|
عادل
الثابتي
"إن
مجتمعنا
يطمح
للتمكّن من
تاريخ
للزمن
الحاضر"
روني ريمون (مؤرخ
فرنسي)
أثارت
شهادة أحمد
التليسي
على منبر
مؤسسة
التميمي
للبحث
العلمي
والمعلومات
بتونس،
خلال شهر
جويلية/تموز
الماضي،
وهو أحد
المشاركين
في
المقاومة
المسلحة ضد
الاستعمار
الفرنسي
خلال
خمسينيات
القرن
الماضي،
وهو في نفس
الوقت أحد
مديري أشهر
معتقل نُصب
لتصفية
المعارضة
اليوسفية،
ألا وهو
المحلّ
المعروف
بصبّاط
الظلام،
العديد من
التساؤلات.
كما أثارت
العديد من
الردود
والاحتجاجات،
وصل بعضها
إلى درجة
المطالبة
بإحالة
التليسي
على
المحكمة
بتهمة
التعذيب،
وهي جريمة
لا تسقط
بالتقادم(1).
وتعرض
التليسي،
الذي ارتبك
بعد ارتفاع
الأصوات
المنادية
بمحاكمته،
إلى ضغوط
كبيرة من
العديد من
الجهات،
التي يبدو
أنها تخشى
أن يكشف
تواصل
الإدلاء
بشهادته عن
تورطها في
قضايا تحرص
هذه
الأطراف
على أن تبقى
طي النسيان.
هذا
الارتباك
وهذه
الضغوط
أفضت في
النهاية
إلى إلغاء
حصة ثالثة
من
الاستماع
إلى شهادة
أحمد
التليسي،
كان
الدكتور
التميمي
مدير مؤسسة
التميمي
للبحث
العلمي
والمعلومات
قد وعد بها
رواد
مؤسسته في
نهاية حصة
الاستماع
الثانية.
ولكن بقطع
النظر عن
هذه
الحيثيات
وما صاحبها
من احتجاج
بعض
الحقوقيين
على "السماح
لجلاد
بالحديث
كشاهد على
تاريخ
البلاد"،
وردود
الدكتور
التميمي،
الذي دافع
عن دور
مؤسسته في
كشف حقيقة
ما خفي من
تاريخ
الزمن
الحاضر
التونسي،
فإن شهادة
التليسي
وغيرها من
الشهادات،
التي تداول
على
الإدلاء
بها على
منبر مؤسسة
التميمي
عشرات من
الوزراء
السابقين
وكبار
الموظفين
السابقين،
وأيضا
العديد من
المعارضين
للنظام
البورقيبي،
تحيلنا إلى
أسئلة
معرفية
هامة حول
تاريخ
الزمن
الحاضر
التونسي. هل
يبقى هذا
التاريخ
رهين
شهادات
يدلي بها
البعض على
منبر هذه
المؤسسة
العلمية
الخاصة؟
وهل تكفي
هذه
الشهادات
لتكوِّن
رصيدا
معلوماتيا
يستعمله
المؤرخون
للوصول إلى
الحقيقة
التاريخية
في ما يتعلق
بتاريخ
دولة
الاستقلال،
أم إنّ
الباحثين
يجب أن
يرفعوا
أصواتهم
للمطالبة
بالإفراج
عن الأرشيف
العمومي،
الذي لا
يزال مغلقا
أمامهم(2).
وقبل
الإجابة عن
هذه
الأسئلة
يجب أولا
البحث في
مدى
إمكانية
إنجاز بحوث
في تاريخ
الزمن
الحاضر،
فهل فعلا
ثمة
إمكانية
لإنجاز
بحوث حول
هذا
الاختصاص؟
وأي إمكان
للحديث عن
تاريخ
للزمن
الحاضر؟ لا
شك أن عمل
المؤرخ ظل
يعتمد على
المصادر
الأرشيفية
بدرجة
أولى، وهي
التي حددت
المدرسة
الوضعية
طرق وآليات
التعامل
معها. وظلت
هذه
المدرسة
تُقدِّس
الوثيقة،
وتتوجه
أساسا إلى
التاريخ
السياسي
كتاريخ
السلالات
الحاكمة،
وتاريخ
المعارك
الكبرى،
إلى أن جاءت
مدرسة
الحوليات
الفرنسية
خلال
عشرينات
القرن
الماضي،
وفتحت
آفاقا
جديدة
للبحث
التاريخي،
متعلقا
بالمسائل
الاقتصادية
والاجتماعية.
ولكن
المصادر
الأرشيفية
ظلت أداة
أساسية من
أدوات بحث
المؤرخ. هذا
من جهة ومن
جهة أخرى ظل
الابتعاد
عن الأحداث
الساخنة
والآنية
ميزة البحث
التاريخي،
إلى حدود
الحرب
العالمية
الثانية.
بعد هذه
الحرب،
طُرِحت،
خاصة في
فرنسا، عدة
أسئلة حول
المقاومة
وحول حكومة
فيشي، التي
تعاونت مع
المحتل
النازي،
وغيرهما من
المواضيع
المتعلقة
بوضع فرنسا
خلال تلك
الحرب،
وأنشئت
لهذا الغرض
لجنة بحثية
سميت "لجنة
تاريخ
الحرب
العالمية
الثانية".
وتواصل
الجدل بين
المؤرخين
الفرنسيين
حول مدى
علمية
الحديث عن
تاريخ
للزمن
الحاضر،
وخاصة بعد
تأسيس معهد
تاريخ
الزمن
الحاضر (I.H.T.P)
سنة 1980، وامتد
مجال بحث
تاريخ
الزمن
الحاضر من
سنة 1939 (سنة
اندلاع
الحرب
العالمية
الثانية)
إلى أيامنا
هذه. تحجّج
الرافضون
لاختصاص
تاريخ
الزمن
الحاضر
بغياب
الأرشيف.
ولكن
المدافعين
عن هذا
الاختصاص
بينوا قصور
الوثيقة عن
الوصول إلى
الحقيقة،
التي تبقى
دائما
رهينة
توفّر عدة
عوامل ليست
حكرا على
الأرشيف.
وبيّن أحد
المختصين
أن تقريرين
لعميلين
لجهاز
البوليس
السري حول
اجتماع
واحد
بإمكانهما
أن يكونا
غير
متماثلين(3).
كما بيّن
باحثون
آخرون أن
ندرة
الأرشيف هي
مشكلة
تتقاسمها
كل
الاختصاصات
التاريخية،
بما فيها
اختصاصات
التاريخ
القديم
والتاريخ
الوسيط
والتاريخ
الحديث(4)،
وانتبه
الباحثون
في تاريخ
الزمن
الحاضر إلى
أهم مصدر من
مصادر هذا
التاريخ،
ألا وهو
الشهادات
الشفوية،
ذلك أن هذا
التاريخ
كما يقول
المؤرخ
الفرنسي
مارك بلوك
هو "تاريخ
ينجز بحضور
الشهود"،
ولكن هذا -
طبعا- لا
ينفي وجود
المزالق
والمتاهات،
مما يفرض
حذر المؤرخ
ويقظته،
فالذاكرة
دائما
انتقائية
بصفة
إرادية أو
لا إرادية(5).
ولكن رغم
هذه
المحاذير
فإن
الاتجاه
الغالب
اليوم لدى
المؤرخين
يذهب إلى
إمكان
البحث في
مواضيع
تاريخ
الزمن
الحاضر، بل
إن بعضهم
يعتبر ذلك
مطلبا
اجتماعيا(6).
أسئلة
حول تاريخ
دولة
الاستقلال
التونسية
تنتظر
الإجابة:
كما
أسلفنا
القول
أيقظت
ندوات
مؤسسة
التميمي
للذاكرة
الوطنية
الأسبوعية
أو كما يحلو
للدكتور
التميمي
تسميتها بـ"سمينارات
الذاكرة
الوطنية"،
الأسئلة
النائمة أو
المحرّم
تداولها
سابقا حول
العديد من
الأحداث،
التي
شهدتها
البلاد،
خلال
الستينيات
والسبعينيات
والثمانينيات
من القرن
الماضي.
ومسّت بعض
الحلقات
أحداثا
قريبة منا،
دارت خلال
تسعينيات
القرن
الماضي. ولم
يقتصر
النبش في
ملفات
تاريخ
الزمن
الحاضر
التونسي
على مؤسسة
التميمي،
بل كُتِبت
بعد نوفمبر 1987
العديد من
المذكرات،
أغلبها
لمسؤولين
سابقين في
الدولة،
نذكر على
سبيل
المثال
مذكرات
الطاهر
بلخوجة
وزير
الداخلية
الأسبق في
عهد
بورقيبة،
ومذكرات
محمد مزالي
الوزير
الأول
الأسبق،
ومذكرات
الباجي
قائد
السبسي
وزير
الخارجية
الأسبق.
وخلال هذه
المذكرات
لئن اعترف
البعض
بقليل من
التجاوزات،
التي حدثت،
فإنهم
حاولوا
التملص من
المسؤولية،
وإظهار
توقهم
للديمقراطية،
ودفاعهم
عنها خلال
توليهم
للمسؤولية.
كما إن
العديد من
الأحداث لم
تقع
دراستها
دراسة
علمية، وهي
أحداث
كثيرة، ولا
يزال
المجتمع
بصدد البحث
عن أجوبة
عنها. إذ إلى
حد الآن لا
يتم إلا
تناول
الرواية
الرسمية
لها. ومن هذه
الأحداث
أحداث
الخلاف
البورقيبي
اليوسفي،
وأحداث
القيروان
في جانفي/كانون
الثاني 1961،
فالمتهم
الرئيسي
فيها
المرحوم
الشيخ عبد
الرحمان
خليف مات
ولم يتحدث
عمّا حصل له
خلال تلك
الأحداث(7)،
وأحداث ما
سمي
بالمؤامرة
سنة 1962، وكذلك
سنوات
الصراع بين
بورقيبة
واليسار
الماركسي،
وأحداث
الأزمة بين
الدولة
والاتحاد
العام
التونسي
للشغل سنة 1978،
وانتخابات 1981
التشريعية
وما رافقها
من تزوير،
وكذلك
تاريخ
الحركة
الطلابية
التونسية.
كل هذه
الأحداث
ينتظر
المجتمع
إجابات
عنها.
والهدف من
هذه
الإجابات
ليس قضائيا
كما ذهب إلى
ذلك
الأستاذ
محمد رضا
الأجهوري
في تعقيبه
على شهادة
أحمد
التليسي،
بل هو هدف
مزوج
المقصد:
أخلاقي
ومعرفي.
الهدف
الأخلاقي
يتمثل في
واجب
الذاكرة
وإنصاف
الضحايا،
أو ما
اعتبره بول
ريكور "دينا
تجاه من
نسيهم
التاريخ،
ضحايا
التاريخ"(8)،
ودعوة
الدولة
الحديثة،
دولة
الاستقلال
إلى
الاعتذار
للضحايا،
إثر الجدل
الذي
أثارته
شهادة أحمد
التليسي
أحد مشرفي
مخفر "صباط
الظلام"،
الذي
عُذِّب فيه
اليوسفيون
زمن الخلاف
البورقيبي
اليوسفي
على منبر
مؤسسة
التميمي
يومي 4 و11
جويلية/تموز
2009(9). أما الهدف
المعرفي
العلمي فهو
يتمثل في
ضرورة
دراسة
تاريخ
الزمن
الحاضر
التونسي
دراسة
علمية،
تخرج به من
ملاحقة "بعض
قدامى
السياسيين
والصحافيين
و"المشاركين"
وغيرهم من
المتطفلين
على هذا
التاريخ"(10)
إلى
الدراسة
التاريخية،
التي تخضع
إلى منهجية
علمية
صارمة.
تاريخ
الزمن
الحاضر
التونسي:
مهمة
الخواص أم
مسؤولية
مؤسسات
الدولة؟
لا
بد من
الإشارة
إلى أن معهد
تاريخ
الحركة
الوطنية
حسب
القانون
المؤسس له
لا تتجاوز
فترة
اهتمامه
بداية
الستينيات،
أي فترة
خروج آخر
فلول
الاستعمار
الفرنسي.
وكما
أسلفنا
القول
تكفلت
مؤسسة
التميمي
للبحث
العلمي
والمعلومات
بجمع
الشهادات
الشفوية،
التي لا
ترتقي إلى
أن تكون
تاريخا
للزمن
الحاضر
التونسي،
بل قاعدة
بيانات لا
تعدو أن
تكون مادة
خاما
للبحث،
تجتاح إلى
باحثين
متمرّسين
لاستثمارها
وتسليط
الأضواء
على العديد
من الزوايا
المظلمة في
تاريخ تونس
ما بعد
الاستعمار،
والإمكانيات
المادية
لتلك
المؤسسة هي
بلا أدنى شك
دون أن تكفي
لانتداب
باحثين،
تكون لهم
القدرة على
استعمال
وسائل أخرى
للبحث،
ويعودون
إلى
الأرشيف
الصحفي،
الذي يبقى
هو أيضا من
أهم أدوات
عمل مؤرخ
الزمن
الحاضر(11). لقد
حان الوقت
حسب رأينا
لتأسيس
معهد
لتاريخ
الزمن
الحاضر
التونسي،
له
استقلالية
أكاديمية
ومالية،
يسعى
الباحثون
فيه إلى
محاولة
الإجابة
العلمية عن
كل الأسئلة
المطروحة
حول هذه
الفترة من
تاريخ
البلاد. إن
رفع هذا
المطلب لا
يحجب عنا
أبدا أن
إشكاليات
تاريخ
الزمن
الحاضر في
البلدان
التي تغيب
فيها
تقاليد
الحوار
الديمقراطي،
هي إشكالية
صعوبة
تقبّل
الدولة
الفتية
نتائج هذه
البحوث،
بحكم أنها "لم
تكتسب بعد
القدرة على
مكاشفة
ومحاسبة
نفسها،
ونقد
ذاتها،
وتحمل وطأة
الاعتراف
بنقاط
ضعفها..."(12).
ولكن هذه
الصعوبات
لن تكون
عائقا أما
سعي
الباحثين
إلى
تحقيقه، و"مسافة
الألف ميل
تبدأ بخطوة".
|
|
الهوامش
|
|
|
|
طلب
الأستاذ
محمد رضا
الأجهوري
وهو محام
وأستاذ
قانون
بالجامعة
التونسية
|
1
|
|
الوطنية
،المجلة
التاريخية
المغاربية
عدد 130،مارس 2008
منشورات
مؤسسة
التميمي
للبحث
العلمي
والمعلومات،تونس
أفريل 2008 ص 8/9
|
2
|
|
Prost (Antoine), « Histoire du temps présent et
enseignement », Historiens et géographes, Paris , N°287
,décembre 1981, p447
|
3
|
|
حمزة (حسين
رؤوف)،مقدمة
كتاب عدنان
منصر، دولة
بورقيبة.
فصول في
الايدولوجيا
والممارسة 1956-
1970 )، منشورات
كلية
الآداب
والعلوم
الإنسانية
بسوسة،الطبعة
الأولى 2004، ص
10
|
4
|
|
Ricœur (Paul).(Remarque d’un philosophe) in Ecrire
l’histoire du temps présent en hommage à François Bédarida,
actes du journée d’étude de Institut d’Histoire du Temps Présentle
14 mai1992 ;édition CNRS , Paris 1993 ;p 36
|
5
|
|
Remond (René), Pourqoi notre société veut-elle une
hitoire du temps présent ? in Ecrire l’histoire du temps présent
en hommage à François Bédarida, actes du journée d’étude de
Institut d’Histoire du Temps Présent le 14 mai1992 ;édition
CNRS , Paris 1993 p423
|
6
|
|
الحماص (محمد)
تداعيات
مظاهرة
جانفي 1961
بالقيروان،
المجلة
التاريخة
المغاربية
عدد 114،جانفي
2004 منشورات
مؤسسة
التميمي
للبحث
العلمي
والمعلومات
زغوان ص70
|
7
|
|
ريكور (بول)،
ريكور
والسرد (ندوة
)، الوجود
والزمان
والسرد.فلسفة
بول
ريكور،جماعي،
تحرير
ديفيد
وورد،ترجمة
وتقديم
سعيد
الغانمين
الطبعة
الأولى 1999،المركز
الثقافي
العربي،الدار
البيضاء /بيروت،ص246
|
8
|
|
حوار
المؤرخ عبد
الجليل
التميمي مع
وكالة
القدس براس
وجريدة
مواطنون،مواطنون
عدد 115 -22
جويلية 2009
|
9
|
|
حمزة (حسين
رؤوف)،مقدمة
كتاب عدنان
منصر، دولة
بورقيبة.
فصول في
الايدولوجيا
والممارسة 1956-
1970 )، منشورات
كلية
الآداب
والعلوم
الإنسانية
بسوسة
الطبعة
الأولى 2004
|
10
|
|
Prost (Antoine) ( Histoire du temps présent et
enseignement)…op.cit p 447
|
11
|
|
حمزة (حسين
رؤوف)،مقدمة
كتاب عدنان
منصر، دولة
بورقيبة....
مرجع مذكور
سابقا، ص 12
|
12
|