|
د. عدنان
المنصر (*)
لا
يمكن
التطرق
لتطور
مقاربة
الهوية في
تونس دون
عودة إلى
جذور
الوطنية
التونسية.
ذلك أن طرح
هذه
المسألة
إنما تم في
خضم السعي
لحماية
مقومات
الثقافة
والانتماء
الحضاري
التونسي،
بإزاء
محاولات
الاستعمار
الفرنسي
فسخ تلك
المقومات
أو الحط من
شأنها.
بالعودة
إلى
الثلاثينات
من القرن
الماضي
تتضح لنا
الأزمنة
الحاسمة
لطرح مسألة
الهوية،
والطريقة
التي واجه
بها
الوطنيون،
يتقدمهم
بورقيبة
بصفة خاصة،
تلك
المحاولات.
كما أن
العودة
لمواطن
الذاكرة
تلك تمكننا
من الولوج
إلى تصور
بورقيبة
للهوية
والانتماء
الحضاري
لتونس
والتونسيين،
ذلك التصور
الذي سيحدد
إلى درجة
بعيدة
طبيعة
السياسة
التي
سينتهجها
عندما
سيتزعم
دولة
الاستقلال،
وسيكون
عليه أن
يضبط
خيارات
الدولة
الفتية
إزاء
المسألة
الثقافية.
وتمثل
محاضرة
السيدة
المنشاري
حول الحجاب
والتي
ألقتها في
سنة 1929 على
منبر جمعية
التقدم
نقطة
مركزية في
تعبئة
الوطنيين
حول القضية
الثقافية،
كذلك الشأن
بالنسبة
لقضية
التجنيس في
بداية
الثلاثينات.
ففي
المناسبتين
رأينا
بورقيبة
منتفضا ضد
محاولات
الفرنسيين
إهانة
الشخصية
التونسية
التي كانت
تعيش خطر
التفسخ
أمام ثقافة
فرنسية
غازية. ففي
رده على
محاضرة
السيدة
المنشاري
وعلى تدخل
الزعيم
الاشتراكي
جواكيم
دورال، رفض
بورقيبة
بشدة
الأفكار
التي سعت
إلى اعتبار
الحجاب
خارجا عن
مقومات
الشخصية
التونسية،
تلك
الشخصية
التي أنكر
الزعيم
الاشتراكي
وجودها
أصلا،
ورمزا من
رموز تقهقر
المرأة
وتخلفها
الاجتماعي.
كتب
بورقيبة في
جريدة
الرائد
التونسي
آنذاك
مستنكرا : "هكذا
إذا فإن
وحدة
التراب
والاشتراك
في المعتقد
واللغة
والعادات
والماضي،
والأفراح
التي
عشناها
سوية
والهزائم
والإهانات
التي
عشناها معا
أيضا، كل
ذلك لا يمثل
للسيد
جواكيم
دورال
عاملا
كافيا ينشئ
بين أبناء
هذه البلاد
أي إحساس
بالوحدة،
وأية فكرة
للوطن".
ذلك أن
بورقيبة
وإن تبنى
تعريف
الأمة
بمفهومه
الأكثر
شيوعا،
فإنه أعطى
للتاريخ
المشترك
قيمة تضاهي
القيمة
التي
تحتلها
وحدة
الاعتقاد
واللغة
والمجال،
ذلك أن
العيش
المشترك
يرسخ بين
الناس نوعا
من الوحدة
التي
تجعلهم
يتصرفون
كمجموعة
متراصة
إزاء كل ما
يتهددهم.
ويضيف
ورقيبة "إن
هذا
التاريخ
المشترك
يخلق
عادات،
وأخلاقا
وخاصيات
تصوغ
الشخصية
المتفردة
للمجموعة".
وهكذا فإن
بورقيبة
الذي كان في
بداية
مسيرته
السياسية
قد اعتبر
الحجاب
عنصرا من
عناصر
الشخصية
التونسية
وعادة
تطورت عبر
القرون إلى
حد أن أصبحت
مميزة
للذاتية
التونسية.
انطلاقا من
هذه النقطة
تساءل
بورقيبة
أيضا عن
جدوى
الفكرة
القائلة
بأنه كلما
تفسخت
الشخصية
التونسية
كلما سهل
ذلك
إدماجها في
البوتقة
الثقافية
الفرنسية،
مستخلصا لا
فقط أن ذلك
غير ممكن،
وإنما أيضا
غير ضروري.
كان الأمر
في علاقة
بالدعاية
الاشتراكية
والشيوعية
التي تهدف
إلى نشر
فكرة أنه
كلما تخلت
الشعوب عن
خصائصها
الثقافية
كلما كان
ذلك جيدا
لوحدة
الإنسانية
وتقريبا
لنشأة
المجتمع
العادل
الذي لا فرق
فيه بين
المجموعات
إلا على
أساس طبقي.
ليس
هنا مجال
التأكيد
على حدود
التحليل
المادي
التاريخي
للمسألة
الثقافية،
باعتبار أن
الموضوع قد
حظي
بدراسات
عديدة،
ولكن علينا
أن نشير إلى
أن الطابع
المحافظ
لردة الفعل
الوطنية
تجاه خطر
الإدماج
والفرنسة،
كان منطلقه
موقف يسند
إلى خصوصية
الهوية
وتفردها.
غير أن
بورقيبة
كان يرى أن
التقدم ليس
مناقضا
للمحافظة
على مقومات
الذاتية
التونسية
المتفردة،
بل إن العكس
هو ما سيؤسس
لحالة من
الإنبتات
يفقد
بموجها
الشعب
المدمج في
الوقت نفسه
خصوصيته
وقدرته على
متابعة
السير،
لذلك نجده
يصرح بقوة
أن "التطور
ضروري،
وإلا كان
الموت. غير
أنه يجب أن
يكون تطورا
سلسا، دون
قطيعة،
بالطريقة
التي تحفظ
لوجودنا
المتفرد
وحدته وبما
يجعل تلك
المميزات
بارزة
باستمرار
في وعينا".
كان
بورقيبة
الشاعر
بتلك
الأخطار
معبرا عن
حالة من
القلق
العميق،
التي كانت
تجتاح
قطاعات
عريضة من
التونسيين
أمام ميل
البعض إلى
الحصول على
الجنسية
الفرنسية،
بالتوازي
مع الزحف
الساحق
للقيم
الثقافية
الفرنسية
المهددة
للذاتية
التونسية
في أدق
مراحل
وجودها. كان
بورقيبة
يبدو
مسكونا
بهاجس
الاستمرارية
وبرفض
للذوبان في
ثقافة
الغازي لا
ينقص من
حدته
إيمانه بأن
التطور
بالانفتاح
على مكاسب
الحضارات
الأخرى هو
الشرط
الحقيقي
للاستمرارية.
غير أنه في
الآن نفسه
انفتاح
إرادي لا
يجب أن يعني
أية قطيعة
أو تمزق
تمليه
الثقافة
الغازية.
كان الأمر
يتعلق في
نظره بنوع
من
الاندماج
الإرادي
السلس
والتدريجي
في قيم
العصر،
مثلما كان
الأمر
باستمرار
عبر تاريخ
البلاد
التونسية.
ما هي مكانة
الدين في
خطاب
بورقيبة
حول
الحجاب؟
لقد أكد
مهاجمو
بورقيبة
باستمرار
على
استخدام
الزعيم
للخطاب
الديني،
ونحن نعتقد
أن هذا
البعد حاضر
دون أدنى شك
في خطابه
حول
الهوية،
ولكنه ربما
لم يكن
البعد
الأهم. فإذا
كانت جملة
من
الاعتبارات
المتأخرة (اللاحقة)
قد أعطت
لمسألة
الحجاب
أهمية أكثر
من التي
كانت
تميزه، فإن
الخوف من
السقوط في
هوة
اللاتاريخية
يمنعنا من
اعتبار
البعد
الديني أهم
أبعاد قضية
الحجاب
عندما طرحت
في
ثلاثينات
القرن
العشرين.
ذلك أن
مقاربة
بورقيبة
للمسألة
بوصفها
مقاربة
ثقافية
وهوياتية identitaire
بامتياز
كانت تولي
القيمة
الأساسية
للجانب
الاجتماعي
والسياسي
حتى وإن لم
تنكر حضور
الاعتبار
الديني.
هناك دليل
على ذلك
نجده في
تصدي
بورقيبة،
في كتابات
لاحقة،
لمسألة
الدفاع عن
حمل
التلاميذ
التونسيين
للشاشية.
فقد نشر
بورقيبة في 1933
مقالا رد
فيه على
الإجراءات
التي
اتخذتها
إدارة
المعهد
العلوي
بمنع
التلاميذ
التونسيين
من ارتداء
غطاء الرأس
التقليدي.
في هذا
المقال
يركز
بورقيبة
على نقطة
أساسية،
وهي أن
الرمز
الثقافي
ليس له نفس
المعنى من
فضاء حضاري
إلى آخر،
فإذا كان
الفرنسيون
يرون في
بقاء الرأس
مغطى دلالة
على عدم
الاحترام،
فإن العكس
تماما هو ما
يفهم من
تعرية
الرأس في
الثقافة
التونسية،
من هنا
انطلق
بورقية
لإدانة ذلك
"الهوس بجعل
المجموعات
المختلفة
ثقافيا
وتاريخيا،
والتي
يتميز كل
منها
بعادات
وتقاليد
متمايزة،
كتلة واحدة
متجانسة:
تلك أكبر
إهانة يمكن
أن توجه
لكرامتنا".
وهكذا ففي
حين أن
خطابه في
الرد على
مهاجمي
الحجاب
اتسم بنوع
من الهدوء
فإنه اتخذ
هذه المرة
طابعا
حادا، وهو
أمر لا يمكن
فهمه بمعزل
عن الظرفية
المتفجرة
لبداية
الثلاثينات
في العلاقة
بالمؤتمر
الأفخارستي
وبمسألة
التجنيس،
والتي أدت
لاحقا إلى
اضطرابات
دامية، ثم
إلى ظهور
جناح متشدد
داخل
الحركة
الدستورية
تجسم في
انشقاق
مارس 1934.
كانت كل تلك
المسائل
تقترب من
الحقل
الديني وهو
أمر لم يخفف
من الشعور
بحدته أي
مسعى جدي من
قبل
الدعاية
الرسمية.
وقد بقي
بورقيبة
كغيره من
التونسيين
حساسا لما
بدا كعمل
منسق
لإهانة
معتقدات
التونسيين،
والحط من
كرامتهم
الحضارية،
منذ ما قبل
هذه الفترة
وبالخصوص
منذ 1925 عندما
وقع نصب
تمثال
الكاردينال
لافيجري في
مواجهة
المدينة
العتيقة،
موليا وجهه
شطره جامع
الزيتونة
وحاملا في
يده الصليب.
ورغم أن
بورقيبة
كان إبان
تلك
الأحداث لا
يزال
مشغولا
بدراسته،
أو بتركيز
نشاطه
المهني،
فلا شك أنه
كان لها
بالغ الأثر
على نفسيته
وعلى
التزامه
الوطني، بل
وعلى صياغة
الوعي
الوطني
بحماية
الهوية
الثقافية
للبلاد،
والتصدي
لإهانة
العامل
الأكثر
حيوية
فيها، وهو
الشعور
الديني. كان
شعور
الإهانة
شديد
الحضور في
خطابات
الزعيم
الذي جعل
منه عنصرا
لتهييج
الشعور
الوطني. فقد
أحسن الرجل
استغلال "الهفوات"
الفرنسية،
وحول
الشعور
الديني من
مجرد مكون
ضمن مكونات
الهوية
المدافع
عنها، إلى
محرك أساسي
للشعور
والعمل
الوطنيين.
هناك زمن قوي
آخر لرد
الفعل
المنطلق من
اعتبارات
الهوية حيث
سينجح
الزعيم في
الحصول على
خلطة
متفجرة من
الشعور
الديني
والوعي
الوطني،
وهو أمر
تجسم إبان
التصدي
لقضية
التجنيس.
يجب
التوضيح
هنا أنه إذا
كانت أول
بادرة
لإدانة
التجنيس من
منطلق
الاعتبارات
الدينية قد
صدرت عن
مفتي بنزرت (الشيخ
إدريس)،
وليس عن
الوطنيين،
فإن سلطات
الحماية هي
من أقحم
الهاجس
الديني في
هذه
المسألة
بالتوجه
بطلب فتوى
المجلس
الشرعي في
المسألة.
سيكون
للمسألة
انعكاسات
خطيرة، حيث
أنه
باستعانتها
بالجهاز
الديني
الرسمي فإن
السلطات
كانت قد
أعطت
الوطنية
الفرصة
التاريخية
لإقحام
قرار سياسي
في معترك
الجدل
الديني، في
ظرفية
شديدة
التأزم
اقتصاديا
واجتماعيا،
وهو ما
سيؤدي إلى
بداية مسار
التحرر
الشامل
طريقة
النهائية.
ما يهمنا
بالأساس
هنا هو
اندماج
بورقيبة في
الجدل
الديني،
حيث كتب
محتجا على
فتوى
المجلس
الشرعي،
التي فصلت
بين الجانب
الديني
والجانب
السياسي
للمسألة: "إن
الإسلام كل
لا يتجزأ
يؤخذ كله أو
يترك كله،
ولا يمكن
أبدا حصره
في
العبادات
أو النطق
بالشهادتين...
أليس من
العبث أن
الإسلام
الذي صمد
أمام كل
الأحداث
واحتفظ
بهيبته
وحيويته
كاملتين
عبر القرون
يمكن أن
يسمح،
اعتمادا
على أمل
الغفران،
بالخيانات".
لقد نعت
بورقية
المتجنسين "بالمرتدين"
الذين
بهروبهم من
وضعيتهم
كتونسيين "يفلتون
من القضاء
الشرعي
الإسلامي
ومن قانون
الرسول".
يبدو هذا
الخطاب
جديرا
بفقيه
متشدد،
لكنه صدر عن
سياسي تزعم
النضال
الوطني
وآمن
بحساسية
الشعور
الديني
كمنبع
رئيسي
للحماس
الوطني.
مع ذلك فقد
ظلت مقاربة
بورقيبة
ثقافية
بالأساس
حيث بدا
وكأنه
يواصل
السجال مع
الاشتراكيين
من حيث توقف
في 1929: "طالما
استمر
الوضع
الاستعماري،
فإن من حق
المقهورين،
ومن
واجبهم،
الدفاع بكل
ما أوتوا من
قوة ضد
التفتت
والتفسخ
والموت. من
حقهم، ومن
واجبهم
أيضا،
حماية
وجودهم
بالتصدي
لهروب
البعض
وخيانة
البعض
الآخر، من
حقهم، ومن
واجبهم، أن
يحموا
ذاتيتهم
الوطنية
والدينية
ضد تعديات
المحتل
الأجنبي".
وهكذا
فإن
بورقيبة
كان يقارب
مسألة
الكفاح
الوطني
بالخصوص
كصراع من
أجل حماية
الهوية
التونسية.
ومن
الطبيعي
هنا أن
الكفاح من
أجل
استعادة
السيادة
الوطنية
كان يمر
حتما
باستعادة
الكرامة
المهدورة
لشعب يرفض
الذوبان في
ثقافة
الغازي. كان
الأمر
يتعلق بنوع
من الغريزة
التي تدفع
بكائن حي
للدفاع عن
وجوده
المهدد
باستعمال
كل متاح
لديه،
وبالأخص
السلاح
الذي كان
يضمن تكتيل
المستعبدين
وتوحيدهم
واستعصائهم
عن
الابتلاع.
مؤرخ من
تونس (*)
|