|
مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين |
|
|
أرفض تسييس قضيتي كما أرفض التنازل عن حقي في مواصلتي دراستي |
العدد
العـــاشر |
||||||||||||||||||||
|
الأمين العام السابق
للاتحاد العام التونسي للطلبة،
وفي ما يلي نص الحوار الذي أجراه أحمد قعلول - 13 فبراير 2004 - الدكتور عبد اللطيف شكرا على قبولك إجراء هذا الحوار لقراء مجلة أقلام رغم وضعك الصحي الصعب. أود أولا أن أسألك عن وضعك الصحي، فكيف حالك الآن؟ - بدأت اشعر بالأعراض الأولى للإضراب عن الطعام، بدأت أحس بالدوار كلما حاولت الوقوف أو القيام لبعض الضرورات وكذلك أشعر بتوترات عضلية في بعض العضلات كما أشعر بفشل عام، وقد تقيأت بالأمس دما في مناسبتين، الأولى وقد كنت في طريقي إلى مركز الشرطة والثانية وأنا في داخل المركز. - ولماذا ذهبت إلى مركز الشرطة، هل تم استدعاؤك؟ - عندي موعد أسبوعي لدى مركز الشرطة وذلك في إطار الحكم علي بالمراقبة الإدارية. وقد كنت تأخرت عن الذهاب في الأسبوع الماضي فكثر مجيء أعوان الأمن وذهابهم علي يومها. وقد حدثت نفسي بالذهاب إليهم بالأمس خاصة وأني لا أريد أن ابدي أي علامة من علامات التعب. - وفي مركز الشرطة هل كانت الزيارة إدارية ام كانت استثنائية باعتبار وضعك وكونك مضربا عن الطعام؟ - لم يكن هناك شيء مختلف عن الزيارات الفارطة. - كم مرّ عليك من يوم وأنت مضرب عن الطعام؟ - دخلت في الاضراب ابتداء من يوم السبت السابع من فيفري، فهذا هو اليوم السابع منه. - وكيف تمارس هذا الإضراب، هل تستهلك الماء والسكر؟ - في الحقيقة لم أكن أستهلك السكر خلال الأيام الفارطة إلا الماء لكن بالامس واليوم، ونظرا لتدهور صحتي بدأت آخذ قطعة ونصف من السكر صباحا وأخرى مساء. - هل تلقيت دعما ومساندة في إضرابك هذا؟ - أجل. الدعم موجود وأنا سعيد بذلك، فقد تلقيت اتصالات من قبل مناضلين سابقين في الحركة الطلابية ومن قبل أحزاب سياسية ومنظمات حقوقية في الداخل والخارج أذكر منهم الدكتور منصف المرزوقي وسي خميس الشماري والدكتور مصطفى بن جعفر والسيدة لويزة توسكان. وإضافة إلى مناضلي الحركة الطلابية تلقيت اتصالالت من أصدقاء شخصيين وكذلك من الجمعيات مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان والجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين والمجلس الوطني للحريات فضلا عن الاتصالات الشخصية والتي كانت كثيرة والحمد الله. - هذا من جهة المجتمع المدني فماذا عن السلطة، كيف تفاعلت مع هذا الاضراب؟ - كأنها على غير علم، حتى في مركز الشرطة، لما لاحظوا عليّ علامات التعب فسألوني أجبت بأن القرح في معدتي يؤلمني. لا، ليس هناك أي تفاعل من جهة السلطة! - قلت في بيانك الذي أعلنت فيه دخولك في إضراب عن الطعام إنك تشن هذا الإضراب احتجاجا على منعك من مواصلة دراستك، كما ذكرت أنك قمت بكل الإجراءات الممكنة واللازمة التي في وسعك من أجل أن تسترجع حقك في الدراسة، ومن أجل عدم تسييس الموضوع، ماذا تقصد بعدم رغبتك في تسييس الموضوع؟ - أنا إلى حد الآن لا أريد تسييس الموضوع بمعنى أنني لا أريد توظيفه سياسيا. ويأتي هذا في إطار موقف مغاير لموقف السلطة التي تسيّس كل شيء. فهي تستعمل الحرمان من الحقوق القانونية الثابتة قانونا وأخلاقا للتعامل مع أشخاص تعتبرهم مخالفين لها سياسيا. ومن جهتي، وفي إطار التعامل المنهجي مع الحقوق الثابتة قانونيا، لا أريد تسييس الموضوع. أما القضايا المختلف حولها سياسيا فتعالج في إطار مخالف. أما حقي في مواصلة دراستي فهو حق قانوني لا ينبغي تسييسه ولا بد أن أتحصل عليه. من هذا المنطلق أردت أن أتعامل معه بالأساليب القانونية الحقوقية المتعارف عليها رغم أن السلطة تصر على تسييس هذا الموضوع من خلال معاقبتي باعتباري مخالفا لها، فحرمتني من حقوقي الثابتة قانونيا. السلطة تصرّ على التعامل مع هذا الموضوع تعاملا سياسيا، ولو أنها تعاملت مع مطلبي بخلفية قانونية وحقوقية لمكنتني من حقوقي المكفولة بالقانون. وليس للسلطة أي حجة في حرماني من هذا الحق، هذا هو الأمر لا اكثر ولا أقل. - ألا تعتبر دخولك في إضراب عن الطعام تسييسا للموضوع؟ - بل هو عدم تسييس للموضوع. إنه مواصلة للمطالبة بهذا الحق القانوني. فأنا لم أذكر في الحجج التي سقتها لتبرير هذا الإضراب موقفي السياسي من السلطة، وإنما ذكرت الأسباب القانونية والإدارية المباشرة لهذا الإضراب، وهو حرماني من حق قانوني رغم أنه ليس هناك فصل، فالجميع يفهم أن للموضوع خلفية سياسية ولكني مصرّ على معالجته بالأساليب القانونية الحقوقية الإنسانية. - في رأيك، لماذا تمنعك السلطة من مواصلة دراستك، لماذا تحرمك من هذا الحق؟ - طبعا هذه عقوبات خارج إطار القضاء. هذا تعبير ضمني بأن السلطة ليس لها اقتناع بعدالة الحكم الذي أصدرته ضدي، وأنه لا يكفيني حكم المحكمة بالسجن والمراقبة الإدارية فتسلط علي عقوبات إضافية منها الحرمان من الدراسة، وبالتالي من حقي في الشغل وإعالة أسرتي. وليس هناك أي مبرر ذكرته السلطة لهذا الحرمان. فهم لم يتصلوا بي ولا أجابوني وكل ما هناك هو عمليه حرمان وتسويف، وهم غير قادرين على تقديم أي مبرر ولو كان لديهم مبرر فيما يفعلون معي لقدموه. - السلطة تعتبر ان ليس لديها مساجين سياسيين، بمعنى أن الذين يقبعون في السجون منذ ما يزيد عن العشر سنوات ليسوا سياسيين سياسيين بل هم من صنف ما يسمى بالحق العام، ومن يقضي مدته يبقى تحت هذا التصنيف. وبصفتك سجينا سابقا فلست بحسب مقاييس السلطة مواطنا مؤهلا لنيل هذه الحقوق التي تطالب بها؟ - لا يا سيدي، القوانين التونسية التي وضعتها السلطة الحالية، ومهما كانت التهم الموجهة اليّ، ومهما كانت العقوبة التي وجهها إليّ القضاء، فإن حقي في مواصلة التعليم ثابت بالقانون التونسي وبغض النظر عن تصنيف السلطة. أنا الآن لست في حالة نقاش لهذا التصنيف، أنا أناقشها في حق ضمنه لي القانون وهذا القانون بالذات تجعل منه السلطة لافتة دعائية أمام الرأي العام الدولي والمحلي بأنها تفتح فرص التعليم للجميع. فأنا باسم هذا القانون أطالب بهذا الحق وليس هناك أي مانع قانوني. ولو كان هناك أي نص قانوني ينص على أن الانسان الذي يحاكم في قضية نوعها كذا وكذا يحرم من الدراسة فلتواجهنا به. - ما هي الرسالة التي تريد إبلاغها من خلال إقدامك على هذا الإضراب والتي عجزت الوسائل الأخرى عن إبلاغها؟ - إضراب الجوع إن صح التعبير، وأستعير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أبغض الوسائل في النضال. فالمرء لا يختاره وإنما يضطر إليه. وأنا قضيت أكثر من سنة ونصف في إطار استفراغ الجهد للإقناع بهذا الحق بأساليب لا تلحق بي الأذي ولا باسرتي ولا حتى بسمعة الإدارة التونسية. وعندما يئست من هذه الاساليب لجأت إلى الاضراب باعتباري ملزما بقناعة أخرى وهي أنني لا أفرط في حقي. فكما ألزمت نفسي باعتماد الأساليب الهادئة وعدم التوظيف السياسي، فقد ألزمتها أيضا بأن لا أفرط في حقي. ولذلك أجد نفسي مضطرا للدخول في هذا الإضراب وإن كانت نتائجه خطيرة على صحتي. - أصبحت إضرابات الجوع وكأنها الوسيلة الوحيدة للنضال من أجل نيل الحقوق في تونس. فالمساجين السياسيون وحتى غير السياسيين يضربون عن الطعام. المناضلون السياسيون يضربون عن الطعام بالداخل والخارج، ما رأيك في اتساع هذه الظاهرة؟ - قلت لك إنني لجأت للإضراب مضطرا وكل هؤلاء مضطرون. فالوسائل الأخرى غير فعالة ذلك أنه في مجتمعات أخرى من المفروض، وإضافة الى القاعدة العامة التي يسير عليها المجتمع وتؤطر علاقاته، من المفروض أن توجد آليات عادية لمعالجة المشاكل الطارئة. فالذين ييأسون من جدوى الآليات العادية يلجئون إلى مثل هذه الأساليب التي تهدد أبدانهم وصحتهم. - هل خضت إضرابات جوع لما كنت داخل السجن؟ - أجل - ما الفرق بين إضراب الجوع داخل السجن والاضراب خارجه؟ - إضراب الجوع خارج السجن أصعب. فمن الناحية النفسية، واعتبارا لأنك تضرب داخل أهلك وذويك وهم يشهدون الوضعية، فتتعطل شؤونهم ولا يعيشون حياتهم العادية لا في الأكل ولا في البسمة ولا في الكلام، فهذا يشكل عبئا ثقيلاعلى المضرب. - كيف تصف التأثير الذي يجره إضرابك على وضعك الأسري مثلا؟ - منذ دخولي في الإضراب وكما يقال في المثل التونسي "ماركبتلناش برمة في الدار" (لم يطبخ لنا طعام) فزوجتي وأبنائي لا يأكلون إلا الخبز والحليب وخفية مني ذلك أنهم يتحرجون من الأكل رغم أنني أدفعهم إلى أن يأكلوا ولكنهم يأبون رغم أن زوجتي حامل. ثم إن المضرب داخل السجن موجود تحت مسؤولية إدارة، وهي تتحمل مسؤوليته الصحية، أما هنا فأنت تتحمل مسؤوليتك الصحية وحدك او بمساندة المناضلين المساندين لك. بالطبع الإضراب خارج السجن يتمتع بإيجابية تفاعل الاعلام إلا أنه يبقى أصعب من الإضراب داخل السجن. - أنت تضرب من أجل مواصلة دراستك وتعتبر أن حرمانك منها هو حرمان من الشغل. وفي تونس الكثير من الطلبة يتحصلون على شهائد عليا ولكنهم في النهاية محرومون من الشغل ولا يتحلصون على وظائف؟ - هذه وضعية أخرى. ففي ثقافتنا العربية الإسلامية يعتبر العلم غاية في حد ذاته وأنا عندي ميل حقيقي للتعلم مدى الحياة، ولذلك فإن أغلب مشاكلي التي كانت تقع داخل السجن متعلقة بهذا الموضوع، قضية الكتاب والكراس والقلم. أما البحث عن الشغل فهذا أمر لاحق. وعلى كل، فإن الانسان المسلح بشهادة هو أوفر حظا للحصول على وظيفة من الذي حرم من تلك الشهادة. - زميلك عبد الكريم الهاروني الأمين العام الأول للاتحاد العام التونسي للطلبة شنّ خلال الشهر الماضي داخل السجن إضرابا عن الطعام دام أكثر من خمسين يوما، وكان أحد أسباب الإضراب منعه من استلام نسخة من كتاب تفسير القرآن التحير والتنوير. - هذه خرافة "أمي سيسي" (خرافة تحكى للأطفال ويعرفها الجميع). - ماذا تعني بذلك؟ - أنا نفسي كنت قد خضت معه إضرابا مشتركا من أجل الكتب، وكنت أصنف كتبي كما يصنف هو كتبه ومن بينها التحرير والتنوير وقلت لإدارة السجن إني أطالب بأي تفسير للقرآن، وذلك منذ 1998 وقد قمنا بإضرابات مشتركة خلال سنوات 98-99-2000 منها إضرابان معه وثالث وحدي دخلت بسببه للمستشفى إذ انني تقيأت الكثير من الدم، والثاني قمت به معه ومع السجين السياسي الآخر "علي الزرو" وكنت قد أدخلت بسبب ذلك الإضراب المستشفى. وكانوا قد استجابوا وقتها لبعض المطالب الجزئية الأخرى ولكن وبالنسبة للكتب فقد كانت خارج مجال التفاوض. وهذه مسألة أسياسية، ولعلي أربط بين مسألة منع الكتب داخل السجن وسياسة منع الانسان أن يواصل دراسته خارج السجن. - هل يمكن أن تقدم لنا فهما أو تفسير لهذه السياسة، إنه ممنوع أن تتعلم، ممنوع أن تعرف، لماذا تنتهج السلطة هذه السياسة في رأيك، رغم الشعارات التي ترفعها مثل شعار "مجتمع المعرفة" خاصة وأن تونس ستستضيف النصف الثاني من المؤتمر الدولي لمجتمع المعرفة بعدما شاركت في جزئه الأول في جنيف؟ - هذا سيدخلنا في السياسة، ولعله يكون موضوع حوار آخر. طبعا الدلالات لا تخفى على أحد لكن للتفصيل فيها يجب ان ندخل في حديث سياسي. بالطبع هناك استراتيجيات وهناك خطط قد يكون المجال ضيقا للتفصيل فيها. - كلمة أخيرة وأنت مضرب عن الطعام، ماذا تنتظر من زملائك ورفاقك؟ - أنا أحييهم، أحيي كل من ساندني سواء أكان أقر قراري أم لم يقره، أحيي ارتفاع الجميع فوق الحساسيات الحزبية والفكرية باعتبار أن الأمر متعلق بقضية حقوقية وإنسانية. فأنا أوجه لهم تحية قلبية خالصة ولن أنسى لهم هذه الوقفة إن شاء الله. وما دام الإنسان برغم الصعوبات وبرغم العنت يلقى من يقف معه، فان شاء الله يكون كل شيء بخير. رجائي أن تخبروا الجميع بأني بخير وأن الصحة من أحسن إلى حسن. - نرجو أن تكون من حسن إلى أحسن. ونجدد لك الشكر على قبولك الإجابة على أسئلتنا رغم حالتك الصحية. |
|
|||||||||||||||||||||
|
© Aqlamonline 2004 |