الرئيس الحبيب بورقيبة. وإذا كان البعض يذهب إلى حد القول بأن اليسار كان لاعبا أساسيا في عملية التغيير القسرية التي طالت تبديل رأس السلطة، في محاولة منهم للتخلص من بورقيبة كزعيم أصبح مهددا لمشروعهم، ومن ثمة انقاذ البورقيبية منه. فإن ما حصل من حوارات وجدل بعيد سقوطه داخل الصف اليساري كان تعبيرا صارخا على حيوية الدولة وحساسيتها في مشروعهم. وإذا كان الظاهر في الخلاف هو بين الدخول للحزب الحاكم، أم العمل من خارجه، فإن عمق النقاش كان يدور في حقيقته، حول الكيفية التي تتم بها السيطرة على الدولة. هل يكون ذلك من خلال اكتساح الحزب الحاكم واقتطاع أكثر ما يمكن من المواقع المتقدمة داخله، للتأثير في طبيعة السلطة، بل الدولة نفسها، أم الدخول في أجهزة الدولة نفسها مباشرة ودون وسيط، وبالتالي إخضاعها للتأثير المباشر للتوجهات السياسية والثقافية لليسار التونسي. وإذا لم تكن صفحات التاريخ قد كشفت خبايا وحيثيات كل تلك المرحلة التي أعقبت انقلاب السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) 1987، فإن معطيات وحقائق أولية تدعم بقوة هذا النهج في التحليل. فلقد تزايد تسرب وتدفق القوى اليسارية بقوة داخل نسيج الدولة، كما فضل البعض محاولة العمل من داخل الحزب الحاكم نفسه. وإذا كان ثمة تيار ثالث آثر العمل كقوى مستقلة عن أجهز الدولة والحزب الحاكم، فإنه لم ينأ بنفسه عن تعبئة الدولة نفسها ضد خصومه الأيديلوجيين. ولقد كان دخول عناصر من قبيل محمد الشرفي، وزيرا للتعليم، ومنصر الرويسي، وزيرا للشؤون الاجتماعية، وغيرهما نموذجا صارخا للتقاطع، والارتباط الذي طبع علاقة اليسار بالدولة. وفعلا حققت الدولة ذاتها وطبيعتها الشمولية من خلال تيار من نفس الطبيعة، فأجرى الشرفي عملية سطو على برامج التعليم، وأعاد رسمها بما ينسجم والموقف المشترك له وللدولة من الدين. ولم تكن صدفة عندما أعلن في بداية العمل على رأس وزارته عن ضرورة مراجعة برامج التعليم، و"إصلاحها" بما يخدم تجربة "التحديث"، معلنا بجرأة وعلى الطريقة البورقيبية في الاجتهاد فيما يفقه ولا يفقه، أن آيات الجهاد في برامج التربية الإسلامية تحث على العنف، ويجب حذفها، مستغربا في حديث لمجلة جون أفريك كيف لفتاة تقرأ فولتير تقبل بارتداء الحجاب.

(يتبع)


(*) باحث في العلوم السياسية والتاريخ المعاصر – جامعة لندن
يعد الباحث رسالة تخرج بعنوان:  
Secul
arism and Islamism in Turkey face to face


 

ملف العــــــدد

مستقبل الديمقراطية في المغرب العربي


حلم الشعوب وغياب الديمقراطية
أحمد السميعي


في اطار تحليل الرؤية الامريكية لمسألة الديمقراطية السياسية في تونس
الطاهر الأسود


الديمقراطية في العالم العربي بين المطلب الوطني والتدخل الخارجي
علي كردي


هل يمكن لابن علي أن يكون ديمقراطيا حتى لو أراد ذلك؟
أحمد قعلول


بيان من أجل الديمقراطية مرة أخرى
جلال ورغي

قضايا وتحاليل


تأثيرات العولمة الليبرالية في إصلاح التعليم في تونس
عبد الوهاب عمري


حدود "الثورة الديمقراطية" في منظور الإمبراطورية الأمريكية
توفيق المديني


ثوابت العلاقات التونسية الامريكية وافاقها في ظل رؤى المحافظين الجدد للمنطقة العربية
الطاهر الأسود


المتوائمون الجدد و"السلفية الجهادية" - وهم الثقافة وعمى القوة
أنور أبو طه


الإصلاح، فكرة ومشروعا
أحمد الرحال


نشاة التيار القومي العربي في تونس
علي بن سعيد


من أجل عقل إسلامي عام
فريد خدومة

© Aqlamonline 2004