مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

بين يدي العدد العاشر

العدد العـــاشر
السنة الثالثة/ يناير 2004


المغرب العربي إلى اين؟

كشفت الولايات المتحدة عن برنامجها لنشر الديمقراطية في ما سمته بـ"الشرق الأوسط الكبير" وهو المشروع الذي سيعرض على قمة الدول الثماني الكبرى في العالم من أجل الموافقة عليه ومن ثم فرضه على المنطقة. وتكتسي منطقة المغرب العربي أهمية خاصة في هذا الإطار فهي منطقة تصف الإدارة الأمريكية أن دولها الثلاث الأساسية (تونس والجزائر والمغرب) بالدول الحليفة في إطار ما تصفه بحربها ضد الإرهاب. ويمثل الاهتمام الأمركي بدول المنطقة تهديدا للمصالح الأوربية وذلك أن هذه الدول تعتبر من مناطق النفوذ التقليدية لأوربا كما تعتبر الهيمنة عليها خنقا لأوربا من جهة حدودها الجنوبية وقطعا للطريق أمام نفوذها في أفريقيا والشرق الأوسط. وترشح هذه العوامل المنطقة لتكون محور صراع بين النفوذ الأوربي الذي يرى نفسه مهددا في مصالحه التقليدية وبين النفوذ الأمريكي الطامح في بسط هيمنته كقوة وحيدة مهينة في العالم.

وبين مطامع الأوروبيين والأمريكان، يبدو أن شعوب المنطقة كغيرهم من العرب لا يجدون موطئ قدم لمطامحهم وهمومهم ذلك ان أنظمة المنطقة، ومع الهجمة الأمريكية، سارعت إلى تقديم خدماتها للراعي الأمريكي وذلك بفتح أرضها لواشنطن كي تقيم قواعدها العسكرية ومناطق التنصت المتقدمة مع التبشير بفتح الباب للتطبيع مع الكيان الصهيوني وذلك من أجل تخفيف الضغط الأمريكي في ملف الديمقراطية.

وأمام تهالك أنظمة المنطقة على الأمريكان سارع الرئيس الفرنسي والديبلوماسية الألمانية إلى تقديم تنازلات صريحة في الملف السياسي والحقوقي لدول المنطقة بينما كانوا يعتبرون التقدم في ملف حقوق الإنسان والإصلاحات السياسية شرطا للشروع في مشروع الشراكة مع السوق الأوربية المشتركة، إذ سارع الرئيس الفرنسي إلى رمي الورود لأنظمة المنطقة وقد بدا هذا واضحا خاصة في مديحه للنظام التونسي. ومن جهة أخرى، قدمت ألمانيا مشروع شراكة معتنية بالملف الأمني وومؤجلة الوضع السياسي والحقوقي معتبرة أن الشراكة مع المنطقة لن تنتظر التطورات السياسية كي تبدأ.

وفي موازاة ذلك حافظت واشطن على خطابها الداعي لنشر الديمقراطية مع تعامل براغماتي على أرض الواقع. وذلك أن الديبوماسية الأمركية لا تدفعها خلفية عقائدية في علاقاتها الديبلوماسية بقدر ما هي محكومة بمصالحها الذاتية وبرغبتها في الهيمنة على مقدرات المنطقة.

إن المشكل الذي يواجه شعوب المنطقة لا يتمثل فقط في ديكتاتورية أنظمتها واستعدادها لتحويل ما يسمى بالدول الوطنية إلى مراكز مخابرات تابعة للإدارة الأمريكية وإلى قواعد عسكرية تحمي الشركات الأمريكية العملاقة. إن المشكل الأفدح من ذلك يتمثل في أن المشروع الأمريكي المطروح يسرق من هذه الشعوب ومن نخبها أهم شعار طالبت به لعقود كي تتحول الديمقراطية إلى مشروع ينتج أنظمة تضمن حصول اقل ما يمكن من شكليات الديمقراطية وذلك بتنظيم مسرحيات "ديمقراطية" تأتي بحكام يقدمون خدمة المصالح الأمريكية على مصالح شعوبهم.

المشكل الثاني هو أن المطلب الأمريكي ورغم كل ما يثار حوله من شبهات ورغم كل نقائصه وأوهامه يعتبر سقفا عاليا بالنسبة لعدد من أنظمة المنطقة المغاربية وخاصة النظام التونسي الذي وإن تجاهله بوش خلال ذكره للدول التي تستحق المديح الأمريكي إلا ان إدارته سارعت إلى إقامة مركزها الإقليمي لـ"نشر الديمقراطية" على أرضه.

من البين أن المشروع الأمريكي لا علاقة له بتطلعات شعوب المنطقة كما أنه من البين أن الاستبداد يدفع أصحابه إلى بيع كل شيء (انظر حالة النظامم الليبي) كما أنه من البين أن شعوب المنطقة ستجد نفسها مجددا في وضع يفعل باسمها ما لا تريده لنفسها.

© Aqlamonline 2004